المقالاترئيسيةسلايدر الرئيسيةنفط

مقال – أنس الحجي يكتب لـ”الطاقة”: متى ينضب النفط السعودي؟

مصلحة السعودية والأجيال القادمة مرهونة بضمان استمرار الطلب على النفط وليس باحتياطياته

خاص-الطاقة

أنس بن فيصل الحجي*

متى ينضب النفط السعودي؟ مالعمر المتبقي للنفط السعودي؟ أسئلة خاطئة لامعنى لها، والإجابة عليها دليل عدم فهم للموضوع. لكن هذه وغيرها من الأسئلة شائعة جدا، وسبب شيوعها ليس الجهل، وإنما الخوف مما يخفيه المستقبل. أغلب الناس الذين يسألون هذه الأسئلة يريدون أن يعرفوا ما ستؤول إليه البلد بدون نفط، سواء كان النضوب جيولوجيا (انتهاء النفط في باطن الأرض) أو اقتصاديا (تحول المستهلكين إلى مصادر طاقة أخرى).

في البداية.. لنضع النقاط على الحروف

أولاً، أي حديث عن “عمر النفط” لأي دولة نفطية حديث باطل لا معنى له. ولكن يستخدم، ضمن معايير أخرى، في مشاريع تطوير الآبار، خاصة البحرية منها. إذن علينا أن نفرق بين احتياطيات الدول، واحتياطيات آبار معينة، ضمن حقول محددة. حديثنا هنا عن احتياطيات الدول بشكل عام والسعودية بشكل خاص.

ثانيا، أي حديث عن “النضوب” باطل لأن الخبراء يتحدثون عن “ذروة الإنتاج” والتي ينخفض الإنتاج بعدها، وبالتالي فإن السؤال الصحيح، متى يبلغ الإنتاج ذروته؟

ثالثا، الحديث عن ذروة الإنتاج ذو شجون، بسبب كثرة العوامل التي تؤثر في ذلك، وقد يكون هناك عدة ذروات تحكمها عوامل اقتصادية وسياسية وبيئية وقانونية واستراتيجية.

رابعاً، مشكلة الدول النفطية، بما فيها السعودية، ليس نضوب النفط أو بلوغ الإنتاج ذروته، مشكلتها هي الاعتماد الكبير على مصدر واحد للدخل، تتقلب أسعاره وإيراداته بشكل كبير، ولأسباب عدة، مما يعرّض أمنها الاقتصادي والقومي للخطر. إذن المشكلة ليست الاعتماد على مصدر “ناضب” كما يقول البعض، المشكلة هي الاعتماد على مصدر تتقلب أسعاره بشكل كبير. لهذا فإن تأكيد رؤية 2030 على تخفيف الاعتماد على إيرادات النفط هدفه التخفيف من التقلبات الاقتصادية، وبالتالي تحقيق استقرار أكبر في الاقتصاد السعودي. الفكرة نفسها تنطبق على دول الخليج الأخرى.

ما معنى “عمر النفط” الذي يذكره البعض؟

عندما يذكر أحدهم أن عمر النفط في العالم 50 سنة، فإنه كما سبق، كلام لا معنى له، لأسباب عدة، واحدة منها أن هذا متوسط للعالم ككل. الشخص نفسه يقول إن متوسط عمر النفط في السعودية 70 إلى 80 سنة. إذن كيف سينضب النفط العالمي بعد 50 سنة، وهناك نفط في السعودية سيتسمر بعد ذلك بـ20 أو 30 سنة؟

ولكن كيف تم حساب 50 سنة؟ تم تقسيم الاحتياطيات التي يمكن استخراجها حسب التكنولوجيا الحالية، على كمية الإنتاج الحالية، وافتراض عدم اكتشاف أي كميات جديدة، وعدم تحسن التكنولوجيا، وبقاء الإنتاج، وبالتالي الاستهلاك كما هو. الكل يعرف أن كل هذه الفرضيات الثلاثة غير صحيحة، فالاكتشافات حول العالم مستمرة، والتكنولوجيا والمعرفة تتحسن باستمرار، ويمكن تغيير معدلات الاستهلاك مع ارتفاع الأسعار وتوفير بدائل مختلفة، كما توضح بيانات استهلاك المنتجات النفطية حول العالم.

لهذا فإن “عمر الاحتياطيات” لامعنى له بالنسبة لخبراء النفط، وصانعي القرار، ولا أثر له في الأسواق، ولا في أسعار النفط.  ودليل ذلك هو البيانات: ما معنى أن يكون عمر احتياطيات العالم 50 سنة، كل سنة، خلال 30 سنة الماضية؟ وما معنى أن يكون عمر احتياطيات النفط في السعودية 70 سنة، كل سنة، خلال 20 سنة الماضية؟

هنا لابد من الإشارة إلى أن بعض شركات النفط الوطنية مثل شركة أرامكو أتبعت سياسة استثمارية تقتضي التعويض عما تم إنتاجه خلال السنة، بحيث تبقى الاحتياطيات ثابتة نوعا ما. طبعا بإمكان أرامكو تغيير هذه السياسة عن طريق زيادة الاستثمار وبالتالي زيادة الاحتياطيات، ولكن سواء فعلت أم لا، كل هذه يؤكد أن ثبات الاحتياطيات لايعني بالضورة مشاكل جيولوجية أو فنية في الحقول، وإنما هو نتاج سياسة رسمية للشركة، وكل هذا يؤكد أن “عمر النفط” تعبير لامعنى له.

إلا أن البعض يرى استخداما واحدا له وهو أن التغيرات عبر الزمن تعكس مستويات الاستثمار في الصناعة، حيث ينخفض العمر مع انخفاض الاستثمار في فترات الأسعار المنخفضة، ويرتفع في فترات الأسعار المرتفعة حيث ترتفع معها معدلات الاستثمار.  وهنا نجد أن التركيز على التغير عبر الزمن، وليس على العمر نفسه.

ويوضح الشكل البياني أدناه الفكرة حيث توضح الخطوط الأعمار الافتراضية للنفط العالمي والسعودي والأميركي خلال 20 سنة الماضية، وذلك عن طريق تقسيم الاحتياطي في سنة ما على الإنتاج في السنة نفسها. ففي الولايات المتحدة كان عمر الاحتياطيات النفطية حوالي 10 سنوات في عام 1998. إذا كان لعمر النفط معنى، فمن المفروض أن ينتهي النفط الأميركي بعد عشر سنوات، أي في عام 2008. ولكن بعد عشرين عاما، في عام 2018، نجد أن عمر الاحتياطيات الأميركية حوالي 11 سنة! والمنطق نفسه ينطبق على الاحتياطيات العالمية واحتياطيات السعودية.

وما يؤكد أنه ليس هناك معنى لـ”عمر النفط”، أن قيام السعودية بتخفيض الإنتاج بهدف تحقيق التوازن في أسواق النفط يرفع أعمار الاحتياطيات، وإذا زادته، فإن ذلك يخفض من عمرها. فالارتفاعات التي نراها في الرسم البياني كلها مرتبطة بفترات تخفيض الإنتاج، والانخفاضات مرتبطة بفترات زيادة الإنتاج، خاصة في فترة التعويض عن خسائر النفط في الدول الأخرى بسبب الربيع العربي في عامي 2011 و 2012، وفي فترة حرب الأسعار في عامي 2015 و 2016.

لهذا فإن ما يسمى ”عمر النفط” أو ”عمر الاحتياطيات” في الدول المنتجة، خاصة الكبيرة منها، لا معنى له. وليس أدل على ذلك من الحقيقة التالية: عمر النفط  السعودي حاليًا يساوي عمره في عام 2005.. رغم إنتاج حوالي 57 مليار برميل!

نظرة مستقبلية

الحديث عن نضوب النفط السعودي هو ضرب من الخيال. الحديث في هذا الموضوع شقان، شق يتعلق ببلوغ الإنتاج ذروته، وشق يتعلق ببلوغ الطلب على النفط السعودي ذروته.

قد يبلغ الإنتاج ذورته خلال العقود القادمة لأسباب كثيرة، بعضها اختياري للتقليل من الاعتماد على إيرادات النفط ضمن خطة 2030 أو ما بعدها، وبعضها يتعلق بضعف الاستثمار. إلا أن الأهم من ذلك هو بلوغ الطلب على النفط السعودي ذروته، وهو أمر مستبعد خلال العقود القادمة على الأقل لسببين: الأول أن الطلب العالمي على النفط سيستمر بالنمو خلال العقود الثلاثة القادمة رغم الانتشار الكبير المتوقع للسيارات الكهربائية والتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة في دول العالم الثالث.  والثاني أن وصول الطلب العالمي لذروته لا يعني بالضرورة وصول الطلب على النفط السعودي لذروته. فإذا أخذنا بهذه الفرضية، فإن وصول الطلب إلى ذروته يعني انخفاض كبير في أسعار النفط. هذا الانخفاض الكبير سيُخرج المنتجين مرتفعي التكلفة من السوق، ويبقي منخفضي التكلفة، والتي منها السعودية.

وسبب ذكر “العقود الثلاثة” أعلاه هو أن كل التوقعات ومحاولات استشراف المستقبل من وكالة الطاقة الدولية وأوبك وغيرها تتوقف عند 2050، وليس بالضرورة أن نمو الطلب على النفط سيتوقف وقتها.

بغض النظر، فإن مشاريع استخدام النفط في مصانع البتروكيماويات، وفي مشاريع تحويل النفط إلى مواد، هو بوليصة تأمين ضد أي احتمال لانخفاض الطلب على النفط في المستقبل. فمن هنا نجد أن السياسة النفطية تتطلب مرونة كبيرة في الإنتاج على المديين القصير المتوسط لضمان استمرار الطلب على النفط، وتتطلب صناعات جديدة تضمن تحويل النفط إلى موارد أخرى، على المدى الطويل.

خلاصة الأمر أن عصر النفط لن ينتهي بنضوب الاحتياطيات، وإنما بقرارات الدول المنتجة التخفيض من الاعتماد على إيراداته، أو بالاستغناء عنه لمصلحة مصادر الطاقة الأخرى. ومن الواضح أن مصلحة السعودية والأجيال القادمة مرهونة بضمان استمرار الطلب على النفط، سواء في قطاع المواصلات أو غيره. وهذا يتطلب سياسة إنتاجية مرنة قوامها وجود طاقة إنتاجية فائضة تستخدم عند الحاجة لمنع أسعار النفط من الارتفاع بشكل كبير. وكما ذكرت في مقالات سابقة، العبرة ليست في عمر الاحتياطيات، وإنما في عمر الطلب عليها! ما فائدة الحفاظ على النفط للأجيال القادمة إذا لم يكن هناك طلب عليه؟.

*خبير نفط دولي – المقال خاص لـ”الطاقة”

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى