مقالات الغازالنشرة الاسبوعيةرئيسيةسلايدر الرئيسيةغاز

الغاز النيجيري بين الجزائر والمغرب.. احذروا ولا تنخدعوا (مقال)

*عبدالرحمن صلاح، مدير تحرير منصة الطاقة

اقرأ في هذا المقال

  • تريد الجزائر والمغرب تدشين خطوط أنابيب لتصدير الغاز النيجيري عبر أراضيها وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية
  • أنبوب الغاز العابر للصحراء قد يكون أقرب المشروعات للتنفيذ، لكنه حتى الآن لم يصل إلى قرار الاستثمار النهائي أو اتفاقيات الشراء
  • يحاول المغرب دفع مشروع أنبوب الغاز الأطلسي إلى الأمام، لكنه حتى الآن يواجه صعوبات بالغة في توفير التمويل وإقناع المستثمرين
  • حتى إذا توفرت عوامل نجاح مشروع المغرب أو الجزائر، فإن التحدي الأكبر هو الغاز النيجيري ذاته ومدى القدرة على مضاعفة الإنتاج
  • العالم يتجه منذ سنوات إلى الغاز المسال، وليس الغاز عبر الأنابيب الذي يحمل مخاطرة كبيرة، سواء على الصعيد الأمني أو الفني المرتبط بأعمال الصيانة واكتشاف الأعطال سريعًا
  • تمتلك نيجيريا خبرات كبيرة في تصدير الغاز المسال، وهو الأكثر جدوى بالنسبة لها مقارنة بمشروعات خطوط الأنابيب

عاد الغاز النيجيري إلى الواجهة مرة أخرى هذه الأيام، ليتصدّر عناوين الأخبار عربيًا وعالميًا بعد إعلان الجزائر بدء تنفيذ المشروع المقترح لخطّ الأنابيب الذي يربطها بكل من نيجريا والنيجر، بهدف التصدير إلى أوروبا.

فعلى مدار السنوات الأخيرة، وتحديدًا منذ عام 2020، كنت أتابع كل الخطط والمشروعات المقترحة لتدشين خطوط أنابيب لنقل وتصدير الغاز من نيجيريا، وانخرطت في مناقشات مع خبراء بهذا المجال، وأجريت مقابلات مع مسؤولين ومعنيّين.

خلال هذه السنوات، تحركت الجزائر بقوة لمحاولة دفع مشروعها إلى الأمام، وفي الجانب الآخر تسعى جارتها المغرب إلى الهدف نفسه، ثم ظهرت ليبيا لتدخل على خط المنافسة، ومن بعدها غينيا الاستوائية هي الأخرى.

كان لدي قناعة بأن الطموح والرغبة في بناء خطوط أنابيب بأطوال ضخمة، وتكلفة استثمارية مليارية، ليس مجرد منافسة على مشروعات اقتصادية، بل معركة نفوذ في المقام الأول، خاصةً مشروع الجزائر (أنبوب الغاز العابر للصحراء) ومشروع المغرب (خط أنابيب الغاز الأطلسي).

فكلٌّ من الجزائر والمغرب يُريد أن يصبح مركزًا إستراتيجيًا لعبور إمدادات الطاقة إلى أوروبا، ليس فقط النفط والغاز، بل الكهرباء والطاقة المتجددة.

وبينما تمتلك الجزائر خطوط أنابيب لنقل النفط والغاز، فإن المغرب لديه شبكة لتصدير الكهرباء إلى أوروبا (إسبانيا والبرتغال حاليًا) إلى جانب مشروعات مقترحة لتصدير الأمونيا.

لماذا الغاز النيجيري؟

تقترب احتياطيات الغاز النيجيري من 6 تريليونات متر مكعب، تضعه في المرتبة الأولى بقارة أفريقيا -متفوقًا على الجزائر- وفي المركز التاسع على مستوى العالم.

وبناءً عليه، تريد الجزائر والمغرب تدشين خطوط أنابيب لتصدير هذه الغاز عبر أراضيها، وتحقيق مكاسب سواء الحصول على نسبة من هذا الغاز أو عائدات مالية، إلى جانب الأهمية الإستراتيجية في أن يصبح هذا البلد أو ذاك ممرًا لعبور الإمدادات إلى أوروبا.

إن معركة زيادة النفوذ السياسي في أفريقيا هي حق مشروع لكل دولة، لكن بأيّ فاتورة ستدفعه؟.. وهل الوسيلة تستحق المجازفة؟!

الجزائر تريد بناء خط أنابيب في الصحراء بطول 4 آلاف كيلو متر، يمرّ عبر أراضي النيجر، باستثمارات تتراوح بين 13 إلى 15 مليار دولار، بهدف نقل ما بين 20 و30 مليار متر مكعب سنويًا من الغاز إلى أوروبا.

والمغرب يريد بناء خط آخر بطول 7 آلاف كيلو متر، يمتد بين 13 دولة، بمقاطع تنفيذ برية وبحرية، وباستثمارات قد تصل إلى 25 مليار دولار، لنقل كمية الغاز نفسها (نحو 30 مليار متر مكعب).

تحديات الغاز النيجيري

يوم الخميس 4 يونيو/حزيران الجاري، أعلنت الجزائر بدء تنفيذ أنبوب الغاز العابر للصحراء، في الشطر الواقع بأراضيها (منطقة أولف في ولاية أدرار) وقبلها بـ24 ساعة أعلنت بالاشتراك مع نيجيريا والنيجر المصادقة على دراسة جدوى المشروع، التي أعدّتها الشركة الاستشارية "بنسبن".. ماذا يعني ذلك؟

دراسة الجدوى هي خطوة أساسية لإنجاز أيّ مشروع، لكنها تبقى مشروطة باتخاذ قرار الاستثمار النهائي، وأيضًا توقيع اتفاقيات لشراء الغاز.. وهذا لم يحدث حتى الآن.

أنا مقتنع بأن الجزائر لن تعجز عن توفير مشتري للغاز النيجيري، خاصةً مع الطلب الأوروبي المرتفع، ومع الوضع في الحسبان "موثوقية الجزائر" بأسواق الطاقة.. لكن هل هذا هو الإشكال؟

إن الإشكال والتحدي الأكبر هنا -سواء في مشروع الجزائر أو المغرب- يتعلق بنيجيريا نفسها، وقدرتها على توفير 60 مليار متر مكعب إضافية للتصدير من خلال الأنبوبين أو حتى 30 مليارًا لأنبوب واحد.

فالمعطيات الحالية تجعل من ذلك أمرًا مستحيلًا، في ظل مخاطر الاستثمار بقطاع النفط والغاز في نيجيريا، الذي دفع عدّة شركات لتقليص حجم أعمالها هناك خلال السنوات الماضية، على النحو التالي:

  • عام 2024: باعت شركة شل محفظة مشروعاتها البرية في نيجيريا.
  • عام 2024: شركة إكوينور النرويجية تخارجت بشكل كامل من نيجيريا بعد استثمار دام نحو 30 عامًا هناك.
  • عام 2024: شركة إكسون موبيل باعت حصصها في مشروعات برية وبحرية لصالح شركة سبيلات إنرجي المحلية.
  • في عام 2025: باعت شركة توتال إنرجي 50% من حصصها في ترخيصين بحريين.

هل تستطيع نيجيريا زيادة إنتاج الغاز؟

في ظل انسحاب عمليات الشركات الأجنبية الكبرى أو تقليصها، تبقى قدرة نيجيريا على الاستثمار في زيادة إنتاج الغاز بنسبة 100% "على المحك" لدرجة الاستحالة، خاصةً في ظل اضطرابات أمنية وعدم استقرار سياسي.

وصلت نيجيريا إلى ذروة إنتاج الغاز عام 2024، إذ بلغ حينها نحو 61.6 مليار متر مكعب، قبل أن ينخفض إلى 58.4 مليار متر مكعب عام 2025.

وإذا افترضنا نجاح مشروع الأنبوب النيجيري وإتمام عمليات البناء، فهل حينها ستستطيع نيجيريا زيادة الإنتاج إلى نحو 90 مليار متر مكعب سنويًا؟!!

وهل -إذا نجح مشروع المغرب هو الآخر- ستتمكن نيجيريا من مضاعفة الإنتاج ليصبح 120 مليار متر مكعب سنويًا؟!!

وإذا كانت نيجيريا بكل هذه القدرة على الاستثمار وزيادة الإنتاج، فلماذا لم تستغل ذلك في رفع حجم صادرات الغاز المسال التي تتراوح بين 17 و20 مليار متر مكعب سنويًا خلال الأعوام الخمسة الأخيرة؟! بعد أن وصلت إلى ذروة الصادرات في عام 2020 عند 28.7 مليار متر مكعب، ومنذ حينها لم تكررها.

هذا الرسم البياني يُظهر بوضوح مدى تذبذب إنتاج نيجيريا من الغاز خلال السنوات الـ6 الأخيرة، بمتوسط لم يتجاوز 51 مليار متر مكعب سنويًا:

إنتاج الغاز النيجيري حتى عام 2025

غاز عبر الأنابيب.. أم غاز مسال؟

تمتلك نيجيريا خبرة كبيرة في تصدير الغاز المسال، وهي واحدة من كبار المصدرين بصفة خاصة إلى الاتحاد الأوروبي، وأعلنت مرارًا وتكرارًا عن رغبتها في زيادة قدرتها على التصدير.

في عام 2025 مثلًا، جاءت نيجيريا في المركز الخامس بقائمة أكبر مصدّري الغاز المسال إلى أوروبا، بفارق ضئيل لا يتجاوز 4 آلاف طن عن الجزائر التي حلّت رابعةً.

وبناءً عليه، إذا افترضنا قدرة نيجيريا على زيادة الإنتاج، فإن الأفضل لها من ناحية الجدوى الاقتصادية سيكون إسالة هذا الغاز وتصديره كما تفعل حاليًا، بدلًا من دفع أموال ونسبة من الغاز إلى 14 دولة (بافتراض تنفيذ خطَّي الأنابيب المغربي والجزائري)، وبدلًا من تحمُّل مخاطرة عالية للغاية في التصدير عبر الأنابيب، خاصةً الجوانب الأمنية، فضلًا عن عدم الاستقرار السياسي بدول القارة.

ورغم ذلك، فإن تركيز نيجيريا حتى على تصدير الغاز المسال وزيادة الأحجام سنويًا يحتاج إلى استثمار ضخم، ومدة لا تقل عن 5 أعوام.

فإذا نظرنا إلى الرسم أدناه، سنلاحظ الانخفاض الشديد في صادرات نيجيريا من الغاز المسال خلال السنوات الـ6 الأخيرة.

إذ وصلت إلى ذروتها عام 2020 عند 28.7 مليار متر مكعب سنويًا، ثم تأرجحت بين 17 و20 مليارًا حتى عام 2025:

صادرات نيجيريا من الغاز المسال

الخلاصة..

ينبغي الحذر الشديد في التعامل مع أيّ مشروع أنابيب لنقل الغاز النيجيري، سواء كان مشروع الجزائر أو المغرب، أو حتى ليبيا وغينيا الاستوائية.

فليس من المنطق أن ننخدع بثروة نيجيريا واحتياطياتها الوفيرة، في حين إن الجزائر هي الأخرى لديها احتياطيات بنحو4.5 تريليون متر مكعب، ومن الأجدر بها الاستثمار في استغلالها وتلبية الطلب المتزايد من جانب أوروبا.

ومع وجود خطَّي أنابيب لتصدير الغاز من الجزائر إلى أوروبا (عبر خط ميدغاز إلى إسبانيا) أو خط الأنابيب عبر المتوسط، مرورًا بتونس ومنها إلى إيطاليا، فإن ضخ استثمارات لبناء خط أنابيب ضخم لنقل الغاز النيجيري لن يكون مُجديًا مقارنةً بتحدياته.

*عبدالرحمن صلاح، مدير تحرير منصة الطاقة.

*هذا المقال يُعبّر عن رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي "الطاقة".

نرشّح لكم..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. القطار انطلق والبراتيش ينعقون حتى لو ان نيجيريا لاتستطيع فسوناطراك موجودة ولها خبرة كبيرة في انتاج وتصدير الغاز
    اما مملكة بوسبير والدول 13 لا انابيب ولا بنى تحتية ولا إمكانيات مالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق