تقاريررئيسيةسلايدر الرئيسيةنفط

هل يتحمّل الاقتصاد الروسي حقًا أسعار النفط الحالية؟

 

خاص-الطاقة
“من الأفضل أن تبيع نفطًا أقلّ بسعر أعلى”… كانت هذه وجهة نظر واضحة وصريحة أعلن عنها ليونيد فيدون، نائب رئيس لوك أويل، ثاني أكبر شركة منتجة للنفط في روسيا، في تصريحات لرويتز قبل يومين، حين تحدّث عن رأيه في اتجاه تعميق خفض الإنتاج في تحالف “أوبك+”.
وتشير موسكو دائمًا إلى أن شركات النفط الروسية “مستقلة” في قراراتها، وأن دور الحكومة ووزارة الطاقة في هذا الملف “استرشادي”. وإذا أخذنا بهذا الدفع، فإن رأي الشركات يكون مهمًا جدًا في قرار روسيا داخل تحالف “أوبك+”.
لكن بعض المحللين يرون أن ذلك “ستار حكومي” تلجأ إليه موسكو من أجل الهرب من زاوية حصرِها في اتخاذ قرارات سريعة، وأيضا ما يعطيها مساحة للمناورة، مستندين في ذلك إلى ما يثار حول قبضة الحكومة على هذه الشركات… وحتى في هذا الدفع، فإن تصريح فيدون السابق، يعني أن هناك توجّهًا من موسكو لتفضيل بيع نفط أقلّ بسعر أعلى، وهو ما يتّفق مع رغبة أوبك في تعميق خفض الإنتاج برقم كبير كفيل بإعادة التوازن والثقة إلى الأسواق.
وفي كلتا الحالتين، نرى تحوّلاً واضحًا في موقف الشركات الروسية، مقارنةً بما قاله ألكسندر ديوكوف الرئيس التنفيذي لشركة “غازبروم نفط” الروسية، منذ 10 أيام، مصرّحًا: إنه لا تزال هناك حاجة لتقييم تأثير فيروس كورونا على سوق النفط العالمية، وإنه سيكون من الأفضل عدم اتخاذ أوبك+ أي قرار بشأن تغيير محتمل لحصص الإنتاج إلا بعد فترة وجيزة، موضّحًا أن اتخاذ رد فعل سريع حيال عوامل متعددة ربما يفاقم حالة عدم الاستقرار في سوق النفط العالمية.
كما جاءت تصريحات فيدون بعد أقلّ من يومين مما نسبته وكالات أنباء روسية للرئيس فلاديمير بوتين من أن أسعار النفط الحالية مقبولة بالنسبة لموازنتها، وأن روسيا تملك الأدوات للتعامل مع أي آثار سلبية لانتشار فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي.
لكن نظرة أعمق على الاقتصاد الروسي ربما توضّح الصورة بشكل أفضل. فقد فسّر مراقبون حديث بوتين بأنه “رسالة تطمين” موجّهة إلى الداخل، أكثر منها موجهة إلى تحالف “أوبك+”، خاصة في ظل التداعيات التي بدأت في الظهور على الاقتصاد الروسي جراء تفشّي فيرس كورونا، والتي يتوقع أن تزيد خلال الفترة المقبلة.
وفي ذات سياق الطمأنة، قال وزير التنمية الاقتصادية الروسي مكسيم ريشيتنيكوف، يوم الإثنين: إن تداعيات انتشار فيروس كورونا على الاقتصاد الروسي ستكون مؤقتة، وفي المحصّلة سيعود نمو الاقتصاد إلى المستوى الطبيعي. وأضاف: “نواصل العمل لتقييم الوضع الحالي. ستكون عواقب فيروس كورونا أكثر خطورة وأعمق مما توقعنا في نهاية يناير. سنقوم بمراجعة التوقعات، لكنني أؤكد مرة أخرى أن ذلك سيكون على الأغلب بمثابة النقطة لاتخاذ قرارات إضافية في المجال الاقتصادي أكثر من مجال الميزانية، لأن قواعد الميزانية تحمي الميزانية بشكل مضمون للغاية من التقلبات التي نشهدها الآن، بما في ذلك التقلبات التي نراقبها حاليًا بسبب كورونا”.
لكن ريشيتنيكوف عاد وأضاف: “على أي حال، فإن أي تداعيات لانتشار فيروس كورونا ستكون مؤقتة، وأيًا كان الوضع والمزاج المترتب، يجب أن نفهم أننا في النهاية سندخل في الدورة الاقتصادية التي توقعناها”.
وفي وقت سابق، قال الوزير الروسي خلال اجتماع للجنة الميزانية في مجلس النواب الروسي “الدوما”: إن الوزارة ستقوم بتحديث وتدقيق توقعاتها الكلّية بحلول 9 أبريل (نيسان) المقبل. وفقًا للبيانات الأولية الصادرة عن وزارة المالية الشهر الماضي، فإن الميزانية الفيدرالية الروسية أظهرت عجزًا بقيمة 160 مليار روبل روسي (2.43 مليار دولار)، مقابل توقّعات سابقة بفائض يبلغ 200 مليار روبل (3.03 مليار دولار)، وذلك مقارنةً مع فائض في كامل موازنة 2019 بنسبة 1.8 في المئة، مع تدفّق قياسي للمستثمرين الأجانب على سندات الدين العام الروسي، وتدنّي مستوى البطالة منذ مطلع العام الحالي.
ويأتي ذلك في وقت تتوقّع فيه مؤسسات كبرى تداعيات واسعة على الاقتصاد الروسي، على غرار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي توقّعت انخفاض مستوى نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.2 بالمئة فقط في 2020، من مستوى متوقّع سابقًا عند 1.6 بالمئة، تأثّرًا بتداعيات كورونا. وذلك انخفاضًا من نمو بنسبة 1.3 بالمئة في 2019، و2.5 بالمئة في 2018.
وللقياس، يكفي أن ننظر إلى سوق الأسهم الروسية التي هوَت بنسبة 21 بالمئة خلال الأسابيع القليلة الماضية، منها هبوط بنحو 3% عقب الإعلان عن أول إصابة محلية مطلع الأسبوع الجاري. إضافة إلى خسارة الروبل لنحو 5 بالمئة من قيمته مقابل الدولار في ذات الفترة.

ومن المعلوم أن الصين هي الشريك التجاري الأول لروسيا بما يعادل نحو 110 مليار دولار من التبادلات في العام الماضي، كما أنها أحد أكبر مشتري النفط من روسيا، والمشتري الأكبر على مستوى العالم. وفي عام 2019، بلغت الواردات الصينية من النفط الروسي نحو 1.56 مليون برميل يوميًا، ما يعادل 31 بالمئة من صادرات الخام الروسية خارج دول الاتحاد السوفيتي السابق.

كما أن تراجع الطلب العالمي، ربما يدفع روسيا إلى خفض إجباري للإنتاج، لأنه حتى في ظل الأسعار المنخفضة لن يمكنها تصريف كامل إنتاجها.

وإضافة إلى الأثر المباشر من تراجع الطلب الصيني على النفط الروسي، فقد تأثر الاقتصاد الروسي أيضًا بعدّة عوامل كبرى، من بينها التراجع البالغ في حركة السياحة الصينية، وأثر تفشّي المرض على حركة الطيران وخطوط الإمداد والتجارة والصناعة الروسية.

ووسط هذه التداعيات والضغوط، فإن الموازنة الروسية ستعاني –بحسب آراء العديد من الخبراء- حتى إذا كان سعر النفط حول 50 دولارًا متوافقًا مع حساباتها “السابقة”، ما يعني أن مقولة فيدون “من الأفضل أن تبيع نفطًا أقلّ بسعر أعلى”، هي رأس الحكمة في التعامل مع الأزمة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى