رئيسيةسلايدر الرئيسيةعاجلمتجددةمقالات

مانويل كون يكتب لـ”الطاقة”: الهيدروجين الأخضر.. البيئة لا تكترث بانخفاض أسعار النفط

مانويل كون*

يُعدّ الهيدروجين الوقود الأساس للنجوم في الفضاء، كما أنّه من أكثر العناصر الكيميائية وفرةً في الكون. إنّ هذا العنصر المهمّ يمكنه أن يصبح حاملًا للطاقة الخالية من أيّة انبعاثات، خاصّةً وأنّ الهيدروجين له استخدامات لا حصر لها في القطاع الصناعي. فالهيدروجين يُستخدم عنصرًا كيميائيًا رئيسًا في إنتاج غاز الأمونيا “النشادر”، وغيره من الأسمدة المخصّبة للتربة، مثل اليوريا، كما يُستخدم الهيدروجين في إنتاج الميثانول والعديد من البوليمرات والراتنجات. في الوقت نفسه، تعتمد العديد من الصناعات الأخرى على الهيدروجين، وتستخدمه بوفرة، مثل مصافي النفط والصناعات المعدنية وصناعة أشباه الموصلات والزجاج والأغذية والمشروبات، وغيرها. يُستخدم الهيدروجين أيضاً وقودًا، حيث يمتلك القدرة على اجراء التحييد الكربوني للصناعات التي تنبعث منها غازات الاحتباس الحراري، مثل قطاع النقل، خاصّةً الشحن البحري والطيران ، نظرًا لأنّ التكنولوجيات الصديقة للبيئة -مثل البطّاريات- لا تلائم هذه القطاعات.

إنّ كلّ كمّيات الهيدروجين المنتجة حاليًا تتمّ من خلال التحوّل الكيميائي للمركبات الهيدروكربونية، وأهمّها الغاز الطبيعي، كما يُنتج ما نُطلق عليه “الهيدروجين الرمادي” انبعاثات عالية من غازات الاحتباس الحراري. إلّا أنّ التوصّل إلى تكنولوجيا جديدة يجري من خلالها المزج بين مزايا التكاليف الإنتاجية المنخفضة للكهرباء الصديقة للبيئة، والتقدّم الكبير في مجال تكنولوجيا التحليل الكهربائي -التي تقوم بتحليل جزيء الماء إلى أكسجين وهيدروجين- كان له أكبر الأثر في تغيير قواعد صناعة الطاقة إلى الأبد.

ومع انتشار جائحة كورونا “كوفيد-19″، واجه الاقتصاد العالمي -أو سيواجه- واحدة من كبرى الأزمات في تاريخه. لقد شهدت أسعار النفط والغاز الطبيعي، منذ بداية العام، تراجعًا حادًّا على خلفية تذبذب أسواق الهيدروكربون العالمية لفترة طويلة، والجهود المضنية من كبار المنتجين لزيادة الأسعار، ممّا أدّى لنشوء صراع عالمي حول من يتحكّم في هذه الأسواق. ولهذا، فإنّ الأزمة الاقتصادية العالمية الناتجة عن هذا الوباء العالمي، والأزمات المتفاقمة التي تواجهها أسواق الهيدروكربون، ستواصل ضغوطها وتأثيرها على أسعار النفط والغاز، على مستوى العالم.

وتفترض النظريات الاقتصادية أنّ الانخفاض الحادّ في أسعار منتجات الهيدروكربون على مستوى العالم، سيزيد الطلب عليها ويُحسّن من مزاياها التنافسية في مواجهة مصادر الطاقة الصديقة للبيئة. ولكن، ما الذي يعنيه ذلك للهيدروجين الأخضر؟

سأذكر فيما بعد ثلاث نقاط رئيسة، للإجابة على سؤالين متناقضين في نفس الوقت: لماذا تمثّل أسعار النفط المنخفضة تحدّيًا أمام عملية تحوّل قطاع الطاقة؟ ولماذا لا يمكننا تحمُّل آثار التباطؤ في تحوّل قطاع الطاقة لفترة أطول من ذلك؟

  1. المناخ العالمي لا يكترث بانخفاض أسعار النفط

إنّ تفادي الآثار المدمّرة للتغيّر المناخي، أصبح من أكثر الأمور إلحاحًا على المستوى العالمي. ولذلك، فإنّ الاعتماد على مصادر الطاقة المتجدّدة والهيدروجين الأخضر أصبح يمثّل فرصتنا الوحيدة لتغيير نظم الطاقة التقليدية للأبد، بما في ذلك الصناعات التي لا يمكنها الاعتماد بسهولة على الكهرباء كمصدر رئيس للطاقة. يجب أيضًا أن تتواصل الاستثمارات في هذا المجال، على الرغم من التحدّيات الاقتصادية المختلفة، بل يجب أن تتزايد هذه الاستثمارات بصورة كبيرة، من أجل تحقيق الأهداف التي وضعناها لأنفسنا، من أجل الحدّ من الاحتباس الحراري عالميًا.

إنّ انخفاض أسعار النفط والغاز الطبيعي عالميًا، لا يعني أنّنا نستهلك منتجات الهيدروكربون بصورة أقلّ، ولكنّه يعني ببساطة أنّنا ندفع ثمنًا أقلّ لما نستهلكه من هذه المنتجات حاليًا. ونظرًا لجائحة كورونا “كوفيد-19” العالمية، فإنّنا نشهد ما نطلق عليه “صدمة في الطلب”، أدّت لانخفاض استهلاك منتجات الهيدروكربون، على الرغم من انخفاض أسعارها. فإذا كنّا متفائلين بتخطّي أزمة كورونا، والعودة لممارسة حياتنا الطبيعية، كما كنّا من قبل، فيجب ألّا يقلّ أيضٍا اهتمامنا بقضية التحييد الكربوني على المستوى العالمي.

ويعني انخفاض أسعار النفط والغاز الطبيعي لفترة طويلة، أنّ الأسعار السوقية لمشتقّات الوقود الأخضر والهيدروجين الأخضر، لابدّ أن تكون -بل وتظلّ- منخفضة، حتّى نتمكّن من تقليل الطلب السوقي على بدائل الوقود الهيدروكربونية الأخرى غير الصديقة للبيئة. وقد يستغرق الأمر وقتًا أطول حتّى تبدأ آليّات السوق في العمل لصالح الوقود الأخضر، وستكون هناك حاجة لمزيد من التشريعات الساعية لتنظيم سوق الطاقة الخضراء، بالإضافة لضرورة تضافر جهود القطاعين العامّ والخاصّ لإطلاق هذه الصناعة المهمّة على نطاق واسع.

  1. المستثمرون يهتمّون بالمناخ العالمي

قام الصندوق التقاعدي الحكومي النرويجي -الذي يُعدّ أكبر صناديق الاستثمار السيادية في العالم، ويعتمد على عائدات النرويج النفطية- بتصفية استثماراته في مجال الوقود الأحفوري. وقد قامت أيضًا العديد من صناديق التقاعد والمستثمرين الناشطين والمؤسّسات الاستثمارية بالتخلّي عن ضخّ استثمارات في الوقود الأحفوري الهيدروكربوني، أو الاستثمار في شركات تفتقر لإستراتيجية واضحة للحوكمة، أو الإستراتيجيات البيئية والاجتماعية. فالمستثمرون يرغبون في اتّخاذ خطوات جادّة نحو حماية البيئة.

لقد ألحّت مبادرة “أجندة المستثمرين”، والتي تُعدّ مبادرة تعاونية، أُطلِقت عام 2018 لتعجيل الانتقال إلى اقتصاد عالمي ذي انبعاثات كربونية منخفضة، على الحكومات في جميع أنحاء العالم، بضرورة اتّخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع تحدّيات التغيّر المناخي، وتحقيق أهداف قمّة باريس العالمية للمناخ، بتقليل متوسّط ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية، بحيث لا يتخطّى 1.5 درجة مئوية. وفي سبتمبر 2019 وخلال قمّة العشرين، توجّه 515 مستثمرًا مؤسّسيًا يديرون أصولًا بقيمة إجمالية تصل إلى 35 تريليون دولار، برسالة إلى الحكومات المشارِكة في القمّة، تبيّن ضرورة اتّخاذ خطوات جادّة للتعامل مع قضايا المناخ العالمي.

إنّ الشركات والمؤسّسات في جميع أنحاء العالم، تتّجه -بصورة متزايدة- لتقليل الانبعاثات الكربونية لعملياتها التشغيلية ومحافظها الاستثمارية، بصفتها جزءًا رئيسًا من إستراتيجياتها، وهو ما يؤكّد ضغوط المستثمرين بضرورة وجود قواعد وإستراتيجيات واضحة للبيئة والحوكمة وخدمة المجتمع. وكلّما زاد عدد المؤسّسات التي تقوم بذلك، تزايدت المخاطر التي تعاني منها المؤسّسات التي لا تقوم بمثل هذه الإجراءات، بحيث تصبح في النهاية مؤسّسات ذات “أصول مقيّدة بانبعاثات الكربون”.

  1. المزايا أكثر من النفقات

في أوائل مايو 2020، دعا الأعضاء السبع المؤسّسون لمبادرة “أجندة المستثمرين” كلًّا من المستثمرين والمشرّعين ومتّخذي القرار، لتنسيق جهود التعافي من الآثار الاقتصادية لفيروس كوفيد-19، من خلال اقتراح سياسات حديثة للتخلّص من الانبعاثات الكربونية تمامًا بحلول عام 2050. وقد أضاف المستثمرون السبعة أنّ الحوافز الاقتصادية يجب أن تُركّز على دعم الصناعات والبُنية التحتية الصديقة للبيئة، وتفادي الدورة الكربونية المغلقة ذات الضرر البالغ على البيئة، نتيجة حرق الوقود الأحفوري.

وفي أوائل يونيو / تمّوز الحالي، دعا كلاوس شواب -مؤسّس ورئيس المنتدى الاقتصادي العالمي- لضرورة “الإصلاح الشامل” للرأسمالية العالمية، وتوسيع دائرة الحوار، بحيث لا تقتصر فقط على التعافي من آثار كوفيد-19، بل يجب ضمّ موضوعات أخرى للحوار، مثل ضرورة تقليل الفروق بين الدول، وخلق وظائف جديدة في الاقتصاد العالمي الجديد.

ويمكن للسياسات الحكومية تشجيع الاستثمارات الخاصّة في مجال الطاقة النظيفة والصناعات الصديقة للبيئة والبُنية التحتية المستدامة، التي ستؤدّي بدورها لخلق المزيد من الوظائف، وتحقيق النموّ الاقتصادي بشكل عامّ. وبالإضافة لكونها طاقة صديقة للبيئة، ستضيف الطاقة الخضراء المزيد من المرونة للبُنية التحتية لقطاعات الطاقة المحلّية والاقتصاديات العالمية، من خلال زيادة مكوّنات مزيج الطاقة، وتقليل الاعتماد على بديل واحد فقط، مع تفادي تذبذب أسعار منتجات الهيدروكربون. من ناحية أخرى، سيتغيّر تعريف المناطق الجغرافيّة الغنيّة بموارد الطاقة من “منطقة غنيّة باحتياطيات الوقود الأحفوري” إلى “منطقة غنيّة بموارد الطاقة الخضراء”، وذلك بمجرّد إيجاد بدائل منخفضة التكلفة، لنقل الطاقة الخضراء عبر مسافات طويلة.

ومثلما نقول دائمًا، يتمثّل التحدّي الرئيس في معرفة من أين نبدأ:

من وجهة نظري، يمكننا البدء من إزالة المخاطر التي تواجه المشروعات الأوّلية الضرورية لتطوير التكنولوجيا، مع زيادة القدرات الإنتاجية لهذه المشروعات.

  • إنّ سلاسل القيمة لما نُطلق عليها تكنولوجيات التحويل الكهربائي وتخزين الطاقة Power-to-X، مازالت طويلة ومعقّدة، حيث تضمّ بدائل توليد الطاقة المتجدّدة والمياه ودمج الطاقة مع الشبكات وتكنولوجيا العمليات الكهروميكانيكية والكيميائية، وصولاً للوجستيات توزيع الطاقة. واليوم، من الصعب للغاية العثور على كيان أو مؤسّسة تتقن كلّ هذه العمليات معًا. إنّ خبراء قطاع الطاقة الذين يمتلكون كلّ الخبرات والإمكانات، يجب أنّ يتعاونوا فيما بينهم، ويدمجوا خبراتهم ومواطن قوّتهم، من أجل الوصول لطرق جديدة لحلّ التحدّيات القديمة والحاليّة.
  • نحن في حاجة لخلق أسواق جديدة، تمثّل مراكز انطلاق لطاقة الهيدروجين الأخضر ومشتقّات الهيدروجين. ويعني ذلك وجود طلب مضمون ومستويات سعرية يسري الالتزام بها في تلك الأسواق، وهو ما يتيح تحقيق المشروع لأهدافه الماليّة. إنّ مهمّة متّخذي القرار لا تقتصر فقط على الدعم، ولكن التشجيع على خلق تلك المنظومة.

ومن خلال المبادرة الأوروبّية لصفقات الطاقة الخضراء European Green Deal والإستراتيجيات الوطنية للهيدروجين National Hydrogen Strategies، التي وقّعت عليهما العديد من الدول، مثل هولندا وأستراليا واليابان وألمانيا -والعديد من الدول الأخرى  في طريقها للتوقيع-، فقد تمّ إنجاز العديد من الأعمال الأساسية على أرض الواقع. ولكن مازالت هذه الإستراتيجيات والإرشادات في حاجة لأن تتحوّل إلى سياسات ومشروعات قابلة للتطبيق والتنفيذ.

لقد شهدت الشهور الأخيرة العديد من التغيّرات العميقة في الحياة الشخصية والعملية، لمليارات البشر حول العالم، وهو ما لم يخطر على بال معظم الناس. وها نحن نشهد المزيد من التغيّرات. هل هي ممتعة؟ لا. هل تنجح؟ نعم.

ماذا لو استخدمنا هذه الخبرات في القيام بما نؤمن جميعًا بأنّه الأمر الصحيح، ولكنّنا لم نحشد إمكاناتنا من قبل للقيام به؟ لماذا لا نغيّر سياسات الدعم، بحيث نستبعد الوقود الأحفوري منها -على الرغم من أنّه مازال موجودًا-، ونقبل سعرًا أعلى للوقود الأخضر النظيف، مع تقليل الإطار الزمني للانتقال لحدّ أدنى من الوقود الأحفوري، ووضع عقوبات حقيقية على ثاني أكسيد الكربون، وغيرها من الإجراءات الأخرى؟

إنّنا جميعًا نعرف الأشياء الصحيحة، ولكن حان الوقت لتحقيقها، لأن الوقت ينفد!

* النائب الأوّل للرئيس لقطاع الإستراتيجيات وتطوير الأعمال بمنطقة الشرق الأوسط في سيمنس للطاقة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى