التقاريرتقاريرسلايدر الرئيسيةعاجلمنوعات

الصين تبسط نفوذها على إفريقيا.. و5 دول تحصد نصيب الأسد من التمويل

القروض تتحوّل لكابوس يهدّد اقتصادات القارّة السمراء

تسعى الصين بقوّة لأن تكون الشريك رقم واحد في إفريقيا، وتضع مواردها نصب عينيها، خاصّةً أن بكين أكبر شريك تجاري للقارّة السمراء، بزهاء 200 مليار دولار.

وتتمتّع الصين ببراعة شديدة في تطوير الاقتصادات الناشئة، حيث تقدّم مجموعة من المنتجات والخدمات في صفقات بمظهر جذّاب.

بدأت الصين تكرّس جهودها للتوسّع في إفريقيا شرقًا وغربًا وشمالًا، ولأن القارّة السمراء غنيّة بالموارد الأوّلية، لذلك حازت على اهتمام بالغ من بكين، حتّى إنّها كانت المقصد الأوّل للرئيس الصيني “شي جين بينغ”، فور تولّيه الحكم.

وكثيرًا ما يوصف تأثير الصين بأنّه أحد أشكال الاستعمار الاقتصادي، ما يزيد من عبء ديون الدول النامية من خلال مشاريع البُنية التحتيّة الضخمة، وتمويل المشاريع والاستثمارات في الصناعات الاستخراجية.

ويصرّ رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوسا -وهو أيضًا الزعيم الحالي للاتّحاد الإفريقي- على أن تتعامل الصين مع القارّة من أجل المنفعة المتبادلة، وأن استثماراتها تعدّ تغييرًا عن القوى الاستعمارية والاستغلالية للغرب.

طريقة مختلفة

تميّزت الحكومة الصينية في تطبيق سياساتها على أرض الواقع في إفريقيا، واتّبعت نهجًا مختلفًا عن الآخرين، مثل أميركا والدول الأوروبّية، حيث إن وجودها من خلال الشركات المختلفة والمصارف الصينية هو للتجارة فقط، ولا دخل للسياسة “القوّة الناعمة”، وجرى إطلاق عدّة شعارات، مثل ” لا قيود سياسية”، وساعدت وجودها من خلال القروض الميسّرة، وأيضًا إسقاط بعض الديون على الدول الفقيرة.

تأخّر التنمية

من المؤكّد أن تأخّر التنمية في إفريقيا يشكّل حافزًا للصين، ويقدّر بعض الباحثين أن 75% من البُنية الأساسية الاقتصادية في القارّة لا يزال يتعيّن بناؤها، ويؤثّر ذلك في الحصول على التعليم والرعاية الصحّية وفرص العمل والخدمات الأساسية، وكلّها عوامل تعوق النموّ الاقتصادي.

وأكّد الباحثون أن 60% من الأفارقة يفتقرون إلى إمكان الحصول على الكهرباء، في حين إن أكثر من 50 %منهم في المناطق الحضرية، لا يتمتّعون بالبُنية التحتيّة من مياه وخدمة الصرف الصحّي.

وتعدّ الترتيبات الماليّة المصاحبة لمشاريع البُنية التحتيّة الصينية، جذّابة للاقتصادات الإفريقيّة البطيئة اقتصاديًا.

الإطار التمويلي

يأتي نصف التزامات الاستثمار بالبُنية التحتيّة فى الصين، من القروض، بينما النصف الآخر بشكل ائتمانات التصدير، وهناك نسبة مئويّة صغيرة جدًّا من المنح.

وتحبّذ مصارف السياسة الصينية، مثل مصرف التنمية الصيني، شكل ائتمانات التصدير، وفي هذا الإطار لا يتعيّن على البلدان الإفريقية دائمًا أن تسدّد التمويل بالعملة الفعلية، وتشكّل قائمة من الخيارات التي تبدو مواتية للبلدان التي تعاني من ضائقة ماليّة، والبلاد الفقيرة في الهياكل الأساسية.

ويمكن أن تعطي ائتمانات التصدير والصادرات التفضيلية للصين ميزة على المصدّرين الآخرين، وبكين ليست جزءًا من منظّمة التعاون والتنمية، ولا يتعيّن عليها الامتثال للمبادئ التوجيهية المتعلّقة بحدود التمويل وترتيبات السداد والشفافية ومعايير الإدارة الرشيدة.

موارد التمويل

قد تسمح ائتمانات التصدير أيضًا للصين بالوصول إلى الموارد الطبيعية للمدين، أو إلى الأصول الوطنية الإستراتيجية بصفتها أحد أشكال السداد.

ويُعرف هيكل الصفقة هذا باسم “طريقة أنغولا”، أو “الموارد اللازمة لتمويل البُنية التحتيّة”، حيث تُسَدَّد القروض بشكل موارد، مثل النفط أو المعادن، ويعدّ خيارًا جذّابًا جدًّا بالنسبة للبلدان غير القادرة على تقديم ضمانات الدولة قروضها، وهي خيارات محدودة للتمويل، بسبب تاريخ التخلّف عن السداد.

والصين ليست فريدة في تقديم تلك الشروط، وهناك تاريخ كبير من المعاملات القائمة على الموارد الطبيعية.

ويعني تدفّق الموارد الطبيعية غير المُستغلّة من إفريقيا، أن البلدان الغنيّة لا تستفيد من ثرواتها الطبيعية، ولا تطوّر سلاسل القيمة والسياسات الصناعية الداعمة لتسخير تنميتها الوطنية والإقليمية.

وقد استفادت إثيوبيا وكينيا وتنزانيا وزامبيا من مشاريع السكك الحديدية الصينية، بفضل مبادرة الحزام والطريق.

“الحزام والطريق” هى مبادرة صينية لإنشاء حزام يربط بكين بدول العالم، وتُعرف أيضًا باسم “طريق الحرير”، وكان لهذا الطريق دور كبير فى ازدهار العديد من الحضارات القديمة، مثل: المصرية، والصينية، والرومانية، والهندية، والتقاء الثقافات، والتبادل الفكري، والثقافي.

وشكّلت الجزائر وإثيوبيا وأنغولا وكينيا ونيجيريا معًا 50٪ من إجمالي عائدات مشاريع البناء الصينية، في عام 2018.

إدراج الأصول والضمانات

المستفيدون من القروض الصينية معرّضون لمزيد من المخاطر، عندما يجري إدراج الأصول الوطنية في الضمانات الحكومية، أو الشراكات بين القطاعين العامّ والخاصّ مع المقاولين الصينيّين.

ومع توقّعات النموّ الضعيفة في السنوات القليلة المقبلة، التي تفاقمت بسبب أزمة كورونا، من المرجّح أن تتخلّف البلدان الإفريقيّة المثقلة بالديون عن سداد ديونها، بموجب اتّفاقيات القروض مع الصين وغيرها من الدائنين.

ويقدّر المحلّلون في معهد بروكينغز، أن 65.8% من ديون زامبيا الخارجية هي قروض من الصين، حيث يتعلّق بعض هذه القروض بشركة الكهرباء الحكومية في زامبيا، زيسكو، لا سيّما القرض الصيني الذي يزيد على مليار دولار، الذي حصلت عليه المرافق لبناء سدّ كافو جورج الكهرومائي.

زامبيا وكينيا في ورطة

بجانب ارتفاع الفائدة على سندات اليورو لنفس مشروع الطاقة، فإن زيسكو في ورطة، ويمكن للصين أن تستولي على تلك المرافق الوطنية بصفتها المساهم الأكبر في شركة سينزام للطاقة، التي تقوم ببناء سدّ للطاقة الكهرومائية، حيث تمتلك زيسكو حصّة 30٪، في حين إن صندوق التنمية الإفريقي الصيني وسينوهايدرو الصينية المملوكة للدولة، يحتفظان بنسبة 20٪ و 50٪ على التوالي، في صندوق الدين المشترك.

كينيا في مأزق مماثل مع الصين، ومن المحتمل أن تتعرّض لخطر فقدان السيطرة على مينائها في مومباسا، والأصول الوطنية هي ضمانات في قرض بقيمة 2.3 مليار دولار لشركة السكك الحديدية الكينيّة، لتنفيذ خطّ سكّة حديد يربط بين مومباسا ونيروبي.

وتقوم شركة الطرق والجسور الصينية بتنفيذه، ويبلغ طول خطّ السكك الحديدية 472 كيلومترًا، ويكلّف 5.6 مليون دولار للكيلو متر الواحد، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف المستوى الدولي، وأربع مرّات أكثر من التكلفة الأصلية.

الخطوط لم تجرِ كهربتها، لأن القطارات ستعمل بالديزل، وقد موّلت الصين 80% من هذا المشروع الجامح، الذي يستهلك الآن 6% من الناتج المحلّي الإجمالي لكينيا.

وتكافح كينيا لتحقيق توازن مُضنٍ بين تحديث البُنية التحتيّة في الحقبة الاستعمارية بتكاليف فلكيّة، والفوائد المستقبلية لخدمات الشحن.

هيمنة مستمرّة

ارتفع التمويل الصيني إلى إفريقيا، منذ عام 2003، وبلغ ذروته في 2008، بعد أن اشترى البنك الصناعي والتجاري الصيني حصّة قدرها 20% ببنك ستاندرد في جنوب إفريقيا.

ويمكن رؤية التأثيرات طويلة الأمد للأزمة الماليّة العالمية في الولايات المتّحدة في تناقص تدفّقات الاستثمار، حيث تجاوزت الصين أميركا بصفتها أكبر مموّل في القارّة، عام 2014.

وعلى مدى العامين الماضيين، كانت الدول الإفريقيّة الخمس، التي حصلت على نصيب الأسد من التمويل الصيني، هي جنوب إفريقيا، موزمبيق، زامبيا، جمهورية الكونغو الديمقراطية، وإثيوبيا.

وتحتفظ الحكومة الصينية والمصارف التابعة لها والشركات الحكومية، بنحو 24% من الديون الخارجية المجمّعة لإفريقيا، ومع انخفاض شروط القروض القابلة للتفاوض من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وغيرهما من مؤسّسات التمويل التي تتّخذ من الغرب مقرًّا لها، فإن هيمنة الصين بصفتها مقرضةً لإفريقيا من المتوقّع أن تستمرّ.

ويقول المحلّلون: إن الدول تسدّد الكثير لمقرضي القطاع الخاصّ، الذين يمتلكون ما يصل إلى 30٪ (130 مليار دولار)، مقارنةً بالصين، التي عادةً ما تكون على استعداد لإعادة هيكلة شروط القروض، أو إعادة التفاوض بشأنها.

ومن المنطقي أنّه إذا كانت البلدان لديها اتّفاقات قروض متعدّدة الأطراف، فإن القروض الصينية لن تتخلّف عن سدادها.

كورونا يضرب الاقتصادات الإفريقيّة

وبالنظر إلى التدفّقات الماليّة والتجاريّة الهائلة بين القارّة الإفريقيّة والصين، فإن وباء كورونا قد أصاب الاقتصادات الإفريقيّة بشدّة، نظرًا للغلق الشديد الذي كانت عليه بكين في أثناء المراحل الأولى من تفشّي الفيروس، وتعرّضت الاقتصادات التي تحرّكها السلع الأساسية في القارّة، إلى ضربة شديدة، مع هبوط أسعار النحاس والنفط والمعادن الأخرى، نظرًا للانكماش الاقتصادي العالمي.

وانخفض الناتج الاقتصادي الصيني بنسبة 6.8%، في الربع الأوّل، لكن المؤشّرات المبكّرة تشير إلى أن الاقتصاد يتراجع مع ارتفاع معدّلات النموّ إلى أعلى ممّا كان متوقّعًا.

ويشير النموّ بنسبة 3.2%، في الربع الثاني من هذا العام، إلى أن الانتعاش على شكل حرف (V)، لكنّه قد لا يكون كافيًا لازدهار الاستثمارات الضخمة للصين في إفريقيا.

إعفاءات ضريبية وسندات خزانة

يُعزى معظم النموّ في الصين إلى حزمة تحفيز بقيمة 500 مليار دولار، شملت إعفاءات ضريبية وسندات خزانة خاصّة لزيادة الإنفاق المالي كونه وسيلة لتأمين فرص العمل والمعيشة. وفي مثل هذا المناخ المنهك، أصبحت الاستثمارات الكبيرة التي تقوم بها الصين في برنامج البُنية التحتيّة لمبادرة الحزام والطريق موضع تساؤل.

في التجمّع الافتراضي الأخير للقادة الأفارقة والصين – القمّة الاستثنائية الصينيّة الإفريقيّة حول التضامن ضدّ كورونا – أشارت بكين إلى إعفاء سداد فوائد قروض، موعد استحقاقها نهاية 2020، وهو مبلغ هامشي، لأن هذه القروض تشكّل 9% فقط من إجمالي الإقراض الصيني للقارّة.

ومن المعتاد أن تسدّد القروض بفائدة، لذا لم تُعفَ أيّ من القروض المستحقّة البالغة 150 مليار دولار، ومع ذلك أكّد الرئيس الصيني شي جين بينغ، أن إعادة هيكلة القروض تجري على أساس كلّ حالة على حدة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى