المقالاتسلايدر الرئيسيةنفط

مقال – أنس الحجي يكتب: ليس لروسيا مصلحة في التحوط ضد انخفاض أسعار النفط

ولكنها مصلحة إيغور سوتشين!

خاص - الطاقة

أنس بن فيصل الحجي*

أعلن المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، أمس، أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وجه الهيئات المعنية بدراسة أفكار تتعلق بالتحوط ضد انخفاض أسعار النفط. وأوردت وكالة الأنباء الروسية “تاس” تفاصيل عن البرنامج الذي اقترحته شركة روسنفت الروسية.

تفكر الحكومة الروسية في حماية إيراداتها النفطية من الذبذبة الكبيرة، خاصة من الانخفاض الشديد، كالذي حصل في شهري مارس وأبريل الماضيين. وبذلك تحاول محاكاة ما قامت به الحكومة المكسيكية التي تقوم بالتحوط كل سنة، والذي حمى إيراداتها من الانخفاض المريع الذي حصل في مارس وابريل.

إن مجرد التفكير بالتحوط يعني أن روسيا لديها شك في قدرة أوبك+ على إدارة أسواق النفط، كما يشكك المحللون والخبراء بنوايا روسيا: هل ستبقى في أوبك+؟  كلتا الحالتين ليستا في صالح دول أوبك.  ولكن يجب وضع هذه الأفكار في إطارها الصحيح: الفكرة جاءت من شركة “روسنفت”، والتي اشتهر رئيسها، إيغور سيتشين، بمواقفه المضادة لتخفيض الإنتاج وعدائه الشديد لأوبك وأوبك+.

كما أن التفكير في التحوط يعكس تخوف الحكومة الروسية، وهذا يتنافى مع الصورة التي يحاول الرئيس بوتين أن يظهرها عن نفسه وعن روسيا. باختصار، هناك تناقض بين فكرة التحوط وفكر بوتين.

وهنا لابد من ذكر الأمور التالية:

  1. فكرة التحوط الروسي قديمة كان آخرها في 2016 عندما كانت أسعار النفط منخفضة، ولكن كل الجهود توقّفت في هذا المجال مع موافقة روسيا على الانضمام إلى أوبك+.
  2. التحوط في هذه الحالة هو عبارة بوليصة تأمين ضد انخفاض الأسعار تعطي المتحوّط الحق في بيع النفط بسعر متفق عليه سابقا قد يكون أعلى من سعر السوق بكثير. في هذه الحالة يُجبِر المتحوّط الطرف الآخر على دفع “العائد” من الفرق بين سعر النفط في السوق والسعر المتفق عليه إذا انخفضت الأسعار دون السعر المتفق عليه.
  3. التحوط مكلف لأن ثمن “بوليصة التأمين” هذه مرتفع حتى يعوض الطرف الآخر عن المخاطرة في هذه الحالة. في حالة روسيا، سيقوم صندوق الثروة الروسي بدفع تكاليف التحوط.
  4. قيام الحكومة بالتأمين على إيراداتها النفطية لاعلاقة له بالشركات النفطية وبالنفط المستخرج. بعبارة أخرى، يمكن أن تحصل الحكومة الروسية على الفرق في الأسعار حتى إذا لم تنتج برميلا واحدا من النفط.
  5. يتضح مما ورد في تقرير “تاس” أن بعض القادة الروس، بما في ذلك رئيس شركة روسنفت، معجبون بموقف المكسيك التي وقفت ففي وجه دول أوبك+ ورفضت تخفيض الإنتاج في اجتماع أبريل، ثم في اجتماع يونيو، وأن الذي ساعد المكسيك في موقفها هو عمليات التحوط التي قامت بها، والتي تعتبر الأكبر من نوعها. وهنا علينا أن نتذكر ماذكر سابقا عن  إيغور سيتشن حيث أن موقفه يتفق مع موقف المكسيك.

لماذا تتحوط الحكومة الروسية؟

إيغور سيتشين، رئيس شركة روسنفت مع الرئيس الروسي بوتين
إيغور سيتشين، رئيس شركة روسنفت مع الرئيس الروسي بوتين

لنتجاهل موقف سيتشن مؤقتا.  فكرة التحوط هي منع الإيرادات الحكومية من الانخفاض تحت حد معين.  وقد يكون السبب اقتصاديا بحتاُ لمنع هبوط النمو الاقتصادي كما يحصل الآن حيث يتوقع أن ينخفض نمو الاقتصاد الروسي بمقدار 6%.  إلا أن الحكومة الروسية لديها صندوق سيادي ضخم تستطيع السحب منه للتعويض عن الانخفاض في الإيرادات، وهو أمر افتحر فيه بوتين ومساعديه في شهر مارس الماضي.  كما أنها تستطيع، في حالة انخفاض أسعار النفط، تخفيض الإنفاق الحكومي ووقف أو ألغاء بعض المشاريع الضخمة.  فلماذا تقوم بدفع مبالغ مليارية للتأمين على إيراداتها؟ قد يكون السبب سياسيا أكثر من منه اقتصاديا.

  • فهل هناك تخوف من نتائج الانتخابات الأميركية ومايمكن أن ينتج عنها من عقوبات إضافية على روسيا؟ أ
  • أم أن هناك تخوف من تكرار ماحصل من خلاف مع السعودية في بداية مارس الماضي وقيام السعودية بتلقين روسيا درسا قاسيا؟
  • أم أنه تخوف من انخفاض أسعار النفط الذي يحجم خيارات السياسة الخارجية لروسيا؟

الآن لنعود إلى سيتشن، المخاوف أعلاه هي مخاوف سيتشن ومرتبطة بمصالحه الخاصة، والتي قد لاتتوافق بالضرورة مع موقف بوتين ومصلحة روسيا.

التحديات

حاولت روسيا في 2016 التحوط، ولكنها تخلت عن الفكرة، ربما لأن التحديات كبيرة وكثيرة، وربما لأن مصالح روسيا شيئ، ومصالح شركة روسنفط شيء أخر.

  • العقوبات الاقتصادية

نظرا لوجود عقوبات على روسيا، واحتمال زيادتها في المستقبل، فإنه لايتوقع أن تقوم البنوك والمؤسسات المالية، خاصة الغربية منها، بالتعامل مع روسيا.  وحتى لو تمت بعض العقود، فإن الحكومة الروسية لاتضمن أن تقوم البنوك الغربية بالدفع عند انخفاض أسعار النفط، متعللين بتلك العقوبات، أو بقوانين يتم تبنيها مباشرة قبل موعد الدفع.

  • محدودية المخاطرة عند البنوك

الإنتاج الروسي كبير، وإيرادات الحكومة الروسية كبيرة بأي مقياس، بينما قابلية البنوك العالمية والإقليمية للمخاطرة، وقدرتها المالية محدودة. لهذا فإنه حتى لو كانت الحكومة الروسية جادة في التحوط، وحتى في حالة عدم وجود أي عقوبات اقتصادية، فإن عملية التحوط ستكون محدودة، وتمثل جزءا فقط من إيرادات الحكومة.  ولوضع الأمور في إطارها الصحيح: إنتاج المكسيك حوالي سُدس إنتاج روسيا، ومع هذا فإن تحوطها هو أكبر عملية تحوط في الأسواق المالية عالمياً.

  • ارتفاع تكاليف التحوط

نظرا لأن التحوط لحماية أي نسبة من الإيرادات ستكون كبيرة على كل الحالات، وبسبب العوامل السياسية والاقتصادية المختلفة، وبسبب التنافس بين شركات النفط الصخري والمكسيك وروسيا على التحوط، فإن التكاليف سترتفع. ارتفاع التكاليف قد يمنع روسيا من الاستمرار بالفكرة على كل الحالات.

  • مشاكل قانونية

بغض النظر عن المشاكل القانونية المتعلقة بالعقوبات الاقتصادية، فإن هناك مشاكل قانونية تتعلق بأثر روسيا في أسعار النفط والمعلومات السرية التي لديها، ثم تحوطها في ظل تلك المعلومات.  فقيام روسيا بالتحوط سيخلق مشكلة كبيرة  للمحللين والمشرعين في الأسواق المالية:  هل تؤثر روسيا في أسعار النفط؟  كيف يمكن قانونيا لمن يؤثر في أسعار النفط أن يتحوط؟ أما اقتصاديا، فإن السؤال هو: إذا كانت روسيا تؤثر في أسعار النفط فإن التحوط لامعنى له.  إذا لماذا تلجأ حكومة روسيا للتحوط؟  مرة أخرى نعود إلى إيغور سيتشين!

  • العلاقة مع السعودية وأوبك+

يعكس التفكير بالتحوط عدم الثقة بأوبك، أو إرسال رسالة قوية لأوبك+. ولكن لايمكن إطلاقا تجاهل فكرة ان التفكير في التحوط يعكس ضيق أفق مقترحي الفكرة، بسبب التركيز على الأمور المالية فقط، وتجاهل الصورة الأكبر والعلاقات الاستراتيجية لروسيا.  وهذا مادفع رئيس البنك المركزي الروسي لمعارضة فكرة التحوط، خاصة أن التحوط قد يحد من قوة البنك المركزي.

الواقع أن قيام روسيا بالتحوط، ولو لنسبة من إيراداتها، سيجعلها أقل مرونة في التعامل مع دول أوبك+، وهذا أمر مضر بأوبك+، ومضر بالحكومة الروسية لأنها لن تستطيع التحوط ضد انخفاض كل إيراداتها.  إذا من له مصلحة في ذلك؟  الجواب واضح: الذي وقف وعارض اتفاق روسيا مع السعودية، إيغور سيتشين!

أهم نتائج التحوط الروسي

لا يمكن لروسيا في وجه التحديات الكيبرة ان تقوم بالتحوط، ولو فعلت فإن النسبة صغيرة نسبيا، ولكن حتى هذه النسبة الصغيرة ستؤثر في صناعة النفط العالمية، خاصة بالمسكيك ومنتجي النفط والغاز الصخريين في الولايات المتحدة.

إن أهم نتيجة للتحوط الروسي أن عددا من المنتجين المستقلين، خاصة منتجي الصخري، لن يتمكن من التحوط لعدم وجود طرف أخر يقوم بذلك، كونهم اكتفوا بنسبة محددة من استثماراتهم بالتعامل مع المنتجين الذي سيدفعون ثمنا أعلى.  والتحوط جزء أساسي من حياة هذه الشركات لأنها مرتبطة بعمليات التمويل.

يليها في الأهمية ارتفاع تكاليف التحوط على الجميع، بما في ذلك المكسيك. ارتفاع تكاليف التحوط لشركات النفط والغاز الصخريين يعني زيادة تكاليفها على كل الحالات.  وبالتالي قد يستنتج البعض أن دخول روسيا لأسواق التحوط يهدف منه أيضا ضرب صناعة النفط الصخري الأميركية، هذا يقودنا مرة أخرى إلى إيغور سيتشن!

وتزداد الأمور تعقيدا إذا أدى التحوط الروسي إلى قيام المزيد من الدول بالتحوط، وهو أمر سيغير من طبيعة الصناعة بشكل كبير.  إلا أن النتيجة الأساسية هي اضعاف قدرة أوبك+ على إدارة السوق لأن قوة أوبك+ حاليا بمرونتها، وازدياد عمليات التحوط يفقدها تلك المرونة، وهذا ما يريده سيتشن!

خلاصة الموضوع أن روسيا ستدرس عمليات التحوط، ولكن ستجد صعوبة كبيرة بتفعيل ذلك بسبب قوة وكثرة التحديات.  وإذا قامت بالتحوط فإن العملية ستؤثر في أسواق النفط بطرق مختلفة، ولن تعرف الآثار الحقيقية إلا بعد فترة من الزمن.  لاشك أن التحوط يحمي روسيا من الاختناق في حالة حرب أسعار جديدة، ولكن ليس هناك أي مصلحة لحكومة بوتين أو لروسيا عامة بهذه الحرب. إنها حرب إيغور سيتشن وليست حرب بوتين.

*خبير طاقة دولي

الوسوم
أوبك التحوط النفط بوتين روز نفط. السعودية روسيا سيتشن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى