هل يهدد الاعتماد على النفط والغاز الأمن الغذائي العالمي في ظل حرب إيران؟ (تقرير)
نوار صبح
- بعض التوقعات تشير إلى أن سعر برميل النفط قد يصل إلى 150 دولارًا
- الاعتماد على النفط والغاز يهدد الأمن القومي والسيادة ويستبدل التبعية وارتفاع التكاليف بهما
- الاستثمار في الطاقة النظيفة يفوق الآن الاستثمار في الوقود الأحفوري بنسبة اثنين إلى واحد
- أكبر مُصدري الانبعاثات الكربونية يستفيد من ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري
يتسبب الاعتماد على النفط والغاز لدى العديد من دول العالم بارتفاع أسعار السلع وتهديد الأمن الغذائي وسط استمرار الحرب على إيران وشح الإمدادات بسبب تعطُّل منشآت الإنتاج وعرقلة حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز.
ويبلغ سعر برميل النفط عالميًا -من خام برنت- في الوقت الحالي نحو 110 دولارات، وتشير بعض التوقعات إلى أنه قد يصل إلى 150 دولارًا، وتشهد أسعار المواد الغذائية ارتفاعًا.
ومن المتوقع أن ترتفع أسعار المواد الغذائية بشكل أكبر خلال المرحلة المقبلة، بسبب نقص إمدادات الأسمدة، وفقًا لما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
وهذا دفعَ برنامج الأغذية العالمي في الولايات المتحدة إلى التحذير من أن انعدام الأمن الغذائي العالمي قد يصل إلى مستويات قياسية، مع احتمال تعرُّض 45 مليون شخص إضافي لخطر الجوع الشديد.
تداعيات حرب إيران
نبّهت الصناعات -من الصلب إلى الكيماويات- الأسواق إلى أنها تواجه نقصًا في الإمدادات جزءًا من تداعيات حرب إيران، بجانب ارتفاع حادّ في التكاليف، في حين تعاني الأسر في جميع أنحاء العالم من ضائقة مالية، حيث طُلب منها خفض درجات حرارة التدفئة، واستعمال الحافلات أو الدراجات، وخفض السرعة على الطرق السريعة.
وقد كشفت آثار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران -وهي الصدمة العالمية الثالثة في غضون 3 سنوات، بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا وجائحة كوفيد-19- عن مدى اعتماد الاقتصادات على الوقود الأحفوري.
يشير رئيس برنامج الأمم المتحدة لتغير المناخ، سيمون ستيل، في مارس/آذار المنصرم، إلى أن الاعتماد على الوقود الأحفوري يهدد الأمن القومي والسيادة، ويستبدل التبعية وارتفاع التكاليف بهما.

انبعاثات غازات الاحتباس الحراري
في العام الماضي، أجرت صحيفة الغارديان دراسةً حول الدول الـ10 الأكثر مسؤولية عن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
وتنقسم هذه الدول عمومًا إلى فئتين: الأولى هي الدول التي ما تزال مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالوقود الأحفوري، ومصممة على استغلاله إلى أقصى حدّ، والثانية هي الدول التي تسعى إلى مستقبل منخفض الكربون للتخلص من عبء الاعتماد على النفط، وتجنُّب كارثة مناخية.
وتُعدّ هذه بداية إعادة تنظيم عالمي: دول المستقبل ذات التوجهات الاقتصادية في مواجهة دول الماضي ذات التوجهات النفطية.
وأشار وزير الخارجية الأميركي الأسبق، جون كيري، في مقابلة مع صحيفة الغارديان، إلى انطلاق مرحلة انتقالية بين الدول الكهربائية والدول النفطية، والكهربة هي الهدف الأسمى للجميع في الوقت الراهن، مشيرًا إلى أن المستقبل يكمن في تسخير الكهربة وتوجيهها إلى حيث الحاجة.
وأبرزت الحرب على إيران هذا التباين بوضوح، وكشفت أيًّا من أكبر 10 دول مُصدرة للانبعاثات الكربونية يُمكنها أن تخرج من الأزمة أقوى، حسب مصادر تابعتها منصة الطاقة المتخصصة.
مصادر الطاقة المتجددة
كانت التوجهات العالمية تُرجّح كفة مصادر الطاقة المتجددة: ففي العام الماضي، تجاوزت كمية الكهرباء المُولّدة من مصادر منخفضة الكربون تلك المُولّدة من الفحم للمرة الأولى.
ويفوق الاستثمار في الطاقة النظيفة الآن الاستثمار في الوقود الأحفوري بنسبة اثنين إلى واحد.
وانخفض توليد الكهرباء بالفحم في الصين والهند للمرة الأولى منذ سبعينيات القرن الماضي.
وكشفت الحرب على إيران، والحرب الأوكرانية التي سبقتها، عن حقيقة مُقلقة، فالعديد من أقوى دول العالم وأكبر مُصدري الانبعاثات الكربونية تستفيد من ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري.
ومن المتوقع أن يحقق قطاع النفط والغاز الأميركي مكاسب كبيرة بقيمة 60 مليار دولار من هذه الحرب.
وقد مثّلت أسعار السلع الأساسية المرتفعة شريان حياة لروسيا، التي كان اقتصادها يعاني من ضغوط استمرار الحرب في أوكرانيا، ولكن رُفِعَت بعض العقوبات عنها الآن، وتعرضت السعودية لهجوم صاروخي إيراني، ما أجبرها على إغلاق أكبر مصفاة نفط لديها.
رغم ذلك، فإن سعر سهم شركة النفط الوطنية أرامكو السعودية قد ارتفع بشكل كبير، وتُحقق احتياطياتها سهلة الوصول إيرادات ضخمة.
بالمثل، زادت إيرادات النفط الإيرانية، على الرغم من الهجمات التي استهدفت بنيتها التحتية وتسببت في هطول أمطار حمضية سامة على سكانها.
وتعزز الأسعار المرتفعة موازنات الدول النفطية، ما يدرّ عليها أرباحًا طائلة يمكنها استثمارها في توسيع نطاق استخراج الهيدروكربونات.
الاعتماد على الكهربة
تقود الصين -أكبر مُصدر للانبعاثات وثاني أكبر اقتصاد في العالم- مسيرة التحول نحو مستقبل يعتمد على الكهربة.
وقد ظلت انبعاثات البلاد ثابتة أو متراجعة لما يقرب من عامين، وعلى الرغم من أن الصين اتّبعت نمطًا مشابهًا في الماضي قبل أن تشهد ارتفاعًا حادًا مرة أخرى في ظل التوسع الكبير في استعمال الفحم، فإن المحللين يرون أن الوضع مختلف هذه المرة.
وتشهد مصادر الطاقة المتجددة نموًا قياسيًا، للاستعمال المحلي وللتصدير، فالتكنولوجيا الخضراء، بما فيها السيارات الكهربائية والبطاريات ومكونات طاقة الرياح والطاقة الشمسية، تُشكّل الآن أكثر من عُشر صادرات الصين، ونسبة مماثلة من اقتصادها الإجمالي.
ويأمل مدير مركز المناخ الصيني لدى معهد سياسات جمعية آسيا، لي شو، أن يستمر هذا النمط من الانبعاثات في الانخفاض، مضيفًا أنه لا توجد أيّ جهة في الصين تدعو إلى العودة إلى الفحم، ما يمنح البلاد الثقة بأن هذا التوجه مستدام وهيكلي.
وأضافت الصين 360 غيغاواط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح الجديدة في عام 2024، و430 غيغاواط في عام 2025.
ووفقًا لموقع "كاربون بريف"، أسهمت الطاقة النظيفة في ثلث نمو الناتج المحلي الإجمالي للبلاد العام الماضي. وتجاوزت الاستثمارات في الطاقة النظيفة تريليون دولار، أي ما يقارب أضعاف الـ260 مليار دولار التي أنفقتها البلاد على استخراج الوقود الأحفوري وتوليد الطاقة بالفحم.
ويرى لي شو أن التحدي يكمن في معرفة ما إذا كانت إستراتيجية التكامل بين استعمال الفحم والطاقة المتجددة سيُتخلى عنها مع زيادة إنتاج البطاريات.
ويضيف أن البطاريات قد تتمكن من استبدال الفحم بفعالية في نظام الكهرباء الصيني، وسط توقعات باستعمال أكبر للبطاريات واستهلاك أقل للفحم.

السعي للحاق بالركب
ما تزال الهند -الدولة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في العالم، وأكبر ديمقراطية، ورابع أكبر اقتصاد- بحاجة إلى بذل المزيد من الجهود للّحاق بالركب، لكنها بالتأكيد في السباق.
فقد فاجأت الهند العديد من المراقبين بإصدارها في نهاية مارس/آذار المنصرم خطة وطنية جديدة بشأن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، تُعرف باسم المساهمة المحددة وطنيًا (NDC) بموجب اتفاق باريس للمناخ.
وتحدد الخطة هدفًا يتمثل في توليد 60% من الكهرباء من مصادر منخفضة الكربون بحلول عام 2035، وخفض الانبعاثات لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 47%.
وهذه الأهداف ليست طموحة للغاية، إذ يشهد قطاع الطاقة المتجددة في الهند نموًا سريعًا، مع تسجيل رقم قياسي العام الماضي بإضافة 45 غيغاواط من القدرة الإنتاجية، أي ما يقرب من ضعف الكمية السابقة.
ويتوقع مؤشر العمل المناخي تحقيق هدف الـ 60% قبل 5 سنوات من الموعد المحدد، أي بحلول عام 2030.
في المقابل، ما تزال المساهمة المحددة وطنيًا تمثّل خطوة مهمة إلى الأمام بالنسبة لبلد احتفل العام الماضي بإنتاجه مليار طن من الفحم، وأدى دورًا مؤثرًا في بعض الأحيان في اجتماعات المناخ الدولية.
ويقول الرئيس التنفيذي لمركز الأبحاث "مجلس الطاقة والبيئة والمياه"، أرونابها غوش، إنه في وقتٍ تُبعد فيه النزاعات ومخاوف أمن الطاقة الدول عن التزاماتها المناخية، تُرسل المساهمة الوطنية المحددة الجديدة للهند إشارةً بالغة الأهمية.
ويوضح أنها تُشير إلى أن الهند تُرسّخ فكرة "الاقتصاد الأخضر"، حيث لا يُعالج العمل المناخي بمعزلٍ عن غيره، بل يُدمج ضمن إستراتيجية التنمية والاقتصاد الأوسع للبلاد.
رغم ذلك، لا ينبغي لأحد أن يتوهم أن نهاية الفحم في الهند باتت وشيكة، بحسب ما تقول رئيسة معهد غيتواي للأبحاث، زيرين أوشو.
وترجّح زيرين أوشو أن يكون تحول الطاقة في الهند مسارًا تنمويًا هجينًا أكثر منه قفزةً نوعية.
ويعود ذلك إلى أن لدى الحكومة موقفًا واضحًا مفاده أن الوقود الأحفوري التقليدي، كالفحم، سيظلّ ركيزةً أساسيةً لأمن الطاقة في البلاد مع نمو الاقتصاد والصناعات، لا سيما على المدى القريب والمتوسط، والهند لا تتعامل مع هذا الأمر بصفته خيارًا بين أمرين.
الدول المُصدرة للانبعاثات
على الرغم من أن أكبر الدول المُصدرة للانبعاثات تنقسم عمومًا إلى فئتين، فإن الحدود بينهما غير واضحة، ولا يمكن لأيٍّ من الدول التي يُفترض أنها رائدة في مجال الطاقة النظيفة أن تدّعي النقاء في سعيها نحو مستقبل نظيف.
فألمانيا -على سبيل المثال- رغم كونها من أوائل الدول الرائدة في مجال الألواح الشمسية وتوربينات الرياح، ما تزال مُرتبطة بالغاز وتتراجع عن إصلاحات التدفئة منخفضة الكربون، في حين إن بعض شركات صناعة السيارات فيها تتراجع عن دعم السيارات الكهربائية.
وبالمثل، أخفقت اليابان، إذ اتخذت موقفًا هادئًا في مفاوضات المناخ الدولية وقدّمت مساهمة وطنية محددة عَدَّها المحللون غير كافية بشكل كبير.
وتجد العديد من الدول نفسها مُشتتة بين اتجاهين، ففي قمة المناخ كوب 26 عام 2021، تبنّت إندونيسيا بحماسة خططًا لتصبح من أوائل الدول التي تُطبق "الانتقال العادل".
ويمثّل هذا أسلوبًا للانتقال من الاعتماد على النفط والغاز إلى الطاقة النظيفة مع الحفاظ على الوظائف، وإعادة تدريب العمال، ومساعدة الفئات الأكثر ضعفًا، وذلك من خلال وعد بتقديم 20 مليار دولار من الدول الغنية والمستثمرين من القطاع الخاص للمساعدة في إغلاق جزء من قطاع الفحم الضخم لديها.
وتُعدّ إندونيسيا ثالث أكبر منتج للفحم في العالم، حيث بلغ إنتاجها أكثر من 800 مليون طن في عام 2024 من نحو 160 منجمًا، فضلًا عن اعتمادها على الفحم لتلبية معظم احتياجاتها من الكهرباء.
وسرعان ما واجهت "شراكة الطاقة للانتقال العادل" صعوبات كبيرة، فقد تعثرت محاولات إغلاق محطات الفحم أمام مصالح قوية، وسمحت الحكومة بعودة التعدين بقوة مع ارتفاع أسعار الفحم وزيادة ربحيته، واصطدمت الاستثمارات المرجوة في وظائف الطاقة النظيفة بعقبات تنظيمية.
موضوعات متعلقة..
- أسطول ناقلات النفط والغاز العربية.. مسح يشمل 9 دول
- صادرات النفط والغاز الروسية.. مكاسب استثنائية رغم اضطراب الأسواق (مقال)
- تعافي قطاع النفط والغاز في الشرق الأوسط يحتاج أشهرًا.. تفاوت واضح بين الدول
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة
المصدر:





