أخبارالتقاريرتقاريررئيسيةعاجلنفط

حصري لـ”الطاقة”.. وثائق تكشف تفاصيل أوّل خطّة سعوديّة لإنشاء أوبك

قدمها الشيخ عبد الله الطريقي قبل إنشاء المنظّمة بأربعة أشهر ونصف

نشرة أميركية منذ عام 1960 تصف الطريقي بأنه الشخص الأكثر تحدّثًا عنه في عالم النفط

اقرأ في هذا المقال

  • تفاصيل النشرة الخاصة بالمنظمة الداعية لمؤتمر المنتجين المستقلين
  • هدف "الطريقي" و"ألفونسو" تقنين الإنتاج بما يتواءم مع الطلب على النفط
  • الطريقي: إنشاء أوبك هو محاكاة للسوق الأوروبية المشتركة

مع انهيار أسعار النفط، في مارس/آذار، وأبريل/نيسان الماضيين، ومحاولة “أوبك” و”أوبك+” وقتها، تخفيض الإنتاج، تعالت أصوات بعض المنتجين الأميركيّين المستقلّين، مطالبين بالتعاون مع أوبك بطريقة أو بأخرى، لتخفيض الإنتاج وترشيده، كي يتواءم مع الطلب على النفط.

كما طالب بعض المنتجين مفوّضية سكّة حديد تكساس، ومثيلاتها في أوكلاهوما وداكوتا الشمالية، بالتدخّل لإجبار المنتجين الأميركيّين على تخفيض الإنتاج بنسب معيّنة، كما كانوا يفعلون في الماضي، بين عامي 1930 و1970.

هذا النوع من “التناغم” بين المنتجين المستقلّين في الولايات المتّحدة وأوبك، ليس جديدًا، وتثبته وثائق حصلت عليها “الطاقة”، تشير إلى أن مؤسّسي أوبك، الوزير الفنزويلّي خوان بيريز ألفونسو، والسعودي عبدالله الطريقي -الذي عُيِّن بعد ذلك وزيرًا للبترول- درسا طريقة تحكّم مفوّضية سكّة حديد تكساس في إنتاج النفط، ثمّ بدأ الاثنان التحرّك لتأسيس “أوبك”، بهدف تقنين الإنتاج وترشيده بما يتواءم مع الطلب على النفط.

ومن الواضح أن هذه الجهود لم تكن سرّية، إلّا أن وسائل الإعلام تجاهلتها، ودليل ذلك أن المنتجين المستقلّين دعوا كلًّا من “ألفونسو” و”الطريقي” لإلقاء كلمات في مؤتمرهم السنوي، أوّل مايو/أيّار عام 1960، قبل تأسيس أوبك بـ 4 شهور ونصف، بهدف التعرّف على أفكارهما، والتعاون معهما.

حصلت “الطاقة” -حصريًّا- على وثائق ومعلومات، من ضمنها النشرات الخاصّة بالمنظّمة الداعية لمؤتمر المنتجين المستقلّين، وأجزاء من نصّ خطاب “الطريقي”، الذي تحدّث فيه بشفافية كاملة عن خطّته مع “ألفونسو”، لإنشاء منظّمة تجمع الأقطار المصدّرة للنفط، هدفها ترشيد الإنتاج وتخفيضه ليتواءم مع الطلب.

تتضمّن هذه الوثائق والمعلومات، لقاء “الطريقي” -قبل أن يصبح وزيرًا للبترول- خوان بيريز ألفونسو، في مدينة هيوستن، ثمّ السفر في سيّارة ابن ألفونسو إلى تايلر، تكساس، بعد دعوتهما للمشاركة في مؤتمر منتجي ومالكي تكساس للنفط المستقلّين.

جزء من هذه المعلومات يُثبت عدم صحّة بعض ما نشرته “فوربس” عن الطريقي، مؤخّرًا.

وكان ألفونسو -الذي يكبر الطريقي سنًا- قد سمع عنه من خلال مساعديه، الذين درسوا مع الطريقي في جامعة تكساس،

ماذا قالوا عن الطريقي؟

كان من بين الوثائق، النشرة الخاصّة بالمنظّمة للترويج للمؤتمر، والتي كتبت عن الطريقي، ما يلي: الشيخ السعودي عبد الله الطريقي.. الشخص الأكثر تحدّثًا عنه في عالم النفط، سيكون محور الاهتمام الدولي، عندما يُلقي كلمته أمام “منظّمة منتجي النفط ومالكيه في تكساس” (تيبرو) خلال الاجتماع السنوي بمدينة تايلر في تكساس.. متحدّث بارع من جيل جديد من مسؤولي النفط العرب، وصُنِّف الطريقي -الذي تلقّى تعليمه في تكساس- بأنّه “العربي الوحيد الذي يفهم حقيقة صناعة النفط”.

وتابعت النشرة: “كونه يترأّس شؤون النفط والمعادن، فهو بعمر 41 سنة، رجل الدولة الوقور لعصر جديد من دبلوماسية النفط العربي.. ومع بيريز ألفونسو، الشيخ الطريقي هو القوّة الدافعة وراء خطّة بعيدة المدى لاستقرار أسعار النفط العالمية، من خلال تأسيس منظّمة عالمية لتخفيض الإنتاج، كي يتواءم مع الطلب”.

وبقبوله دعوة “تيبرو” لإلقاء كلمته، فإن الشيخ الطريقي يكون قد وفى برغبة طويلة الأمد بالعودة إلى تكساس، حيث قال: “أفضل أصدقائي مازالوا في تكساس.. أُرسل كلّ مساعديّ إلى جامعة تكساس”، وفقًا لما ذُكِر في النشرة، والتي أشارت إلى دراسته في جامعة تكساس، وحصوله منها على الماجستير في هندسة النفط.

مقتطفات من كلمة الطريقي

المدهش في كلمة الطريقي، هو الشفافية التي تحدّث بها عن خطّته لإنشاء أوبك، ويتّضح من نصّ الخطاب مدى تفاعله الشديد، وغبطته بالفكرة.

واللافت للنظر، هو قوله: إن “إنشاء أوبك هو محاكاة للسوق الأوروبّية المشتركة والمنظّمات الدولية الأخرى”.

جاء توقيت الكلمة في منتصف عام 1960، بعد عدة أشهر من تخفيض الشركات أسعار النفط المعلنة، التي تُحسَب إيرادات الدول النفطية بناءً عليها، وانخفاض الأسعار العالمية مع اشتداد المنافسة بين الشركات، ونحو 4 شهور ونصف قبل تأسيس أوبك.

تشير بعض الوثائق إلى محاولة الشركات النفطية عرقلة جهود الطريقي وألفونسو، ومطالبتها للحكومة الأميركية بالتدخّل.

هذه الحقائق التاريخية توضّح أن إنشاء أوبك لم يكن مفاجئًا أو سرّيًا، وأن تجاهل الإعلام لإنشاء المنظّمة قد يكون مقصودًا، وبضغوط من شركات النفط العالمية.

وأكّد “الطريقي” في كلمته أمام المنتجين في تكساس، أن انخفاض أسعار النفط وقتها لم يكن نتيجة مطالبة الدول المضيفة، والتي كانت تسمّى “دول المَصدَر”، بزيادة الإنتاج، كما أشاعت شركات النفط العالمية، بل نتيجة إصرار الشركات على زيادة الإنتاج بعد ارتفاع حدّة المنافسة بينها، موضّحًا أن دول الشرق الأوسط -على خلاف الشركات- لم تطالب بفتح الأسواق الأميركية دون أيّ قيود.

وشرح في كلمته، كيف أن قيام الشركات بزيادة الإنتاج وتخفيض الأسعار أدّى إلى خسائر كبيرة في الدول المصدّرة، حيث ذكر الخسائر كما يلي: “إيران 27 مليون دولار، العراق 24 مليون دولار، الكويت 46 مليون دولار، والسعودية 35 مليون دولار”.

وأردف الطريقي: “الخسائر في بعض الحالات مثّلت قرابة 10% من دخل الحكومة، لهذا، فعلينا ألّا نتعجّب إذا بحثت الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط عن طرق لاستقرار الأسعار والحفاظ على النفط، لأنّه أمر حيوي لاقتصاداتها ومستقبل تنميتها”.

وأكّد أن الفائض في السوق، والذي يُتوقَّع له أن يستمرّ، لا يمكن حلّه إلّا بتحمّل الدول المنتجة والمصدّرة المسؤولية، بينما عدم تحمّلها سيضرّ بمصلحة الجميع.

وأضاف أن هناك تناغمًا في المصلحة بين المنتجين الأميركيّين المستقلّين، والدول المصدّرة للنفط، قائلًا: “أعتقد أن الصادرات يجب أن تكون مكمّلة للإنتاج المحلّي، وليست لتحلّ محلّه.. بعبارة أخرى، النفط المستورد يجب أن يأتي للبلد المُستورِد فقط عندما يكون هناك حاجة له، وفقط بأسعار منافسة”.

في تايلر تكساس
الشيخ عبد الله الطريقي أثناء إلقائه كلمته في مؤتمر منتجي النفط المستقلين في تكساس يوم 1 مايو 1960

يأتي تركيز “الطريقي” على دور الدول المنتجة في تحقيق التوازن في السوق، لأن الشركات فقدت هذا الدور، مركّزًا في كلمته على النقاط التالية:

1- ضرورة استقرار أسعار النفط، لأن ذلك يؤدّي إلى استقرار إيرادات الحكومات.

2- الإنتاج أكبر من الطلب على النفط.

3- الشركات تستخدم الإنتاج الفائض للتنافس مع بعضها، وحروب الأسعار مضرّة بالجميع.

4- يجب تخفيض الإنتاج ليتواءم مع الطلب على النفط، وبما أن الشركات لن تقوم بذلك، فإن على الحكومات أن تقوم بذلك.

5- بناءً على خبرة الولايات المتّحدة، منع وجود فائض في الإنتاج يشير منطقيًا إلى إجبار المنتجين على تخفيض الإنتاج، لكن، في هذه الحالة على مستوى عالمي، بدلًا من أن يكون على مستوى الولاية، أو على مستوى الدولة.

 

قال: “ليس هناك أيّ نوايا مخفيّة وراء تخفيض إنتاج النفط عالميًا، فهو أمر طبيعي، والأمر الذي يثير الشبهات عند بعضهم هو إذا كان الهدف استقرار الأسواق أو التحكّم بالسعر”.

وفي حديثه عن معارضة شركات النفط العالمية لفكرة تدخّل الدول المنتجة في قرارات ترشيد الإنتاج، وقولهم، إنّه مشروع غير عملي، ومطالبتهم الحكومة الأميركية بالتدخّل لوقف مشروع تعاون الدول المنتجة، علّق الطريقي:

“هناك حاجة ماسّة لمثل هذا التعاون، وأنّه أمر ممكن، وحاله هي حال التعاون لإنشاء السوق الأوروبّية المشتركة وغيرها من الاتّفاقات الإقليمية التي نجحت بسبب دعم الحكومة الأميركية لها”.

قال الطريقي في الوثائق التي حصلت عليها “الطاقة”: إن “الخطوة الأولى تجاه تخفيض عالمي للإنتاج هو اتّفاق بين الدول المهتمّة، ثمّ الاتّفاق على طريقة لتطبيق الاتّفاق”.

وأردف، هذا الاتّفاق سيكون حكرًا على الدول التي تزيد صادراتها عن وارداتها، أو “مصدّرين صافين”، ولهم مصالح مشتركة، وكي تكون المنظّمة عملية، يجب أن يكون العدد محدودًا.

وقال: “متى تمّ الاتفاق على الأساسيات، فإنّه سيجري توزيع الحصص الإنتاجية بشكل عادل، وهذا لن يكون أمرًا صعبًا”، متابعًا: “معادلة التخفيض وتوزيع الحصص يمكن أن تجري عن طريق خبراء متخصّصين، يأخذون في حسبانهم عوامل عدّة، مثل الاحتياطيات، وتشجيع إجراءات ترشيد الإنتاج، وعوامل مرنة، يمكن تعديلها لتغطّي الاكتشافات الجديدة، وعامل تصحيح للأسعار الحاليّة لكلّ عضو”.

وأضاف أن “أيّ معادلة يتمّ تبنّيها، تتطلّب تعديلًا دائمًا، مع وجود بنود عند الضرورة لحالات استثنائية أو مرغوب فيها،  أو ظروف تطرأ في المستقبل”.

وفي حديثه بتفصيل أكثر عن خطّته لأوبك، قال الطريقي: إن “إدارة تخفيض الإنتاج عالميًا تتطلّب منطقيًا أن تكون تحت إدارة هيئة أو لجنة تُنشَأ لهذا الهدف.. هذه الهيئة أو اللجنة تتكوّن من جزأين، الأوّل مجموعة متخصّصة بالسياسات، مكوّنة من مندوبين من كلّ الدول المشاركة، والثانية جزء إداري مؤلّف من موظّفين دائمين”.

وتابع: “المجموعة الأولى تصوغ السياسات العامّة والعملية، وتأخذ في حسبانها كلّ المشكلات المتعلّقة بالسياسات، وتعطي إرشادات عامّة للقسم الإداري.. الجزء الثاني (الإداري)، يتكوّن من الاستشاريّين والفنيّين والإداريّين والأعمال المكتبية،  لتنفيذ قرار التخفيض (وتوزيع الحصص)”.

الطريقي:

“الواقع أن ترشيد الإنتاج هو نوع من المجموعة الاقتصادية، مثلها مثل الاتّحادات الاقتصادية الأوروبّية أو منظّمة القهوة العالمية”.

ويتّضح من الوثائق التي حصلت عليها “الطاقة”، أن كلمة الطريقي لاقت ترحيبًا كبيرًا من المنتجين الأميركيّين.

ولا يمكننا إنهاء هذا التقرير إلّا بذكر أعجوبة تاريخية، حيث شكّك بعض الخبراء في نجاح أوبك بترشيد الإنتاج ورفع أسعار النفط، بسبب تخوّفهم من قيام الاتّحاد السوفيتي، وقتها، بإغراق السوق بالنفط، ويبدو أن هذا التخوّف جاء أصلًا من بعض الوزراء الذي شاركوا في تأسيس أوبك، ودارَ الزمن… وأصبحت روسيا وقازاخستان وأذربيجان تشارك في تخفيض الإنتاج من خلال “أوبك+”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى