الوقود الحيوي.. أين ذهبت وعود شركة إيني الإيطالية للمزارعين الكينيين؟ (تقرير)
نوار صبح
- الاتحاد الأوروبي يُلزم شركات الطيران باستبدال الوقود الأحفوري تدريجيًا ببدائل صديقة للبيئة
- لا يُسمح باستعمال سوى المحاصيل غير الغذائية وغير العلفية وقود طيران مستدامًا
- استعمال الزيوت الصالحة للأكل في إنتاج الوقود يؤثّر في سوق الغذاء عالميًا
- الوقود الحيوي جزء أساس من خطة الاتحاد الأوروبي للتحول الأخضر
يشهد إنتاج الوقود الحيوي تطورات لافتة، فقد تبددت وعود شركة إيني الإيطالية للمزارعين الكينيين بالتخلّي عن محصول الذُّرة لزراعة بذور الخروع، وتُرِك الكثيرون منهم مع محصول عديم الفائدة وغير صالح للأكل.
قبل 4 سنوات، بدأت أكبر شركة نفط في إيطاليا بالتواصل مع المزارعين الكينيين بعرض مغرٍ يتمثل في زراعة بذور الخروع في أراضيهم، وتعهدت بشراء المحصول وتحويله إلى وقود طائرات صديق للبيئة، بحسب مقال طالعته منصة الطاقة المتخصصة.
وتباهت شركة إيني (Eni)، المملوكة جزئيًا للحكومة الإيطالية، وتجني معظم أرباحها من بيع الوقود الأحفوري المسبّب للاحتباس الحراري، بأن المبادرة الكينية ستوفر للعملاء منتجات محايدة كربونيًا مع خلق نماذج للزراعة المستدامة من خلال تعزيز التنمية الاجتماعية.
واليوم، تُعيد عمليات شركة إيني في كينيا عشرات الآلاف من الأطنان من الزيوت النباتية سنويًا إلى مصفاتها في صقلية لإنتاج الوقود الحيوي للطائرات والسيارات والشاحنات.
استبدال الوقود الأحفوري
يجري كل هذا بدعم من حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني في روما، وتحت رعاية الاتحاد الأوروبي، الذي يُلزم شركات الطيران باستبدال الوقود الأحفوري تدريجيًا ببدائل صديقة للبيئة تعتمد على مصادر حيوية.
ويكشف تحقيق مشترك أجرته صحيفة بوليتيكو ووكالة سورس ماتيريال البريطانية (SourceMaterial) جانبًا مظلمًا لهذا المشروع.
وتُظهر مقابلات مع أكثر من 40 مزارعًا تشجيع صغار المزارعين على زراعة الخروع، ثم تخلّي الوسطاء الذين وظّفوهم لصالح شركة إيني عنهم، وفقًا لما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
إضافة إلى ذلك، تشير بيانات التجارة إلى أن ما يصل إلى 80% من الزيت النباتي الذي صدّرته شركة إيني من كينيا إلى إيطاليا العام الماضي لا يأتي من بذور الخروع الكينية المزروعة بطرق مستدامة، بل يُصنَع من زيت نباتي صالح للأكل باستعمال بذور اللفت المستوردة من جنوب أفريقيا.
ويقول المنتقدون، إن زيت بذور اللفت يُخالف معايير الاتحاد الأوروبي التي تنصّ على أنه لا يُسمح باستعمال سوى المحاصيل غير الغذائية وغير العلفية بصفته وقود طيران مستدامًا.
من جانبها، تؤكد شركة إيني التزامها بقوانين الاتحاد الأوروبي، وأن برنامجها في كينيا مصمّم لتجنُّب أيّ تأثير سلبي في إنتاج الغذاء وضمان الأمن الغذائي للمزارعين، وأنه يُحدث أثرًا إيجابيًا في المجتمعات المحلية. وتنفي الشركة أن يكون الخروع قد حلّ محل إنتاج الغذاء للمزارعين.
ويثير التحقيق، الذي شمل نحو 60 مقابلة مع مزارعين ومنظمات غير حكومية ومسؤولين حكوميين محليين ومحامين وأكاديميين وشركات، تساؤلات جدّية بشأن مزاعم الاستدامة التي يروج لها منتجو الوقود الحيوي مثل شركة إيني، ويشكك في قدرة الاتحاد الأوروبي على تطبيق معاييره الخاصة بهذا الوقود.
ويُضاف هذا إلى مخاوف أوسع نطاقًا من أن سلسلة إمداد الوقود الحيوي العالمية، التي تعتمد عليها قطاعات عديدة لتحقيق أهدافها المناخية، تتّسم بالغموض وضعف التنظيم، وتضرّ بالبيئة.

فرصة زراعة الخروع
كانت كاتسيلي شاوري ميتسانزي واحدة من بين العديد من المزارعين في مقاطعة كيليفي بكينيا الذين انتهزوا فرصة زراعة الخروع بعد أن روّجت له شركة محلية تُدعى "سيرفيزي أجريكولي فوريستالي أفريكا" (SAFA) بصفته محصولًا خارقًا.
وإذا تحوّل المزارعون إلى زراعة الخروع، ستدفع لهم شركة "سيرفيزي أجريكولي فوريستالي أفريكا" مبالغ مالية ضخمة مقابل المحاصيل.
وستستعمل شركة إيني (Eni) النباتات لإنتاج الزيت النباتي وتحويله إلى وقود صديق للبيئة لعملائها، بما في ذلك شركات "بي إم دبليوم" (BMW) و"إيزي جت" (easyJet) و"رايان إير" (Ryanair).
وزرعت ميتسانزي الخروع في مزرعتها الصغيرة، لتحلّ محلّ محاصيل الذرة التي كانت تعتمد عليها هي وأطفالها السبعة في غذائهم. حصدوا البذور غير الصالحة للأكل وانتظروا، لكن شركة "سيرفيزي أجريكولي فوريستالي أفريكا" لم تعد.
وقال المسؤولون، إنهم سيأتون لأخذها، لكنهم لم يأتوا أبدًا، في حين قالت ميتسانزي، إن أسرتها عانت كثيرًا بسبب الجوع.
ومن خلال شركات محلية مثل "سيرفيزي أجريكولي فوريستالي أفريكا"، وزّعت إيني البذور على أكثر من 100 ألف مزارع في جميع أنحاء كينيا ضمن مشروع رائد تدعمه الحكومة الإيطالية.
ومُوِّل مشروع إيني في كينيا، جزئيًا، من قِبَل مؤسسة التمويل الدولية، التابعة للبنك الدولي، التي أقرضت الشركة 135 مليون دولار، ومن قِبَل صندوق المناخ الإيطالي الذي أقرضها 75 مليون دولار.
وتأمل الحكومة الإيطالية، التي تمتلك حصة كبيرة في إيني، أن تُعيد خطة ماتي - نسبةً إلى مؤسس إيني - ضبط العلاقات مع أفريقيا من خلال استثمارات تهدف جزئيًا إلى الحدّ من الهجرة.
ولم يُبدِ جميع المزارعين المشاركين في مشروع إيني أيّ شكوى، فمن بين 42 مقابلة أُجريت مع مزارعين مشاركين في المشروع، أعرب مزارعان من مقاطعة ناكورو عن رضاهما عنه.
تعويض ضعف المحاصيل الكينية
في غضون ذلك، عوّضت إيني عن ضعف المحاصيل الكينية باستيراد كميات هائلة من بذور اللفت الجنوب أفريقية -وهو محصول غذائي يُوصي الاتحاد الأوروبي باستعماله بكميات ضئيلة فقط في الوقود الأخضر- وفقًا لبيانات التجارة.
وهذا عكس ما يُفترض أن يُحققه المشروع تمامًا، بحسب ما قال مدير الوقود المستدام لدى منظمة النقل والبيئة، كارلو تريتو.
وتعهدت شركة إيني باستعمال بذور اللفت بكميات محدودة في أحد مراكزها الزراعية في كينيا.
وأقرّت بأن استعمال الزيوت الصالحة للأكل في إنتاج الوقود يؤثّر في سوق الغذاء عالميًا، ما يزعزع استقرار توافره وأسعاره.
وأوضحت إيني بأن استعمال بذور اللفت ما يزال متوافقًا مع قوانين الاتحاد الأوروبي البيئية، وأن استعمال هذا المحصول منطقي لضمان سير المشروع وفقًا للخطة الموضوعة.
وأكدت الشركة أنها ممارسة معيارية ومثالية لتحسين مزيج المواد الخام خلال مرحلة التنفيذ.
وفي ردودها على موقعي بوليتيكو وسورس ماتيريال، أوضحت شركة إيني أن بذور اللفت المستوردة من جنوب أفريقيا يمكن استعمالها لإنتاج وقود طائرات مستدام بموجب قانون الاتحاد الأوروبي، نظرًا لزراعتها في أراضٍ متدهورة بشدة، مشيرةً إلى ملحق ضمن توجيه الطاقة المتجددة.
وينصّ الملحق المذكور على أنه يسمح بالمحاصيل المزروعة في أراضٍ متدهورة بشدة، باستثناء محاصيل الغذاء والعلف، عند استعمالها لإنتاج الوقود الحيوي لقطاع الطيران.
بدورها، نفت شركة إيني أن يكون الخروع قد حلّ محل إنتاج الغذاء.
وقال متحدث باسمها، إن البرنامج يقوم على مبدأ المشاركة الطوعية، وفقًا للشروط والأحكام التعاقدية المتفَق عليها بين الجهات المجمعة والمزارعين".
وأضاف أن للمزارعين حرية الانضمام إلى المبادرة أو الانسحاب منها في أيّ دورة دون أيّ غرامات.

رهان على اقتصاد الوقود الحيوي
يراهن الاتحاد الأوروبي على ما يسميه اقتصاد الوقود الحيوي، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، كشف النقاب عن خطط لاستبدال الوقود الأحفوري في منتجات مثل البلاستيك ومواد البناء والمواد الكيميائية والألياف بالكتلة الحيوية، وهي مواد عضوية من الأشجار والمحاصيل.
ويُعدّ الوقود الحيوي جزءًا أساسيًا من خطة الاتحاد الأوروبي للتحول الأخضر.
ووفقًا للوكالة الأوروبية للبيئة، يُعدّ قطاع النقل أكبر مُسبّب لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري في الاتحاد الأوروبي. ويُعدّ قطاع الطيران تحديدًا من أصعب القطاعات التي يُمكن خفض انبعاثات الكربون منها. وقد حددت بروكسل أهدافًا تلزم المطارات بجعل 70% على الأقل من وقود الطائرات "مستدامًا" بحلول عام 2050.
ودعا مفوض الزراعة في الاتحاد الأوروبي، كريستوف هانسن، إلى وضع قوانين أكثر مرونة لتحفيز إنتاج الوقود الحيوي في مؤتمر عالمي للأغذية عُقِد في وقت سابق من هذا الشهر.
وضغط منتجو النفط ومصنّعو السيارات من أجل استعمال الوقود الحيوي، ويعني استعماله التمسك بمحركات البنزين بدلًا من التحوّل إلى الطاقة الكهربائية أو أنواع الوقود البديلة مثل الهيدروجين.
من ناحيتها، حذّرت جماعات بيئية من خطر التضليل البيئي بسبب غياب الشفافية حول مصادر المواد الخام، وما وصفته بادّعاءات مُبالَغ فيها حول الفوائد البيئية للوقود الحيوي.
ويقول الناشط في منظمة "مراقبة الوقود الحيوي" غير الربحية، باكس بوتشارت، إن من الخطأ سياسيًا الرهان على الوقود الحيوي. فمعايير التتبع غير كافية بعد.
ولهذا السبب، فإنّ قدرتها على خفض انبعاثات الكربون موضع شك كبير.
وقال متحدث باسم المفوضية الأوروبية، إنّ الاتحاد الأوروبي يعمل على تحسين نظام شهادات الاستدامة.
بيع الأمل
يهدف مشروع شركة إيني في كينيا إلى ضمّ ما يصل إلى 200 ألف مزارع صغير وإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة غير الصالحة لإنتاج الغذاء.
وتقول الشركة، إنها استقطبت 130 ألف مزارع حتى الآن، وتُحوَّل بذور الخروع التي يزرعونها إلى زيت يُشحن إلى صقلية لتكريره وتحويله لوقود.
في عام 2022، بدأ وسطاء إيني بالتجول بين القرى الريفية، جاذبين الحشود بأخبار محصول مقاوم للجفاف ينمو حيث تفشل زراعة الذرة والفاصوليا.
و"كانوا يبيعون الأمل»، بحسب ما قال شيرونو كيموسوب، 78 عامًا، وهو مزارع من مقاطعة بارينغو في شمال غرب كينيا.
وكان ديفيد كيمي أحد الوكلاء المكلفين بإقناع المزارعين، وقد وظّفته شركة "سيرفيزي أجريكولي فوريستالي أفريكا"، وانتقل كيمي من مزرعة إلى أخرى، حتى نجح في ضمّ نحو 200 مزارع إلى مشروع إيني.
وتوقّع المزارعون أن يدفع المشترون سعرًا باهظًا جدًا، بحسب ما قال كيمي، البالغ من العمر 45 عامًا، مُعتقدًا أن هذا سيكون أحد أهم المحاصيل النقدية في كينيا.
لكن عند حلول موسم الحصاد، لم يحقق الربح سوى نحو 10 من الذين جنَّدهم كيمي، على حدّ قوله.
وأضاف كيمي أنه بعد تقديم الوعود وتوزيع البذور، لم يعد دييغو باريلي، مالك شركة "سيرفيزي أجريكولي فوريستالي أفريكا"، في كثير من الحالات لشراء المحاصيل.
موضوعات متعلقة..
- إنتاج الوقود الحيوي في الهند قد يتضاعف بحلول 2030 (تقرير)
- قواعد مزج الوقود الحيوي في أميركا تشهد تأخيرًا.. تهديد لخطط الشركات
- تباطؤ نمو طاقة إنتاج الوقود الحيوي في أميركا.. ضعف هوامش الأرباح يهدد الصناعة
اقرأ أيضًا..
- مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية في 2025 (ملف خاص)
- الهيدروجين في الدول العربية (ملف خاص)
- صفقات النفط في الدول العربية (ملف خاص)
المصدر:




