المقالاترئيسيةسلايدر الرئيسية

مقال- د.أنـس الحـجـي يكتب لـ”الطاقة” عن أسباب رفض المكسيك تخفيض إنتاج النفط

نقاط داخلية وخارجية وراء قرار عدم التخفيض

د. أنس بن فيصل الحـجـي*

بعد اتفاق دول أوبك+ على تخفيض الإنتاج بمقدار 10 ملايين برميل يوميا، رفضت المكسيك تخفيض الإنتاج بمقدار 400 ألف برميل يوميا، وذلك تماشيا مع نسبة تخفيض 22 دولة أخرى، ولكنها مجاملة منها قررت تخفيض الإنتاج بمقدار 100 ألف برميل يومياً.

ونظرا لتعنت المكسيك، فلم يتم اعتماد القرار النهائي للاجتماع حتى الآن، كما قامت شركة أرامكو السعودية بتأخير الإعلان عن الأسعار الرسمية للنفط الخام للمرة الثالثة حتى غدا الأحد، أملا في الحصول على رد إيجابي من المكسيك.

كان الرئيس المكسيكي، أندريه مانويل لوبيز اوبرادور، قد دافع عن موقف المكسيك أول أمس، بقوله إن قرار التخفيض بمقدار 100 ألف برميل يوميا تم بالتنسيق مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وأن ترمب أخبره بأن الولايات المتحدة ستقوم بتخفيض 250 ألف برميل يوميا نيايبة عن المكسيك، وأكد الرئيس ترمب تصريحات الرئيس المكسيكي.

المشكلة أن الولايات المتحدة لم تحضر اجتماع أوبك+ يوم الخميس، ولم تلتزم بأي تخفيض، وليس لدى ترمب أو الحكومة الفدرالية أي قوة قانونية تجبر المنتجين الأميركيين على تخفيض الإنتاج. إضافة، أي مشاركة أميركية في تخفيض الإنتاج ستكون عن طريق حساب الإغلاق القسري للآبار بسبب انخفاض الأسعار. لهذا جاء رد دول أوبك+ واضحا: “يجب المشاركة من الجميع، بدون أي استثناء”.

يحتج الكثيرون على موقف روسيا والسعودية من المكسيك بحجة أن 300 ألف برميل يوميا كمية صغيرة جدا، مقابل التخفيض الكلي البالغ 10 ملايين برميل يوميا.

من يحتج هنا يتجاهل أمرين: الأول أن مبدأ الاتفاق مهم، وأهم من الكميات، وهو التزام الجميع. ماذا سيحدث لو أحد أفرد طاقم الطائرة أو السفينة لم يلتزم بالتعليمات؟ ماذا سيحدث لو لم يلتزم جندي بأوامر قائده أثناء المعركة، وهو واحد من 23؟  والثاني أن هناك دول كثيرة مشاركة بكميات أبسط من الحصة المقررة للمكسيك. يمكنها أن لا تلتزم بحجة صغر الكمية أيضًا، وبالتالي يبقى عبء التخفيض على دول الخليج وروسيا فقط.

مشكلة المكسيك: البنزين

سبب تعنت المكسيك ورفضها تخفيض الإنتاج بـ300 ألف برميل إضافية غير معروف، إلا أن اهتمام ترمب بالموضوع مثير للانتباه. ومن الواضح أن تحوّط الحكومة المكسيكية ضد انخفاض إيرادات النفط الحكومية ليس سببا. (شرح مبسط: قامت الحكومة المكسكية بشراء بوليصة تأمين ضد انخفاض أسعار النفط بمبلغ مليار دولار تقريبا. وهذا التأمين يضمن لها ان تحصل على الفروقات بين سعر 49 دولارا للبرميل وأي سعر في السوق أقل منه). ولكن قد يكون البنزين هو السبب!

تعاني المكسيك من شح في إمدادات البنزين، وزادت وارداتها من الولايات المتحدة بشكل كبير بنسبة 77% بين 2013 و 2019.  وسبب شح البنزين هو المشاكل الفنية في المصافي التي عفى عنها الزمن من جهة، وسرقة البنزين من الأنابيب من قبل عصابات قوية ومشهور قريبة في قوتها من عصابات تهريب المخدرات.

ونظرا لانخفاض الطلب العالمي على النفط، انخفض الطلب على صادرات النفط المكسيكية التي بلغت 1.2 مليون برميل يوميا، قبل ظهور آثار أزمة فيروس كورونا. فقرر الرئيس المكسيكي منذ أكثر من أسبوع تحويل 400 ألف برميل يوميا من صادرات النفط الخام إلى المصافي المكسيكية لزيادة إنتاج البنزين. وبذلك يضرب عصفورين بحجر: القضاء على أزمة شح البنزين، وزيادة إيرادات الحكومة بسبب الضرائب العالية على البنزين.

ففي الوقت الحالي بلغت الضرائب على البنزين أعلى من سعره. لهذا فإن أي تخفيض للانتاج سيأتي إما على حساب ما تبقى من صادرات النفط الخام، أو يأتي على حساب البنزين والواردات من ضرائب البنزين، إضافة إلى تشغيل المصافي المكسيكية!

أما عن توارد أخبار نقص مبيعات الينزين حوفا من كورونا، فقد يكون صحيحا جزئيا، إلا أن السبب الأكبر هو أن الانخفاض الكبير في أسعار النفط جعل الفروقات بين أسعار البنزين في المناطق الحدودية بين الولايات المتحدة والمكسيك كبيرا ومغريا، فلجأ الناس إلى شراء البنزين الأميركي من المحطات في الطرف المقابل، كما لجأ آخرون للتجارة به داخل المكسيك.

وما يفسر تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الخط، هو رغبته في التوصل إلى اتفاق عالمي لتخفيض الإنتاج ورفع أسعار النفط لإنقاذ ما يمكن انقاذه من صناعة النفط الصخري الأميركية، وعدم تخفيض المكسيك لصادراتها النفطية للمصافي الأميركية، وربما الحاجة لملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي.

فالنفط المكسيكي من كثافة وصفات معينة ترغبها المصافي الأميركية، ومهم جدًا لإنتاج الديزل وزيت الوقود، والمنتجات الأثقل. ويأتي ذلك في وقت تنخفيض فيه مخزونات هذه المواد في الولايات المتحدة، مع تزايد كبير في مخزونات النفط الخام والمنتجات النفطية الخفيفة، مثل البنزين. والديزل مادة مهمة جدا للانتعاش الاقتصادي بعد انتهاء أزمة كورونا، حيث أن شريان الاقتصاد الأميركي هو النقل بالقطارات والشاحنات، وكلها تحتاج إلى ديزل.

ما سبق يفسر سبب عرض ترمب: تخفيض الإنتاج الأميركي بمقدار 250 ألف برميل يومياً نيابة عن المكسيك! فهذا التخفيض هو تخفيض قسري بسبب انخفاض الأسعار، ولكنه أيضا يعني أن ترمب يبدل نوعية نفط غير مرغوبة ذات تكاليف إنتاج عالية، بنوعية مرغوبة من النفط بتكاليف إنتاج أقل!

أما فيما يتعلق بملء الاحتياطي الاستراتيجي، فقد قرر ترمب ملء الاحتياطي الإستراتيجي إلى أقصاه وهذا يتطلب شراء كمية تقدر بحوالي 75 مليون برميل. إلا أن الكونغرس، والذي يسيطر عليه الحزب الديمقراطي، رفض تمويل هذه العملية، لهذا توقف المشروع. إلا أن هذا الموضوع قد يعود إلى طاولة المفاوضات إذا بقيت أسعار النفط منخفضة.

طبعا الهدف هو مساعدة منتجي الصخري، إلا أن هناك مشكلة فنية لها علاقة بالمكسيك: جزء كبير من النفط المخزن في مغاور الاحتياطي الإستراتيجي جاءت من المكسيك. وبسبب الفرق الكبير بين نوعية النفط الصخري (خفيف حلو)، والنفط المكسيكي (متوسط وحامض)، فلا يمكن خلطهما، وبذلك نستطيع أن نفهم فكرة ترمب الإستراتيجية: تخفيض إنتاج النفط الصخري وشراء النفط المكسيكي للمخزون، الأمر الذي سيسهم في رفع الأسعار، وبالتالي مساعدة منتجي الصخري! هذا يعني أنه لايريد أن تخفض المكسيك إنتاجها من النفط!

هل أعجبك هذا التفكير الإستراتيجي؟ انتظر، ما سمعته للآن هو نصف القصة، وهذا النصف الآخر:

رئبس المكسيك يريد تخفيض اعتماد المكسيك على واردات البنزين من الولايات المتحدة. فقام بتحويل ثلث صادرات النفط الخام إلى المصافي المكسيكية للتخفيض من ورادات البنزين. إذا قرر الكونغرس الأميركي ملئ الاحتياطي الإستراتيجي، فإن ترمب سيطلب من الرئيس المكسيكي إعادة تحويل هذه الكمية إلى الصادرات لملء الاحتياطي الاسترايتجي، الأمر الذي سيضمن سوقا للبنزين الأميركي في المكسيك، وتبقي المكسيك معتمدة على البنزين الأميركي. فشراء 400 ألف برميل يوميا لمدة لملء الاحتياطي الإستراتيجي يحتاج إلى حوالي ستة شهور على فرض أن كل النفط سيأتي من المكسيك. بعد ذلك يتوقع انتهاء أزمة كورونا وعودة الطلب على كل الصادرات المكسيكية، وبذلك تستمر المكسيك في استيراد البنزين الأميركي بكميات متزايدة.

خلاصة الأمر: هناك أسباب مالية وإستراتيجية وراء قرار المكسيك. ويمكن اقناع المكسيك بتخفيض الإنتاج إذا قامت الولايات المتحدة بتصدير البنزين إلى المكسيك بأسعار مدعومة من الحكومة الأميركية، مع الاحتفاظ بحق شراء كميات إضافية للمخزون الاستراتيجي الأميركي.

*خبير في أسواق الطاقة والنفط -المقال خالص لـ”الطاقة”

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى