أخبارالمقالاتسلايدر الرئيسيةمقالاتنفط

حدث في مثل هذا اليوم.. الانقلاب الأميركي على محمد مُصدّق في إيران

بسبب تأميمه للنفط وطرد البريطانيين

إدارة الأبحاث - الطاقة

في مثل هذا اليوم، التاسع عشر من أغسطس/آب عام 1953، نفذت المخابرات الأميركية انقلابًا ضد رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، وأعادت الشاه للحكم.

اشتُهر “مصدق” بأنه كان وطنيًا علمانيًا، إلا أنه تحالفَ مع العلماء والمشايخ -بما فيهم أستاذ آية الله خميني- الذين غدروا به وتعاملوا مع الانقلابيين.

أشهر ما قام به مصدق هو تأميم النفط و طرد البريطانيين من إيران، إلا أن البريطانيين طبقوا حصارا كاملا على طهران، التي لم تتمكن من تصدير نفطها، فزادت المشاكل الاقتصادية، الأمر الذي ساعد البريطانيين و الأميركيين على تأليب كثير من الإيرانيين ضده.

نتج عن إعادة الشاه، إجباره على توقيع عقد يعطي شركات النفط الأجنبية الحق في كامل ثروات إيران النفطية بأسعار محددة سلفا ولعقود مقبلة، دون أي حق للشاه أو لأي هيئة حكومية مراجعة أي أوراق تتعلق بالشركات أو بيانات الإنتاج، لذا دعم الشاه تأسيس أوبك سنة 1960، في محاولة للتخلص من هذا العقد.

ومع ارتفاع أسعار النفط في السبعينات، كانت الحكومة الإيرانية تحصل على الأسعار القديمة التي كان متفق عليها منذ الخمسينيات، لهذا لم تستفد إيران في السبعينيات، فترة الطفرة في دول الخليج، ولم تحصل على سعر السوق إلا بعد حدوث الثورة الإيرانية، لأنها ألغت العقد القديم.

هذا يفسر أمر تاريخي مهم، احتار به بعض الباحثين الذي لم يقرأوا صيغة العقد، حيث قامت الحكومة الإيرانية بعد الثورة بتخفيض الإنتاج بمقدار النصف من 6 ملايين برميل يومياً إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً، واستطاعت تمويل الحكومة، لأن الفارق في أسعار النفط بالنسبة لإيران كان أضعاف الفارق في الخليج والدول الأخرى، ومن ثم فإن عائدات 3 ملايين برميل كانت أعلى من عائدات 6 ملايين برميل بشكل ملحوظ.

محمد مصدق يخطب أثناء حملة انتخابية
محمد مصدق يخطب أثناء حملة انتخابية

يرى كثير من الباحثين أن تأميم “مصدق” للنفط -رغم عدم نجاحه- أسهم لاحقا في تأميم قناة السويس، ثم في تأميم النفط في دول أخرى، وهو فعلاً الأمر الذي كان يخيف بريطانيا، وسبب الانقلاب على مُصدّق.  بإختصار، لم يدرك البريطانيون والأميركيون أن المارد خرج من القمقم، مجرد تأميم محمد مصدق للنفط وطرد البريطانيين.

وللمزيد عن الموضوع نعيد نشر مقال سابق للدكتور أنس الحجي، مستشار التحرير في “الطاقة”،  بعد الحصول على إذن منه بإعادة النشر، وهو منقول من موقعه الخاص: www.anasalhajji.com

 

إيران: محمد مصدق بين تأميم النفط والإنقلاب الأميركي

أنس بن فيصل الحجي

اكتشف الجيولوجيون البريطانيون النفط في إيران في عام 1911 وتم تأسيس شركة الأنجلو-فارسية خصيصاً لذلك (أصبحت الآن شركة النفط البريطانية بي بي)، ونتيجة للدور المهم الذي لعبه النفط في الحرب العالمية الأولى, أصر ونستون تشرشل على أن تقوم الحكومة البريطانية بشراء 51% من الشركة كي تتحكم الحكومة البريطانية, ليس بالشركة فحسب, بل بالنفط الإيراني والحكومة الإيرانية.

محمد مصدق، رئيس وزراء إيران، على غلاف مجلة التايم في 1952
محمد مصدق على غلاف مجلة التايم

وأدت عنجهية البريطانيين ومعاملتهم السيئة للإيرانيين إلى كره الشعب الإيراني لهم, والذي طالب بشكل مستمر بطرد البريطانيين وتأميم النفط الإيراني.

وتمثل هذا في مواقف الدكتور محمد مصدق, خاصة في عام 1933, عندما حاول الشاه طرده من البرلمان لكي يتمكن من توقيع معاهدات نفطية مع الشركات البريطانية، لكن آمال الشعب الإيراني لم تتحقق إلا بعد عقود من الزمن عندما قرر البرلمان الإيراني تأميم شركة نفط الأنجلو-فارسية في عام 1951، ولكن القرار لم يطبق فعلياً لعدم توقيع الشاه عليه حتى تم انتخاب محمد مصدق رئيساً للوزراء في آخر شهر إبريل من عام 1951.

كان أول ما قام به مصدق كرئيس للوزراء هو إجبار الشاه على توقيع القرار الذي بدأ مفعوله في أول شهر مايو/آيار، بعد أيام من تسلم مصدق لرئاسة الوزارة، وتم تغيير إسم الشركة إلى “الشركة الإيرانية الوطنية للنفط”.

وشكل قرار التأميم صفعة شديدة الألم لبريطانيا “العظمى” وسياساتها في المنطقة، خاصة أنها أتت بعد خسائر عديدة منيت بها بريطانيا بسبب اكتشاف الشركات الأمريكية للنفط في كل المحميات الإنجليزية في الخليج.

لقد كانت إيران “البقرة الحلوب” التي كان نفطها يموّل جزءاً كبيراً من الميزانية البريطانية, ويحرك الصناعة البريطانية, وعليه اعتمدت البحرية البريطانية والجيش البريطاني، وأدى هذا الدور المهام الذي لعبه النفط الإيراني في حياة بريطانيا إلى لجوء الإنجليز إلى خطة بديلة كانت قد طورتها الحكومة البريطانية خلال السنوات السابقة في حالة تأميم النفط في إيران, أو وصول الشيوعيين للحكم, أو غزو الاتحاد السوفيتي لإيران، و تقضي هذه الخطة باحتلال منابع النفط الإيرانية والسيطرة عليها بالكامل.

ولم تتمكن بريطانيا من اجتياح إيران لأسباب عديدة أهمها استقلال الهند والذي حرم بريطانيا من استغلال الجيش الهندي في احتلال إيران، وعدم رغبة الحكومة البريطانية في تعريض الجنود البريطانيين للخطر في معركة لا تعرف عواقبها,  وتخوّف بريطانيا من ردة فعل الولايات المتحدة من اجتياح كهذا, وتخوف بريطانيا والولايات المتحدة من ردة فعل الاتحاد السوفيتي الذي قد يغزو إيران من الشمال لمنع وجود بريطانيا على حدوده.

وقامت بريطانيا بمحاكمة إيران في مجلس الأمن وبالمحكمة الدولية في لاهاي، فقام مصدّق بنفسه -كونه محامياً حاصلاً على الدكتوراه في الحقوق من فرنسا- بالدفاع عن إيران في الأمم المتحدة وفي لاهاي، وربح القضية لصالح طهران، الأمر الذي جعله بطلاً قومياً, ليس في إيران فحسب، بل في كل أرجاء العالم الإسلامي ودول العالم الثالث.

شعرت بريطانيا بحرج موقفها لأن عدم ردها على التأميم يعني تشجيع الدول الأخرى في الخليج على تأميم النفط, وبالتالي انحسار الدور البريطاني في الخليج.

تشير الرسائل والتقارير البريطانية في ذلك الوقت إلى أن بريطانيا أولت اهتماماً كبيراً بتأميم النفط في إيران, ليس بسبب خسائرها في إيران فحسب، بل بسبب احتمال تأميم قناة السويس على إثر ذلك، لذلك قررت القيادة البريطانية في ذلك الوقت استرجاع ما أسمته ب”حقوقها النفطية المغتصبة” بأي ثمن.

وتحولت الخطة إلى قيام بريطانيا باحتلال جزيرة عبادان, والتي تحتوي على أكبر مصفاة للنفط في العالم، خاصة أن أغلب عمالها ومدرائها مازالوا من البريطانيين، ولم يتسن لها ذلك لنفس الأسباب السابقة التي منعتها من احتلال منابع النفط في إيران, ولأن مصدق طلب من كل البريطانيين المغادرة خلال أسبوع, وتم له ما طلب, إلا أن مصفاة عبادان توقفت تماماً عن العمل.

و لم يبق أمام بريطانيا أي خيار سوى أن تطبق حصاراً اقتصادياً على إيران. فحاصرت البحرية البريطانية الموانئ الإيرانية ومنعت السفن من تحميل النفط الإيراني، كما قامت بمنع تصدير كل السلع والخدمات إلى إيران بما في ذلك المواد الغذائية و الأدوية.  كما أوقف البنك المركزي البريطاني كل التعاملات المالية مع إيران.

وشاركت العديد من الدول الصديقة مقاطعتها لإيران بما في ذلك الولايات المتحدة، من جانب آخر, قامت إدارة شركة نفط الأنجلو-فارسية بإقامة دعاوى قضائية ضد كل ملاك حاملات النفط الذين تمكنوا من تحميل النفط الإيراني, والذي اعتبرته الشركة “نفطاً مسروقاٌ”، ونجحت في إجبار هؤلاء على عدم تحميل النفط الإيراني.

ونتيجة للحصار الاقتصادي/ العسكري، تدهور الاقتصاد الإيراني إلى الحضيض, وتوقفت صناعة النفط الإيرانية، وخسرت الحكومة عائدات النفط، ونظراً لندرة المواد الغذائية و السلع المختلفة، ارتفعت الأسعار داخل إيران بشكل جنوني، وارتفعت مستويات التضخم في عام 1952 إلى درجة لم تشهدها إيران من قبل.

لقد كانت إيرادات النفط تمثل نصف إيرادات الخزينة الإيرانية وثلثي الصادرات قبل التأميم, وتلاشت كلها في الأيام الأخيرة من حكم مصدق، لقد كان الهدف الرئيس للبريطانيين هو “تجويع الشعب الإيراني و إفلاس الخزينة العامة”، حسب تعبير أحد مسؤولي شركة الأنجلو-فارسية.

وبسبب فشل المفاوضات بين البريطانيين والأميريكيين من جهة، ومصدّق من جهة أخرى, قررت الحكومتان البريطانية والأميركية التخلص من مصدّق الذي أصبح بطلاً قومياً في إيران.

وبدأت المخابرات الأميركية والبريطانية بإعداد خطة للإطاحة بمصدّق وتدبير انقلاب عسكري . وتم تعيين “كيم روزفلت”، حفيد الرئيس الأمريكي “ثيودور روزفلت”  لتنفيذ الخطة، وتمكن الحفيد من الوصول سراً إلى إيران ودخول قصر الشاه بعد أن تم لفه ببطانية في أرضية السيارة.

وافق الشاه على الفكرة على أن يقوم قائد الجيش الإيراني فضل الله زاهدي بالانقلاب بعد أن يعلن الشاه رسمياً عزل مصدّق، الذي علم بالإنباء قبل بدء تطبيق الخطة، فهيّج الناس ضد الشاه وطرده من إيران, وفشلت الخطة الأمريكية-البريطانية والتي سميت “عملية أي جاكس”, ولكن مؤقتاً فقط.

لقد أحبَّ الشعب الإيراني بطله القومي مُصدّق, ولكن الشعب يريد أن يأكل، يريد أن يعمل، يريد أن يعيش.. لقد أدت المقاطعة الاقتصادية إلى تجويع ملايين البشر، الذين رأوا في بطلهم الآن وبعد من سنتين من الحكم، صورة أخرى جلبت الجوع والفقر، فاستغلت المخابرات الأميركية هذه الفرصة، ونظّمت المظاهرات عن طريق دفع أجور لكل من يشارك في هذه المظاهرات (هذه المعلومات من اعترافات المخابرات الأمريكية نفسها).

تمكنت القوى الأجنبية من تأليب جزء من الشعب الإيراني على مُصدّق في الأيام التالية لطرد الشاه, كما انقلب عليه أصدقائه الذي شاركوا في الانقلاب وأحرقوا منزله, فاضطرّ مصدّق إلى الهروب من باب خلفي, حيث تم القبض عليه فيما بعد, وسيطر زاهدي على الحكم وتم استرجاع الشاه من منفاه في إيطاليا. ويذكر أنه حُكِم على مُصدّق بالسجن لمدة ثلاثة سنوات, ثم وضع تحت الإقامة الإجبارية حتى وفاته في عام 1967. ونظراً للدور الكبير الذي قام به مُصدّق في تغيير مجرى التاريخ, قامت مجلة “التايم” في عام 1951 باختياره رجل العام.  كما قامت مجلة “الإيراني” باختياره “رجل القرن” لدوره الوطني في إيران, حيث حصل على 42% من أصوات الإيرانيين في استفتاء أجرته المجلة لاختيار رجل القرن. ومازال الرجل يتمتع بشعبية كبيرة داخل إيران.

بعد سقوط مُصدّق, عادت الشركات البريطانية إلى إيران وتقاسمت ثورة إيران النفطية مع الشركات الأمريكية.  ونتج عن عودة شركات النفط العالمية وعودة الشاه حقبة من أشد الحقب سواداً في تاريخ إيران, لدرجة أن منظمة حقوق الإنسان أشارت في تقاريرها إلى ظلم وتعذيب “لم يشهده العالم من قبل”! (طبعا كان هذا قبل مجيء النظام الحالي)

عندما قام مصدّق بتأميم النفط الإيراني في منتصف القرن الماضي, قامت البحرية البريطانية بإغلاق معابر الخليج لمنع النفط الإيراني من التسرب إلى أسواق النفط العالمية.  لقد نجح البريطانيون في هذا الحصار لأنهم أحكموا الحصار على الموانئ الإيرانية كما سيطروا على مضيق هرمز. إضافة إلى ذلك, لم تملك إيران في تلك الفترة أسطولاً من ناقلات النفط لنقل نفطها, ولم يكن لديها القوة الحربية الكافية لمنع البريطانيين من السيطرة على الخليج.  على إثر ذلك انهار الاقتصاد الإيراني وتم التخلص من مُصدّق وإرجاع الشاه إلى عرشه.

محمد مصدق نائما على كتف محاميه أثناء محاكمته في محكمة عسكرية
محمد مصدق نائما على كتف محاميه أثناء محاكمته في محكمة عسكرية

لقد كان من أهم نتائج خسارة الأسواق العالمية للنفط الإيراني, والذي مثل 10% من الإنتاج العالمي في ذلك الوقت, هو زيادة الإنتاج العالمي في السنوات اللاحقة بسبب ارتفاع الأسعار أثناء المقاطعة من جهة, ومحاولة الحكومات حول العالم تأمين مصادر بديلة للنفط الإيراني من جهة أخرى.

وعاد النفط الإيراني للأسواق في فترة تم فيها إغراق أسواق النفط العالمية وانخفضت فيه الأسعار بشكل كبير، لذلك لم تستفد إيران لا في البداية ولا في النهاية.  لقد انخفض إنتاج النفط الإيراني من 666 ألف برميل يومياً في عام 1950 إلى 20 ألف برميل يومياً في فقط.  وفي نفس الفترة زاد إنتاج النفط العالمي بمقدار 2.1 مليون برميل يومياً.

إن أحد أهم شروط المقاطعة, سواء اقتصادية أو نفطية, هو توافر جيش قوي لدعم وتأكيد هذه  المقاطعة, و إلا فإنها ستكون كما يقولون “لعب عيال”.  إن قيام بعض الدول العربية بمقاطعة نفطية للولايات المتحدة أو غيرها لن يؤدي إلى أي نتيجة, لأنها لا تملك القوة الكافية لمحاصرة شواطئ الولايات المتحدة لمنع وصول النفط إليها.  والسؤال الذي يطرح نفسه هو, هل ستفكر دول النفط العربية على الإطلاق في استخدام النفط كسلاح لو كانت جيوشها قوية لدرجة أنها تستطيع التطبيق الفعلي لهذه المقاطعة؟ إن قيام الدول العربية باستخدام النفط كسلاح سيؤدي إلى زيادة إنتاج النفط في المناطق المنافسة, خاصة في روسيا  والولايات المتحدة, والمياه العميقة في البرازيل وغايانا وسورينام الأمر الذي سيؤدي إلى انخفاض إيرادات النفط, ليس خلال فترة المقاطعة فقط, وإنما لعدة سنوات مقبلة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى