أخباررئيسيةسلايدر الرئيسيةغاز

مع انهيار أسواق الغاز وإفلاس الشركات.. وارن بافيت يستثمر في الغاز الطبيعي

"صائد الفرص" يقتنص صفقة جديدة ب 10 مليارات دولار تمكّنه من التحكّم في 18% من نقل الغاز أميركيًا

أعلنت شركة “بيركشاير هاثاوي” Hathaway Berkshire -المملوكة للملياردير الأميركي الشهير، وارن بافيت، المعروف في الأوساط الاقتصادية باسم “صائد الفرص”- أنّها اشترت أصول شركة “دومينيون إنرجي” Dominion Energy للغاز الطبيعي، في صفقة قيمتها 10 مليارات دولار. وهو ما يعدّ أوّل استثمار لبيركشاير، منذ تفشّي جائحة “كوفيد-19″، وانهيار أسواق الأسهم.

وكانت أسعار الغاز قد انهارت، في الشهور الأخيرة، في الولايات المتّحدة، لدرجة أنّه بيع بالسالب في بعض الأسواق، ونتج عن ذلك إفلاس العديد من الشركات، كان آخرها واحدة من أكبر الشركات في هذا المجال، وهي شركة تشيسابيك.  كما انهارت أسعار الغاز عالميًا لدرجة أن أسعار الغاز المسال في الهند والصين وتركيا كانت أقلّ من أسعار الغاز المنقول بالأنابيب.  فهل هذا هو السبب الذي شجّع بافيت على الاستثمار بالغاز؟ فانخفاض الأسعار وإفلاس الشركات يعني أن الأصول رخيصة جدًّا، من جهة، وأن الإنتاج انخفض لدرجة أن الأسعار ستبدأ بالارتفاع، وهذا الارتفاع بالأسعار سيرفع قيمة هذه الأصول، من جهة أخرى. أضف إلى ذلك أن انهيار أسواق النفط خفض إنتاج النفط، ومن ثمّ خفض إنتاج الغاز المصاحب. ونتج عن هذه الأمور انخفاض كبير في إنتاج الغاز، الأمر الذي سيرفع أسعاره في المستقبل.

إلّا أن اللافت للنظر، أن ما قام به بافيت يخالف ما ذُكر أعلاه: رغم المنطق أعلاه، إلّا ان شركة دومينيون هي شركة خدمات غاز، أكثر منها شركة منتجة، فماذا يعني هذا؟ ماقام بشرائه هو أنابيب وخزّانات وقنوات توزيع للغاز.  فهل هي أصول مكمّلة لشركة أوكسي المنتجة للنفط والغاز والغاز المسال، التي قام بشراء جزء كبير منها منذ شهور، عندما قامت شركة أوكسي بشراء شركة أناداركو؟ أم لأنّها شركة خدمات، فتحقّق تدفّقات نفديّة مستمرّة؟ أم لكلا السببين؟

هل قام بشراء هذه الشركة لأنّه يعتقد أن المستقبل للغاز، وأن استهلاك الغاز سيزيد في المستقبل، خاصّة في الولايات التي تخدمها دمينيون، مثل كارولينا الشمالية والجنوبية وفرجينيا؟ أم أن له اعتقادات سياسية فيمن سيفوز في الانتخابات في شهر نوفمبر القادم، ومن سيفوز سيدعم الغاز؟ علينا أن لانستعرب ذلك لأنّه أشار على الرئيس أوباما بوقف بناء أنبوب “كي ستون”، الذي يحمل النفط الكندي، وبعد إيقافه، تبيّن أن الشركة المستفيدة هي شركة القطارات التي اشترى جزءًا كبيرًا منها، قبل صدور قرار أوباما، وأصبحت قطارات الشركة أكبر ناقل للنفط الكندي إلى الولايات المتّحدة، وحقّقت من ذلك أرباحًا طائلة، في السنوات الماضية.

وأشارت المجموعة العملاقة إلى إنفاق 4 مليارات دولار لشراء أصول نقل وتخزين الغاز الطبيعي لشركة “دومينيون إنرجي”، بما في ذلك الدين الافتراضي، ليبلغ إجمالي الصفقة حوالي 10 مليارات دولار، بحسب شبكة “سي إن بي سي” الإخبارية الأميركية.

فيما كانت وكالة “بلومبرغ” أكثر دقّة، قائلةً، إن قيمة الصفقة تبلغ 9.7 مليار دولار، وإن دومينيون ستستخدم 3 مليارات دولار من العائدات لإعادة شراء الأسهم. كما ستكتسب مجموعة وارين بافيت 25 بالمئة من شركة “كوف بوينت إل إن جي” Cove Point LNG  للغاز المسال، وهي شركة لتصدير الغاز المسال في ولاية ماريلاند، ستسثمر دومينيون في امتلاك نصفها.

وأوضحت بلومبرغ  أن الأصول تشمل أكثر من 7.7 ألف ميل (نحو 12.4 ألف كيلومتر) من خطوط نقل الغاز الطبيعي، بما يعادل طاقة نقل يومية بقرابة 20.8 مليار قدم مكعّبة.  وتشمل الأصول أيضًا محطّات تحويل روث الحيوانات في المزارع الكبيرة إلى غاز حيوي، والذي تجري معالجته وتوزيعه على البيوت والمصانع.  وسيستفيد بافيت من هذه العمليات، لأنّها تحظى بمساعدات وإعانات حكومية.

وبالنسبة لشركة “بيركشاير هاثاوي”، فإن هذه الخطوة تزيد -بشكل كبير- من وجودها في مجال الغاز الطبيعي. ومع تنفيذ عملية الشراء، ستحمل شركة “بيركشاير هاثاوي إنرجي” 18 بالمئة من جميع عمليات نقل الغاز الطبيعي بين الولايات الأميركية، مقارنةً بنسبة 8 بالمئة فقط حاليًا، بحسب شبكة “سي إن بي سي” الأميركية.

وفي اجتماع المساهمين السنوي، الذي عقده في مايو /أيّار الماضي، كشف بافيت أن “بيركشاير هاثاوي” تمكّنت من اكتناز ثروة نقديّة قياسيّة بقيمة 137 مليار دولار مع هبوط السوق الماليّة، وأنّه لم يرَ العديد من الصفقات المواتية، على الرغم من التراجع الشديد في سوق الأسهم.

وأوضح بافيت في حديثه: “لم نفعل أيّ شيء، لأنّنا لا نرى أيّ شيء جذّابًا للقيام به”، مشيرًا إلى أن الإجراءات السريعة التي اتّخذها مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)، هذا العام، تعني أن الشركات يمكنها الحصول على تمويل في الأسواق العامّة، أكثر من تلك التي استطاعت ذلك خلال الأزمة الماليّة، في 2008 و2009.

وبالنسبة إلى دومينيون، فإن الخطوة هي واحدة من سلسلة تتّخذها للانتقال إلى شركة مرافق خاضعة للرقابة الماليّة، تركّز -بشكل خاصّ- على إنتاج الطاقة النظيفة من الرياح والطاقة الشمسية والغاز الطبيعي. وبعد الصفقة، تتوقّع دومينيون أن 90 بالمئة من أرباحها التشغيلية المستقبلية، ستأتي من شركات المرافق التي توفّر الطاقة لأكثر من 7 ملايين عميل في ولايات، مثل فيرجينيا ونورث وساوث كارولينا وأوهايو ويوتاه.

وأعلنت دومينيون -بالتزامن- أنّها بصدد إلغاء مشروع خطّ أنابيب ساحل المحيط الأطلسي Atlantic Coast Pipeline project، مع شركة “دوك إنرجي” Duke Energy. علمًا أن المشروع الذي تبلغ قيمته 8 مليارات دولار، واجه تدقيقًا تنظيميًا متزايدًا، وتأخيرات أدّت إلى تضخّم التكاليف المتوقّعة، وأثارت الشكوك حول جدواه الاقتصادية.

ونتيجة البيع وتبعاته، حذّرت دومينيون من أنّها تتوقّع الآن أن تبلغ أرباحها التشغيلية لعام 2020 ما بين 3.37 و3.63 دولارًا للسهم، مقابل توقّعات سابقة عند 4.25 إلى 4.60 دولارًا للسهم. وتخطّط الشركة أيضًا لخفض توزيعات أرباحها في الربع الرابع إلى 63 سنتًا للسهم، من توزيعات بلغت 94 سنتًا للسهم، في كلّ من الربعين الأوّلين من العام، وتتوقّع دفعه للربع الثالث.

وفي الوقت الحالي، توازي مدفوعات دومينيون نحو 85 بالمئة من أرباحها التشغيلية، ولكن بعد الصفقة، تستهدف الشركة دفع أرباح تشغيلية بنسبة 65 بالمئة، قائلة، إن النسبة الأخيرة تعادل -بشكل أكبر- ما تقوم به الشركات النظيرة.

وبموجب شروط الصفقة، ستحصل شركة “بيركشاير هاثاوي إنرجي” Berkshire Hathaway Energy على 100 بالمئة من شركة “دومنيون إنرجي ترانسميشين” Dominion Energy Transmission و”خطّ أنابيب كويستر” Questar Pipeline و”كارولينا غاز ترانسميشين” Carolina Gas Transmission، إضافة إلى 50 بالمئة من نظام نقل الغاز “إيروكويس” Iroquois. كما ستستحوذ بيركشاير على 25 بالمئة من “كوف بوينت إل إن جي”، وهي منشأة تصدير واستيراد وتخزين للغاز الطبيعي المسال، وهي واحدة من ستّ محطّات تصدير للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتّحدة.

وستدفع بيركشاير إنرجي 4 مليارات دولار نقدًا للأصول، وتتحمّل 5.7 مليار دولار من الديون. فيما تخطّط دومينيون لاستخدام قرابة 3 مليارات دولار من عائدات ما بعد الضرائب، لإعادة شراء أسهمها، في وقت لاحق من هذا العام. وتخضع الصفقة لموافقة الجهات الرقابية، ومن المتوقّع أن تُغلق في الربع الرابع من العام الجاري.

ويُذكر أن تقرير بلومبرغ السنوي لأثرياء العالم، الصادر مطلع الشهر الجاري، ذكر أن بافيت، حلّ في المركز السادس، بثروة ناهزت 70.5 مليار دولار، بنهاية شهر يونيو /حزيران 2020، لكنّه يعدّ الخاسر الأكبر بين الأغنياء العشرة الكبار، مع تراجع ثروته بقيمة 18.8 مليار دولار.

لكن في ذات الوقت، فإن بافيت يعدّ واحدًا من أنجح المستثمرين في العالم. ويشير أغلب المراجع والمحلّلين والمراقبين إلى أن أحد أبرز مهاراته هي القدرة على اتّخاذ القرارات الصحيحة في الوقت المناسب، واقتناص الفرص التي لا يراها كثيرون سواه، إلّا متأخّرًا.. بل إنّه حقّق معظم ثروته وسمعته من الاستثمار في المجالات التي لا تحظى عادةً بشعبيّة بين المستثمرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى