التقاريررئيسيةمقالاتنفط

أنس الحجّي يكتب لـ “الطاقة”: هل أوبك “كارتل”؟

تساؤلات وادعاءات يفنّدها خبير الطاقة الدولي

اقرأ في هذا المقال

  • استخدام كلمة كارتل في الدول الغربية يعكس العداء الشديد للدول النفطية
  • الكثير من المنظمات والتكتلات تجتمع دوريًا ولم يصفها أحد بأنها كارتل
  • استقرار أسعار النفط يقع على بعض دول أوبك وليس "أوبك" كمنظمة
  • عدم وجود مخزون نقدي ونفطي لدى أوبك ينفي عنها صفة الكارتل

“كارتل” كلمة إنكليزية تعني وجود تكتّل لعدد قليل من الشركات يتحكم في سوق سلعة معينة، بحيث يمنع دخول منافسين من جهة، ويتحكم في إنتاج وسعر السلعة من جهة أخرى.. باختصار، “الكارتل” مجموعة “احتكارية” تتحكّم في السوق لا يُهمها إلا الربح على حساب القيم والأخلاق والناس والحيوانات والبيئة، والكلمة سلبية عندما توصف بها أي مجموعة، وأصبحت أكثر سلبية بسبب وصف عصابات تهريب المخدرات العالمية -خاصة في أميركا اللاتينية- بأن كل واحدة منها “كارتل”.

وإذا مرر الكونغرس الأميركي يوماً ما قانون “لا أوبك” الذي يقضي بمحاكمة دول أوبك وفقا لقوانين محاربة الاحتكار الأميريكية، وتمت محاكمة دول أوبك، وثبت بطريقة ما أن هذه الدول تعاونت مع بعضها كون أوبك “كارتل”، وأنها سببت أذى للحكومة الأميركية أو لأي مواطن أميركي، فإنه يحق للحكومة الأميركية تجميد استثمارات وممتلكات هذه الدول داخل الولايات المتحدة وتعويض كل من تضرر من ارتفاع أسعار النفط بسبب “الاحتكار”!  ولابد لهذه الدول أن تحضر المحاكمات في هذه الحالة لتدافع عن نفسها وإلا قد يحكم عليها القصاة غيابياً لصالح المدعي كما حصل مع إيران التي لم تدافع عن نفسها في قضية مرتبطة بحادثة سبتمبر 11 الإرهابية،   فحكم القاضي عليها بدفع 11 مليار دولار، وقام المدعون بتحصيلها من الأموال الإيرانية المحتجزة لدى الحكومة الأميركية.

بدأ وصف أوبك بالاحتكار على نطاق واسع عالميًا، مع قيام عدة دول عربية بتبنّي المقاطعة النفطية أثناء حرب رمضان في شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 1973، وهو وصف ساعد السياسيين الغربيين -خاصة في الولايات المتحدة- كثيراً؛ لأنه حوّل اللوم تلقائيًا من سياساتهم الفاشلة في مجال الطاقة، إلى “أوبك”.

ورغم عدم وجود خبراء في مجال النفط وقتها، إلا خبير واحد اسمه موريس إديلمان، إلا أن الدعم الحكومي للبحوث حينها حوّل الباحثين من تخصصات أخرى إلى النفط؛ ما نتج عنه أمران، الأول: ظهور عدد كبير من “الخبراء النفطيين” بشكل مفاجئ من الذين ليس لديهم أي خبرات سابقة في مجال النفط، والثاني: أن هؤلاء “الخبراء” و”الأكاديميين” هم أول من أسس لهذا المجال، وبالتالي أصبحت كتاباتهم هي المؤصِّلة لكل ما أتى بعدها، فإذا اكتشف باحث في المستقبل أن الأساس باطل ولا قيمة له، فلا يمكنه نشر بحوثه، وقد يُحرم من الوظائف في المجال أيضاً، كما أن منظمة أوبك ودولها لم تدعم هؤلاء الباحثين، وهذا يفسر سبب عدم تطور مجال اقتصاديات النفط على مدى العقود الخمسة الماضية، مقارنة بغيره من التخصصات.

كان استخدام كلمة “كارتل” في الدول الغربية، لوصف أوبك -ومازال- يعكس عداءً مستفحلاً للنفط ودول النفط بشكل عام، والدول العربية بشكل خاص، فلا يمكن لأوبك أن تكون منظمة احتكارية، وهذا الوصف يتعارض مع مبادئ الاقتصاد والقانون، ولا يمكن وصفها كذلك حسب أي قانون أوروبي أو أميركي.

أمّا وصف أوبك بأنها “كارتل” في الصحف ووسائل الإعلام العربية، فهو ضرب من الجهل المركّب بالاقتصاد والقانون والمصالح الوطنية للدول العربية، خاصة الخليجية منها؛ لذا على رؤساء ومديري تحرير كل وسائل الإعلام العربية، منع وصف “أوبك” بأنها “كارتل” إطلاقاً، وسأوضح الأسباب في هذا المقال بالتفصيل، وعلى الإعلاميين العرب أن يدركوا أنه مجرد وصف أوبك بأنها “كارتل” فإن الكاتب شتم نفسه وأدان وطنه، وقصة إيران في المحاكم الأميركية التي ذكرت أعلاه كافية لإثبات الفكرة.

ما هي أوبك؟

“أوبك” هو الاسم المختصر لمنظّمة الأقطار المصدّرة للنفط، بالإنجليزية “OPEC”، وهي نادٍ لمصدّري النفط، مهمّته تنسيق وتوحيد السياسات النفطية للدول الأعضاء؛ بهدف ضمان استقرار أسواق النفط عن طريق تأمين إمدادات نفطية كافية ومنتظمة وبتكاليف معقولة للمستهلكين، وضمان دخل مستمرّ للمنتجين، وعائد عادل على رأس المال للمستثمرين في صناعة النفط. تتكوّن حالياً من 13 عضواً ومركزها فيينا. وقد تم التعاون مع عشر دول أخرى، وأصبح الجميع تحت مظلة ما يسمى “أوبك+”.

الانتقال من “أوبك” إلى “أوبك+” لا يعكس -فقط- التغيّرات الضخمة في أسواق النفط العالمية خلال السنوات الأخيرة، وإنما يعكس -أيضاً- تلاشي دور أوبك كمنظمة مع زيادة الإنتاج في روسيا والولايات المتحدة والنرويج والبرازيل، وتلاشي دور أوبك لا يتفق مع كونها “كارتل”؛ لهذا فإن أوبك بحاجة إلى إعادة هيكلة لتتلاءم مع واقع أسواق النفط الحالية.

تاريخيًا، اختلف الباحثون في وضع أسواق النفط وماهية أوبك، فإذا كانت أوبك “كارتل”، فإن هذا يعني بالضرورة أن سوق المنافسة لا تنطبق على أسواق النفط العالمية، وإذا لم تكن “كارتل” فإن هذا يعني أن أسواق النفط إما منافسة، أو أن هناك قوى أخرى تؤثر في السوق.

وأكد عدد من الباحثين، أن أسواق النفط لا تتمتع بالمنافسة، وأن أوبك ليست “كارتل”، لكن السعودية كانت وما زالت اللاعب الرئيسي في السوق، خاصة أنها هي التي تبدأ عادة بتغيير الإنتاج، ويشيرون إلى أن تغيّر إنتاج دول أوبك، وبعض دول خارج أوبك بشكل يتناغم مع تغيّر الإنتاج السعودي لم يكن اختيارياً، لكنه كان نتيجة عوامل فنية أو سياسية أو طبيعية، كما يعتقدون أن الخطأ الذي وقع فيه الباحثون الذين استنتجوا أن أوبك “كارتل”، أعطوا قوّة السعودية في السوق إلى أوبك.

أدلة من يقول إن أوبك “كارتل”

1- قام ألفونسو بيريز بدراسة مفوضية سكة حديد تكساس، وطريقة تحكمها في إنتاج النفط الأميركي، ثم عرض الفكرة على عبد الله الطريقي، حيث قاما معاً بدراستها وشاركا في مؤتمر تكساس للمنتجين المستقلين، لمعرفة كيف يتصرفون في ظل إدارة مفوضية سكة الحديد.

مفوضية سكة حديد تكساس كانت تسيطر على إنتاج الولاية، رغم أن موارد النفط والشركات مملوكة ملكية خاصة.. من هنا فإن هدف أوبك عند تأسيسها هو تنسيق الإنتاج بين الدول الأعضاء، تمامًا كما فعلت مفوضية سكة حديد تكساس.

2- تعقد أوبك اجتماعات دورية للتنسيق فيما بينها منذ تأسيس المنظمة عام 1960 في بغداد، وهذه الاجتماعات للتنسيق بين المنتجين، من صفات المنظمات الاحتكارية، ومن أهم صفات “الكارتل”.

3- قررت المنظمة مرات كثيرة تخفيض الإنتاج بموافقة كل الأعضاء بهدف رفع الأسعار.. إقرار تخفيض الإنتاج من كافة الأعضاء بهدف رفع الأسعار من صفات “الكارتل”.

4- تقسّم أوبك الحصص الإنتاجية على كل عضو، كما أنها في فترة من الفترات استخدمت النطاق السعري، وكلاهما من صفات “الكارتل”.

5- السعر في سوق المنافسة يتحدد بالتكلفة الحدّية، وبما أن سعر النفط أعلى من التكلفة الحدّية بكثير، فإن هذا يدل على وجود قوة احتكارية ترفع السعر بشكل كبير فوق التكلفة الحدّية، وهذا دليل على أن أوبك “كارتل”.

6- تشير أدلة التجارة الخارجية والبنوك والاستثمارات المختلفة، إلى أن دول أوبك استطاعت تحويل ثروات ضخمة من المستهلكين إلى المنتجين، وهذا يدل على قوة أوبك السوقية، ولا يمكن أن تحصل على هذه القوة لولا أنها “كارتل”.

أدلة من يقول إن أوبك ليست “كارتل”

نظرة سريعة في كتب الاقتصاد الأكاديمية، خاصة مبادئ الاقتصاد الجزئي التي تدرّس في الجامعات حول العالم، وأدبيات نظرية هيكل السوق والاحتكارات، توضّح أن للكارتل ست صفات، وهي: وجود حصص إنتاجية، نظام مراقبة للحصص، نظام عقوبات لمنع انتهاك الحصص، نظام قانوني يعطي المنظمة صلاحية السيطرة على الإنتاج في الدول الأعضاء، مخزون من السلعة التي ينتجها الكارتل، ورصيد نقدي للدفاع عن السعر الذي يحدده الكارتل، وحصة سوقية كبيرة تمكّن الكارتل من السيطرة على السوق.

هل تنطبق هذه الصفات على أوبك؟ وهل تنطبق -أيضًا- على أي من منظمات المصادر الأولية العالمية؟ وما الفرق بين أوبك ومنظمات المصادر الطبيعية الأخرى مثل: القصدير، والقهوة، والألماس، والسكر، والمطاط، والبوكسايت؟

1- وجود نظام للحصص الإنتاجية

من صفات “الكارتل” أنه يقوم بتقسيم السوق بين أعضائه منذ بداية الاتفاق، الأمر الذي يتطلب وجود سقف إنتاجي وتقسيم للحصص الإنتاجية، فقد بدأت منظمة القهوة الدولية بتقسيم السوق منذ اليوم الأول لتأسيسها، كما قام المجلس الدولي للقصدير ومنظمة منتجي القصدير بتقسيم السوق وتحديد الحصص الإنتاجية منذ التوقيع على هذه الاتفاقيات، وهذا ما حدث في منظمات مختلفة مثل: الألماس، والبوكسيات، والسكر، والقمح، والمطاط، وكارتل النحاس الدولي، ولجنة الشاي الدولية، واتفاقية الكاكاو الدولية.

الآن لننظر إلى أوبك.. وُقعت اتفاقية أوبك في عام 1960، لكنها لم تتبنّ نظام الحصص الإنتاجية إلا في سنة 1982! إذا كان ألفونسو بيريز وعبد الله الطريقي قد أنشآ أوبك على شاكلة مفوضية سكة حديد تكساس التي كانت تخصص حصة لكل منتج، لماذا لم يحددا الحصص منذ 1960؟.

قد يقول قائل: إن السبب هو سيطرة شركات النفط العالمية على الاحتياطيات وقرارات الإنتاج من خلال امتيازات مجحفة طيلة المدة، وبالتالي لم يكن بإمكانهم -وقتها- تحديد الحصص الإنتاجية، لكن ما إن سيطرت الدول المنتجة على الاحتياطيات وقرارات الإنتاج، حتى لجأت إلى نظام الحصص.

الرد على ذلك بأن قرار المقاطعة النفطية أثناء حرب رمضان عام 1973، وتخفيض الإنتاج الذي تلاه، إضافة إلى تأميم عدد من الدول العربية لأصول شركات النفط الأجنبية أو شرائها، يُبين أن هذه الدول كانت مسيطرة على قرارات الإنتاج.

لكن حتى لو سلّمنا بتلك الفترة، فإن أزمة أوبك الدائمة كانت عدم التزام أغلب الدول بحصصها الإنتاجية، وما انهيار أسعار النفط في منتصف الثمانينيات إلا دليل على ذلك، والأمر تكرر عدة مرات منذ ذلك الوقت، وما الأخبار في الشهور الأخيرة عن تجاوز بعض الدول لحصصها وضرورة التعويض إلا امتداد لمشكلة قديمة.

ويقع من يقول إن أوبك “كارتل” في مأزق كبير؛ لأن الخبراء يتفقون على أن أسواق النفط كانت تتمتع بمنافسة شديدة في الثمانينات.. فكيف تكون أوبك “كارتل” إذا لم يكن لديها خصص إنتاحية بين 1960 و1981؟، وعندما قامت بتطبيق الحصص الإنتاجية منذ عام 1982 أصبحت الأسواق “أسواق منافسة”، والكل يعرف أن وجود أسواق منافسة يتنافى مع وجود “كارتل”؟

يقول البعض: إن التزام أوبك فيما بعد، أسهَمَ في رفع الأسعار ومن ثمّ فإنها أصبحت “كارتل”.. الواقع أن دول أوبك لم تلتزم اختيارياً أبداً، إنما التزم بعضها، وعلينا أن نفرق بين الالتزام الاختياري والالتزام غير الاختياري، فتوقّف الإنتاج لأعمال الصيانة أو نتيجة حادث عارض، لا يعد اختيارياً.

باختصار، نجاحات رفع الأسعار بسبب تخفيض الإنتاج كان بسبب قيام بعض دول أوبك -مثل السعودية- بتخفيضات كبيرة، ولم يكن بسبب “أوبك” كمنظمة، وحتى الالتزام الأخير -بغض النظر عن نسبته- تم تحت مظلة أوبك+، وليس أوبك.

الخلاصة.. عدم وجود حصص إنتاجية لمدة 22 سنة، ثم عدم الالتزام بتلك الحصص والخلاف حولها حتى يومنا هذا، يعني أنه لا يمكن استخدامها كدليل على أن أوبك “كارتل”.

2- وجود نظام مراقبة صارم للحصص الإنتاجية

لا يمكن لـ “كارتل” أن يقوم بتقسيم الحصص الإنتاجية ثم يترك الأمر للدول الأعضاء، حتى نظرية “الاحتكار” في كتب الاقتصاد تتكلم عن محاولات الأعضاء خداع بعضهم وزيادة حصصهم الإنتاجية؛ لذا لابد من وجود نظام لمراقبة الحصص الإنتاجية، وهذا النظام يجب أن يكون مستقلاً عن الدول الأعضاء، صارماً، وتابعاً للمنظمة، كما يجب أن تكون بياناته حديثة ووقتية.

“كارتل الألماس” يقوم بشراء أغلب الألماس من المنتجين حول العالم، ثم يبيعه لزبائنه بكميات أقل من الطلب وبأنواع معينة، ضمن نظام مراقبي دقيق.

“كارتل المطاط” يعتمد على شهادات المنشأ لكل شحنة من الدول الأعضاء، وبالتالي فلديه سجل كامل لكل الشحنات. “كارتل القهوة” اعتمد -أيضاً- شهادة المنشأ، لكن لتلافي تلاعب بعض الأعضاء، قام بتوظيف شركة محاسبية خاصة لإصدار شهادات المنشأ ومراقبة الشحنات.

ونظرًا لعدم وجود حصص إنتاجية لدى أوبك بين أعوام 1960 و1981، فمن الطبيعي أن لا يوجد نظام مراقبي، إلا أنها كونت لجنة مراقبة وزارية في منتصف الثمانينيات، بعد حوالي ثلاث سنوات من تبني نظام الحصص، لكن عمل هذه اللجنة يختلف تماماً عن أنظمة المراقبة التي تبنتها المنظمات الأخرى، فقد كانت اللجنة تجتمع عندما يكون هناك شبهة بقيام دولة ما بتجاوز حصصها الإنتاجية، ولكن ليس لدى اللجنة أي أدوات (شهادات منشأ، شهادات تصدير، مراقبة بالأقمار الصناعية، أجهزة متابعة السفن، إلخ)، أو أي صلاحيات لمنع تجاوز الحصص الانتاجية.

الخلاصة.. عدم وجود نظام رقابي دائم وصارم ينفي صفة “الكارتل” عن أوبك

3- وجود نظام لمعاقبة المخالفين

لا يمكن للكارتل أن ينجح إلا إذا التزم كل الأعضاء، ولا يمكن أن يلتزم الأعضاء إلا إذا كانوا مُراقَبين، ومع هذا فإن المراقبة وحدها لا تكفي دون عقوبات للمتجاوزين، فـ “كارتل الألماس” لديه نظام عقابي شديد جداً، أجبر حكومات ودُولاً على الركوع له، بما في ذلك إسرائيل، فشركة ديبيرز التي كانت تتربع على عرش “كارتل الألماس” العالمي، تقوم بتخزين كافة أنواع الألماس بكميات كبيرة، وعندما توزع الألماس، توزع أنواعاً معينة على تجار معينين، وتحتفظ بسجل هذه المبيعات، والأمر نفسه ينطبق على المشتريات من المنتجين، فإذا حدثت أي تجاوزات من أحد المنتجين أو الباعة، تقوم الشركة بإغراق السوق بالنوع نفسه من الألماس الذي يبيعه المنتج أو البائع، فتخفض أسعاره للحضيض، دون التأثير على أسواق الألماس الأخرى.

أما “كارتل القهوة”، فكان يخفض الحصة المستقبلية بمقدار التجاوز، فإذا تكرر التجاوز يتم خصم ضعف الكمية التي تم تجاوزها من حصة الفترة المقبلة، فإذا استمر تجاوز الدولة يتم طردها بعد تصويت ثلثي الأعضاء على ذلك، ولا تريد أي دولة أن تُطرد؛ لأن ذلك يحرمها من أسواق ومزايا معينة، ويخفض إيراداتها بشكل ملحوظ.

ويجبر “كارتل القصدير”، الدول التي تجاوزت حصتها على التعويض عن ذلك عن طريق التخفيض بكمية التجاوز نفسها في الفترة المقبلة.

أوبك ليس لديها أي نوع من هذه العقوبات، ولا ينص دستورها وقوانينها على أي نوع من العقوبات كما تنص دساتير وقوانين المنظمات الأخرى؛ لهذا فإن منظمة أوبك ليس لديها أي قوة على إجبار أي عضو على الالتزام.

ولكن نظرة سريعة على أدبيات أوبك، توضح أن هناك العديد من الباحثين الذي قالوا إن هناك نظام عقوبات غير مباشر، فقيام السعودية بإغراق أسواق النفط العالمية في منتصف الثمانينيات وفي 2015 وفي مارس/أبريل من عام 2020 ما هو إلا عقوبة للأعضاء الذي رفضوا الالتزام بحصصهم الإنتاجية، كما أن التهديد بإغراق السوق يمثل سلوكاً تأديباً. كما ذكر البعض بأن غزو العراق للكويت كان ردة فعل على تجاوز الكويت لحصصها الإنتاجية.

ويُرد على ذلك بأنه حتى لو افترضنا صحة هذه “العقوبات” لتجاوز الإنتاج، فإن كل ذلك يؤكد أن أوبك ليست “كارتل”؛ لأن العقوبة جاءت من عضو في المنظمة، ولم تأتِ من المنظمة نفسها، ولم تأتِ بناءً على قوانين مكتوبة للمنظمة.

الخلاصة.. عدم وجود نظام لمعاقبة المخالفين من قبل أوبك، ينفي صفة “الكارتل” عنها

4-  وجود نظام قانوني يعطي السيادة للمنظمة في قرارات إنتاج الدول الأعضاء.

من أهم شروط “الكارتل” أن تكون السيادة للكارتل في قرار الإنتاج، فإذا كان قرار الإنتاج في يد حكومات الدول الأعضاء، فلا يمكن أن تكون المنظمة “كارتل”.

هذا الأمر مهم جداً لإدارة الكارتل لدرجة أن “كارتل الألماس” بقيادة دي بيرز كان يوقّع عقوداً صارمة مع الدول الأعضاء يجبرها على بيع أو شراء كميات معينة سنوياً، فإذا انخفض الطلب على الألماس تجبر المنتجين على تخفيض الإنتاج، وإلا فإن العقوبة قاسية جدًا، الأمر نفسه ينطبق على المنظمات الأخرى ولكن بأوجه مختلفة مثل منظمات القصدير والقهوة والبوكسايت.

أوبك ليس لديها أي سلطة على الأعضاء، ويحظى الأعضاء بسيادة كاملة على قرارات الإنتاج، ولا يوجد في دستور أوبك أي فقرة تشير إلى أن لديها القدرة على التحكم في إنتاج أي دولة، كما أن دساتير عدة دول أعضاء في أوبك تنص على سيادة الدولة على مواردها الطبيعية بما في ذلك النفط.

الخلاصة.. القرارات السيادية للدول بما يخص إنتاجها النفطي ينفي صفة “الكارتل” عن أوبك.

5- وجود نظام قانوني لتخزين النفط واستخدامه لدعم سياسات المنظمة.

يتطلب “الكارتل” قيامه بإنشاء نظام يمنع أسعار السلعة من الهبوط تحت حد معين لضمان دخل أدنى للدول الأعضاء، ومنع الأسعار من الارتفاع فوق حد معين حتى لا ينخفض الطلب على السلعة أو يتم التحول إلى بدائل أخرى.

منع الأسعار من الهبوط تحت سعر معين، يتطلب وجود مخزون نقدي يمكّن المنظمة من شراء السلعة وتخزينها، ومنع صعود الأسعار فوق حد معين يتطلب وجود مخزون من السلعة لبيعها عندما تتجاوز أسعارها ذلك الحد الأعلى، كما أن وجود صندوق نقدي يمكّن الكارتل من تعويض الدول التي تخفض إنتاجها للحفاظ على الأسعار.

وهناك الكثير من الأدلة التي تشير إلى أن منظمة القهوة العالمية وغيرها، مثل منظمات السكر والنحاس والبوكسايت والكاكاو، كلها دافعت عن السعر الأدنى، وذلك عن طريق الشراء المباشر من السوق والتخزين، وتدخّل مجلس القصدير العالمي 30 مرة خلال 20 عاماً، نجح في الدفاع عن السعر الأدنى 29 مرة، وفشل مرة واحدة، عن طريق شراء القصدير من السوق. وتشير البيانات إلى أن أسعار القصدير كانت مستقرة طوال الفترة التي تم فيها تبني هذه السياسة.

أوبك ليس لديها مخزون نقدي لشراء النفط، ولا تخزن النفط، ورغم وجود نطاق سعري في فترة من الفترات وحاولت تطبيقه، إلا أنها قررت التخلي عنه، وإذا كان ثبات الأسعار أو انخفاض ذبذبتها دليل على نجاح “الكارتل”، فإن التغيرات الضخمة في أسعار النفط تشير إلى عكس ذلك.

نتج عن انخفاض الأسعار في بداية الثمانينيات، تبني أوبك للحصص الإنتاجية في محاولة للسيطرة على الأسعار، إلا أن الكل يعلم أنها فشلت فشلاً ذريعاً في ذلك، وانهارت أسعار النفط في منتصف الثمانينيات، ومنذ التسعينيات حتى الآن نجد أن أسعار “أوبك” مربوطة بطريقة أو بأخرى بأسعار الخام القياسية في البورصات العالمية.

وإذا نظرنا إلى أسعار النفط العالمية خلال الـ 100 سنة الماضية، نجد أنها أكثر تذبذباً في السنوات الـ 40 الأخيرة، وهي الفترة التي خفُت فيها نجم الشركات العالمية، وبزغ فيها نجم “أوبك”؛ ما يُعني أن “أوبك” فشلت في الحفاظ على استقرار أسعار النفط، إلا أن بعض الباحثين يرى أن وجود طاقة فائضة في بعض البلاد -خاصة السعودية- هو المخزون الذي يحتاجه الكارتل، وأن تغيير أوبك للإنتاج يماثل تدخل المنظمات الأخرى في الأسواق، لهذا فإن أوبك مازالت “كارتل” على كل الحالات.

ويُرد على ذلك بأن الفرق بين أوبك والمنظمات الأخرى أن المخزون تملكه المنظمات وكان تحت سيطرتها، وكانت المنظمة نفسها تقوم بعمليات الشراء، لكن لو نظرنا إلى أوبك نجد أن تكلفة الطاقة الإنتاجية الفائضة تكبدتها بعض الدول الأعضاء -مثل السعودية- وهي التي تتحكم بها، واستخدمتها أحياناً رغم معارضة باقي الأعضاء.

من هنا يمكن القول: إن عبء استقرار أسعار النفط يقع على بعض دول أوبك وليس “أوبك” كمنظمة، ففي عام 1973 أثناء المقاطعة النفطية، نجد أن 90% من التخفيض جاء من 3 دول، هي: السعودية، الكويت، وليبيا، وفي عام 1992 قررت كل دول أوبك -عدا السعودية- تخفيض الإنتاج، لكن المملكة فرضت إرادتها في السوق حيث استخدمت طاقتها الإنتاجية الفائضة ورفعت الإنتاج.

خلاصة القول.. عدم وجود مخزون نقدي ومخزون نفطي لدى أوبك ينفي عنها صفة “الكارتل”

6- وجود حصة سوقية كبيرة:

من شروط “الكارتل” أن يسيطر على حصة كبيرة من السوق، فقد سيطر “كارتل القصدير” على 90% من السوق العالمية عند تأسيسه، وعندما زادت المنافسة وانخفضت حصته لم تنزل عن 73%، وسيطر “كارتل البوكسايت” على 73% من أسواق البوكسايت العالمية، أما “كارتل القهوة” فقد سيطر على نحو 90% من سوق القهوة في العالم.

حصة أوبك السوقية صغيرة، سواءً نظرنا إلى إنتاجها أو إلى صادراتها، فحصتها السوقية بلغت حوالي 40% في عام 2019 قبل انتشار فيروس كورونا، وكانت أكبر حصة سوقية حظيت بها أوبك 55% ولفترة قصيرة في عام 1974، لكن تلك النسبة لا يُعتد بها؛ لأن الشركات العالمية كانت وقتها مسيطرة على إنتاج هذه الدول، خاصة في السعودية.

وحتى لو اعتبرنا أن تعريف السوق يقتصر على الصادرات، تبقى حصة أوبك أصغر من حصة أي منظمة أخرى من التي تتعامل بالموارد الأولية.

خلاصة القول: إن صغر حصة أوبك السوقية ينفي عنها صفة “الكارتل”

أمور أخرى

1- القول بأن الاجتماعات الدورية دليل على أن أوبك “كارتل”، لا يكفي لوصفها بذلك، فهناك الكثير من المنظمات والتكتلات التي تجتمع دورياً لم يصفها أحد بذلك، رغم أثرها الكبير في الأسواق، وها هي منظمة الطاقة الدولية تعقد اجتماعات مستمرة، ولم يصفها أحد بأي صفة احتكارية، رغم أن من شروط الانضمام للمنظمة الاحتفاظ باحتياطي معين من السوائل النفطية لاستخدامه وقت الحاجة، وكانت الوكالة هي التي تصدر الأمر باستخدامه، وتحدد كمياته.

2- القول بأن كون أسعار النفط أعلى من التكلفة الحدية بكثير دليل على الاحتكار وعلى أن أوبك “كارتل” يتنافى مع أبسط المبادئ الاقتصادية، لسببين: الأول أنه في المصادر الطبيعية الناضبة لا يوجد شيء اسمه “التكلفة الحدية”.. التكلفة الحدية تنطبق على المواد المصنَّعة، وفي اقتصاديات الموارد الطبيعية يتم استخدام “تكلفة الاستخدام”، والتي تعرّف على أنها تكلفة إيجاد بديل لبرميل النفط الذي تم استهلاكه، ولكن أي بديل؟.. هذا يقودنا للسبب الثاني، حتى لو أخذنا مفهوم التكلفة الحدية، فإنها تحدد عالمياً بتكلفة آخر برميل يُنتج، وعادة ما تكون تكلفة هذا البرميل عالية، سواء في أعماق البحار أو في القطب الشمالي، أو في غرب تكساس.. قصر التكلفة الحدية على المنتجين منخفضي التكلفة يناقض المنطق، ويناقض “نظرية ريكاردو” التي تدرّس في كل كتب الاقتصاد.

3- القول بأن قدرة دول أوبك على تحويل ثروات ضخمة من المستهلكين إلى المنتجين دليل على أن أوبك “كارتل”، يدل على نظرة قاصرة، وقد تكون نظرة استعمارية وفيها من التمييز العنصري ما فيها؛ وذلك لسبب بسيط: من أي نبدأ التاريخ؟ هل نبدؤه من 1973 عندما ارتفعت أسعار النفط وتحولت ثروة ضخمة من المستهلكين إلى المنتجين؟ أم نبدؤه منذ اكتشاف النفط في الدول النفطية وقامت الشركات العالمية وحكوماتها -حينها- بنهب ثروات شعوب الدول النفطية؟ فإذا بدأت منذ اكتشاف النفط، نجد أن ماحصل بعد عام 1973 هو جزء من استرداد للحقوق، ولا يدل على أن أوبك “كارتل”.

4- عندما سيطرت “الأخوات السبع” على صناعة النفط العالمية، انطبقت عليها كل مواصفات الكارتل، إلا أن أهم فرق بينها وبين أوبك أن “الأخوات السبع” سيطرت على الصناعة أفقياً وعمودياً وسيطرت على أغلب التجارة العالمية بالنفط، كما منعت أن يؤثر فائض في سوق ما بالأسواق الأخرى.

أوبك لا تركز إلا على جزء بسيط من الصناعة، وهو إنتاج النفط الخام، لهذا لا يمكن سحب صفة “الكارتل” من “الأخوات السبع” على أوبك فقط؛ لأن أوبك جاءت بعدها، ودليل آخر على ذلك هو استقرار الأسعار خلال فترة سيطرة “الأخوات السبع” ثم تذبذبها الشديد في فترة أوبك.

5- ولا يمكن مقارنة سيطرة أوبك بسيطرة مفوضية سكة حديد تكساس، فسكة حديد تكساس كانت تتمتع بقوة قانونية وسياسية جعلت حاكم تكساس يستخدم الحرس الوطني لإجبار المنتجين أن يوقفوا الإنتاج بالقوة، رغم أنها كلها شركات خاصة وملكية خاصة.

كما أن قوة مفوضية سكة حديد تكساس جاءت من سيطرة “الأخوات السبع” وقتها على الأسواق العالمية، فإذا كانت الأسواق العالمية مفتوحة وقتها لما كان لسكة الحديد أي قوة تذكر.. الأسواق العالمية في عهد أوبك مفتوحة، وهو الأمر الذي جعل الولايات المتحدة المنتج الأول في العالم للنفط، تليها روسيا، وكلاهما من خارج أوبك.

6- قانونيًا.. تتطلب إدانة أوبك بالاحتكار في المحاكم الأميركية أمرين، الأول: حصة سوقية كبيرة لا تقل عن 90%، لكن حتى لو أخذنا بحالة حدثت في الماضي بنسبة حوالي 75%، فإن هذا لا ينطبق على أوبك، والأمر الآخر هو القصد مع سابق الإصرار والتصميم على عزل منتجين آخرين وإجبارهم على الخروج من السوق، وهذا -أيضاً- لا ينطبق على أوبك؛ لأنها تقبلت دائما أعضاء جددا. ونظراً لصغر حصتها السوقية، فهي تدرك أن العالم بحاجة للمنتجين الآخرين.

7- أخيراً، وهذه هي الضربة القاصمة لفكرة أن أوبك كارتل.. وفقاً للنظرية الاقتصادية فإن “الكارتل” يعمل على الجزء المرن من الطلب على سلعته، فإذا كان يعمل في الجزء غير المرن، فلا يمكن أن يكون “كارتل”، وهذا يعني أنه ليس لديه قوة سوقية، وبقياس مرونة الطلب السعرية لأوبك نجد أنها كانت تعمل دائما على الجزء غير المرن من الطلب، وهذا ينفي كونها “كارتل”.

لا يوجد أي مجال للتأويل هنا؛ لأن قياس المرونة يتطلب الأسعار والكميات، وهذه الأسعار والكميات متوافرة في أماكن كثيرة، ومعادلة المرونة معروفة يعرفها طلاب السنة الأولى في تخصص الاقتصاد.

خلاصة القول.. أوبك ليست “كارتل”! فلا تنطبق عليها النظرية الاقتصادية، ولا يمكن إدانتها قانونياً وفق القوانين الحالية بالاحتكار!

أبز مقالات الدكتور أنس بن فيصل الحجي – خبير الطاقة الدولي

أنس الحجي يكتب لـ”الطاقة”| في الذكرى الـ60 لتأسيسها.. ماهي أوبك؟

 

مقال – أنس الحجي يكتب لـ”الطاقة”: متى ينضب النفط السعودي؟

 

مقال – أنس الحجي يكتب لـ “الطاقة”: ما أثر تقليص تخفيض السعودية و(أوبك+) للإنتاج في أسواق النفط؟

الوسوم
أنس الحجي أوبك تأسيس أوبك كارتل معنى كارتل مقالات أنس الحجي مقالات الدكتور أنس الحجي هل أوبك كارتل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى