لماذا تتراجع صادرات الأسمدة الروسية.. وهل تهدد العالم بأزمة إنسانية؟ (مقال)
أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

- موسكو تعلّق صادرات الأسمدة الروسية بالتزامن مع ذروة الطلب الموسمي
- تقلُّب أسواق الطاقة يؤثّر مباشرةً في تكاليف إنتاج الأسمدة وتوافرها
- البرازيل تعتمد بشكل كبير على الأسمدة المستوردة لدعم عملياتها الزراعية واسعة النطاق
- من المرجّح أن يُسهم تعليق روسيا للصادرات في ارتفاع تكاليف المدخلات للمزارعين الأوروبيين
يتسبب تعليق صادرات الأسمدة الروسية، الذي اتخذته موسكو مؤخرًا، في تداعيات ثقيلة على الأمن الغذائي العالمي، وتتفاقم تأثيرات هذا الإجراء نتيجة لاضطراب سلاسل التوريد في توقيت يتّسم بأهمية بالغة.
ويمثّل قرار روسيا بتعليق صادرات نترات الأمونيوم حتى 21 أبريل/نيسان 2026 تدخلًا مهمًا في أسواق الأسمدة العالمية التي تعاني أصلًا من ضغوط كبيرة، ما يؤكد تحولًا واضحًا نحو إعطاء الأولوية للاحتياجات الزراعية المحلية خلال موسم الزراعة الربيعي الحاسم.
ورغم أن هذا الإجراء وُصِف بأنه إجراء وقائي مؤقت واعتيادي إلى حدّ كبير، فإنه يأتي في وقت يشهد فيه العالم هشاشة متزايدة، ما يُفاقم المخاوف بشأن شح الإمدادات وارتفاع الأسعار وتداعياتها المتتالية على الأمن الغذائي في الاقتصادات التي تعتمد على الاستيراد.
وبصفتها واحدة من أبرز منتجي نترات الأمونيوم ومصدّريه في العالم، تحتلّ روسيا موقعًا بالغ الأهمية في أسواق الأسمدة النيتروجينية (الآزوتية) العالمية، ويؤدي هذا التعليق إلى إيقاف تراخيص التصدير الصادرة سابقًا وتقييد إصدار تراخيص جديدة، ما يُعيد توجيه الإمدادات فعليًا إلى المزارعين المحليين لتحسين الإنتاج.
توفير كميات كافية من الأسمدة
تسعى موسكو لضمان توفر كميات كافية من الأسمدة الروسية للحفاظ على غلة المحاصيل في المناطق الرئيسة المنتجة للحبوب، واستقرار أسعار المواد الغذائية المحلية، وتعزيز مكانتها بصفتها أحد أبرز مصدّري القمح عالميًا.
ولا تُعدّ هذه السياسة جديدة، فقد لجأت روسيا مرارًا وتكرارًا إلى فرض حصص وضوابط على صادرات الأسمدة منذ عام 2021 لحماية قطاعها الزراعي من تقلّبات السوق العالمية.
وما يزيد من أهمية هذا التعليق الحالي للصادرات هو تزامن توقيته مع ذروة الطلب الموسمي، فضلًا عن كونه يأتي في ظل بيئة إمداد عالمية هشة أصلًا.

سوق عالمية هشة تواجه ضغوطًا إضافية
تخضع أسواق الأسمدة لقيود موسمية ولوجستية صارمة، ما يعني أنه حتى اضطرابات الإمداد قصيرة الأجل قد يكون لها آثار بالغة.
وقد أدى توقّف صادرات الأسمدة الروسية إلى تضييق نطاق التوافر العالمي مؤقتًا، في الوقت الذي يتخذ فيه المزارعون في جميع أنحاء نصف الكرة الشمالي قرارات حاسمة بشأن مدخلات الإنتاج.
بدورها، تؤدي نترات الأمونيوم دورًا محوريًا في الزراعة الحديثة، إذ توفّر النيتروجين المتاح بسهولة والضروري لنمو المحاصيل في مراحلها المبكرة.
ويعتمد استعماله بشكل كبير على التوقيت؛ فالتأخير أو انخفاض الاستعمال قد يؤدي مباشرة إلى انخفاض المحاصيل.
وهذا ما يجعل اضطرابات الإمداد مُربكة خصوصًا خلال مواسم الزراعة، عندما تكون خيارات الاستبدال محدودة وأوقات الشراء ضيقة.
ويُضاعف السياق العالمي الأوسع نطاقًا من هذا التأثير، فقد كانت أسواق الأسمدة تعاني من ضغوط ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي، والاختناقات اللوجستية، وقيود الإنتاج في مناطق التصدير الرئيسة.
وترتبط الأسمدة الآزوتية ارتباطًا وثيقًا بأسواق الطاقة، حيث يُعدّ الغاز الطبيعي مدخلًا أساسيًا.
ونتيجة لذلك، يؤثّر تقلُب أسواق الطاقة مباشرةً في تكاليف إنتاج الأسمدة وتوافرها.
ويُشكّل تعليق صادرات الأسمدة الروسية عاملًا مُضاعفًا للضغط داخل هذا النظام الهش، فمن خلال إزالة مصدر رئيس للإمدادات، يُعزز الضغط التصاعدي على الأسعار ويزيد من المنافسة على المصادر البديلة.
وتشير المؤشرات الأولية للسوق إلى انخفاض المعروض وارتفاع توقعات الأسعار، حيث يتوقع التجّار مزيدًا من الارتفاعات مع سعي المشترين الحثيث لتأمين الشحنات.
أمّا بالنسبة للمزارعين، فإن التداعيات فورية، إذ تُشكّل الأسمدة الروسية نسبة كبيرة من تكاليف الإنتاج، تتراوح غالبًا بين 20 و40%، وذلك بحسب المحصول والمنطقة.
وقد تُجبر الأسعار المرتفعة المزارعين على اتخاذ قرارات صعبة، كخفض معدلات الاستعمال، أو تأجيل عمليات الشراء، أو التحول إلى محاصيل أقل استهلاكًا للأسمدة، ويحمل كل من هذه الاستجابات مخاطر على المحاصيل، ومن ثم على الإمدادات الغذائية العالمية.
تأثير إقليمي متفاوت
يُعدّ تأثير تعليق صادرات الأسمدة الروسية متفاوتًا للغاية، ويعكس اختلاف مستويات الاعتماد على الواردات، والقدرة الإنتاجية المحلية، والمرونة المالية.
وتبرز البرازيل واحدة من أكثر الاقتصادات تأثرًا، وبصفتها قوة زراعية عالمية ومصدرًا رئيسًا لفول الصويا والذرة، تعتمد البلاد بشكل كبير على الأسمدة المستوردة لدعم عملياتها الزراعية واسعة النطاق.
وعلى الرغم من أن الإمدادات الروسية شكّلت عنصرًا أساسيًا نظرًا لأسعارها التنافسية وكفاءتها اللوجستية، فحتى الانقطاع المؤقت قد يرفع تكاليف المدخلات، ويُعقّد عمليات الشراء، ويؤثّر في قرارات الزراعة، لا سيما بالنسبة لمحصول الذرة الثاني، وهو عنصر بالغ الأهمية في إمدادات الأعلاف العالمية.
في أميركا اللاتينية، تواجه دول مثل الأرجنتين وكولومبيا وبيرو نقاط ضعف مماثلة، فالأسمدة ضرورية للمحاصيل الأساسية وللصادرات ذات القيمة العالية مثل الفواكه والخضراوات.
ويمكن أن تؤدي التكاليف المتزايدة إلى تآكل هوامش الربح وتقليل القدرة التنافسية في الأسواق العالمية، لا سيما لدى الاقتصادات الصغيرة ذات الموارد المالية المحدودة.
في آسيا، تُمثّل الهند نقطة ضغط رئيسة، وبصفتها واحدة من أكبر مستهلكي الأسمدة في العالم، تعتمد البلاد على الإنتاج المحلي والواردات، بدعم من إعانات حكومية واسعة النطاق.
وتؤدي الأسعار العالمية المتزايدة إلى زيادة العبء المالي لهذه الإعانات، فضلًا عن تعقيد إستراتيجيات الشراء.
لذلك، فإن أيّ اضطراب خلال أوقات الزراعة الرئيسة قد يؤثّر في التوزيع، ومن ثم في غلة المحاصيل، ما ينعكس على أسعار الغذاء في بلد يزيد عدد سكانه على مليار نسمة.
تتعرض دول أخرى في جنوب وجنوب شرق آسيا -بما فيها بنغلاديش وباكستان وفيتنام وإندونيسيا- لمخاطر مماثلة.

وفي هذه الأسواق، غالبًا ما يعمل المزارعون بمرونة مالية محدودة، ما يعني أن ارتفاع الأسعار يُترجم إلى انخفاض في الاستعمال بدلًا من زيادة الإنفاق.
وقد يؤدي ذلك إلى انخفاض المحاصيل وزيادة الضغوط على أسعار الغذاء، لا سيما في المناطق ذات الكثافة السكنية العالية، حيث يرتبط الإنتاج الزراعي ارتباطًا وثيقًا بالأمن الغذائي.
بدورها، تواجه منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بعض أخطر المخاطر، ويُعدّ استعمال الأسمدة في جميع أنحاء المنطقة من بين الأدنى عالميًا بسبب قيود القدرة على تحمّل التكاليف، وأيّ زيادة في الأسعار تُهدد بتقليص إمكان الحصول على الأسمدة، لا سيما بالنسبة لصغار المزارعين.
وقد تشهد دول مثل نيجيريا وكينيا وإثيوبيا انخفاضًا في معدلات استعمال الأسمدة، مع ما يترتب على ذلك من آثار مباشرة بإنتاج المحاصيل وتوافر الغذاء.
وتُعدّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا معرّضة للخطر بسبب اعتمادها الكبير على الواردات والقيود الهيكلية في القطاع الزراعي.
ويمكن أن يؤدي ارتفاع تكاليف الأسمدة إلى زيادة فواتير استيراد الغذاء ووضع ضغط إضافي على موازنات الحكومات، لا سيما في الدول التي تواجه تحديات اقتصادية.
وفي الدول الهشة، يمكن أن تُفاقم هذه الضغوط عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على نطاق أوسع.
أمّا أوروبا، فتُقدّم صورة أكثر تعقيدًا، ورغم أن جهود التنويع قد قللت الاعتماد على الأسمدة الروسية، فإن المنطقة ما تزال عرضة لتقلبات الأسعار العالمية.
وقد حدّت تكاليف الطاقة المرتفعة من إنتاج الأسمدة محليًا، ما قلل من القدرة على تعويض انخفاض الواردات. ونتيجة لذلك، من المرجّح أن يُسهم تعليق صادرات الأسمدة الروسية في ارتفاع تكاليف المدخلات للمزارعين الأوروبيين، ما قد يؤثّر بالمحاصيل وأسعار الغذاء.
وتتمتع أميركا الشمالية بحماية أفضل نسبيًا بفضل قدرتها الإنتاجية المحلية، لا سيما في الولايات المتحدة وكندا.
رغم ذلك، ما تزال الزيادات في الأسعار العالمية تؤثّر في الأسواق المحلية، ما يؤثّر في هوامش الربح الزراعية، وقد يُسهم في تضخُّم أسعار الغذاء.
ضغوط على الأسواق الثانوية
إلى جانب الاقتصادات الزراعية الكبرى، تواجه مجموعة من الدول مخاطر متزايدة لنقص الإمدادات واضطراباتها.
وتظل أوكرانيا عرضةً للخطر، إذ يعتمد قطاعها الزراعي، المُثقل أصلًا بالحرب الدائرة، على واردات الأسمدة بأسعار معقولة للحفاظ على الإنتاج، وأيّ تشديد في الإمدادات العالمية أو ارتفاع في الأسعار قد يعوق جهود التعافي ويُقلل من القدرة التصديرية، ما يؤثّر في أسواق الحبوب العالمية.
وتُعدّ تركيا حالةً حرجةً أخرى، فهي منتج زراعي كبير يعتمد على الأسمدة المستوردة، ما يجعلها شديدة الحساسية لتقلّبات الأسعار.
وقد يؤدي ارتفاع تكاليف المدخلات إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية محليًا، بينما قد تؤثّر اضطرابات الإمدادات في تدفقات التجارة الإقليمية/ نظرًا لدور تركيا بصفتها مركزًا زراعيًا رئيسًا.
في جنوب شرق آسيا، تواجه دول مثل الفلبين وتايلاند خطر تشديد الأسواق العالمية، ورغم أنها لا تعتمد بشكل كبير على نترات الأمونيوم الروسية تحديدًا، فإنها تبقى عرضةً لارتفاع الأسعار والمنافسة في الإمدادات.
وبالنسبة للقطاعات الزراعية الموجهة للتصدير، يُمكن أن يؤدي ارتفاع تكاليف المدخلات إلى تآكل القدرة التنافسية والتأثير بقرارات الزراعة.
أمّا أستراليا، فرغم مرونتها النسبية، ليست بمنأى عن ذلك، إذ يعتمد قطاعها الزراعي على الأسمدة المستوردة، ويمكن أن تؤثّر الزيادات العالمية في الأسعار بربح المزارع وقرارات الإنتاج.
وفي ظل الأسواق المتقلبة، حتى الدول التي تتمتع بوفرة في الإمدادات تواجه تكاليف أعلى ومنافسة متزايدة على الشحنات المتاحة.

نظرة مستقبلية للسوق وتداعياتها الإستراتيجية
يعكس تعليق صادرات الأسمدة الروسية تحولًا أوسع نحو الهيمنة على الموارد في المدخلات الزراعية الأساسية.
وتُعطي الحكومات الأولوية للإمدادات المحلية على حساب استقرار السوق العالمية، لا سيما خلال أوقات الضبابية.
ورغم أن هذه السياسات قد توفر حماية قصيرة الأجل، فإنها غالبًا ما تُفاقم التقلبات العالمية وتُسهم في بيئة سوقية أكثر تجزئة وأقل قابلية للتنبؤ.
وبالنظر إلى المستقبل، ستكون مدة تعليق صادرات الأسمدة الروسية عاملًا حاسمًا في تحديد تأثيرها.
وقد تستوعب السوق اضطرابًا قصير الأجل، خصوصًا إذا تمكّن مورّدون بديلون من تعويض النقص جزئيًا. وفي حال تمديد القيود أو تفاقمت بفعل صدمات إضافية مثل اضطرابات سوق الطاقة أو فرض المزيد من ضوابط التصدير، فقد تكون الآثار أطول أمدًا وأشد وطأة.
إزاء ذلك، من المرجّح أن تتبنى الحكومات والجهات الفاعلة في السوق مجموعة من الإستراتيجيات، بما في ذلك تأمين مصادر إمداد بديلة، وزيادة الاحتياطيات الإستراتيجية، وتوسيع القدرة الإنتاجية المحلية.
وقد يزداد التركيز على تحسين كفاءة الأسمدة واستكشاف مدخلات بديلة.
خلاصة القول، يُؤكد قرار روسيا الدور المحوري للأسمدة في النظم الغذائية العالمية، وهشاشة هذه النظم أمام الاضطرابات الجيوسياسية والسياسية.
وفي عالم يزداد تفككًا وتقلبًا، برز أمن الأسمدة عنصرًا أساسًا للاستقرار الاقتصادي والأمن الغذائي.
وحتى الاضطرابات المؤقتة قد يكون لها عواقب بعيدة المدى، إذ تؤثّر في نتائج الزراعة والتجارة والأسواق العالمية.
الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- صادرات الطاقة الروسية إلى الهند.. الأسعار المخفضة تصطدم بعقبة "الروبية" (مقال)
- وقف صادرات الأسمدة من الخليج فرصة أمام المغرب
- المغرب يقود ثورة الأسمدة الخضراء.. خفض انبعاثات الغذاء أولوية عالمية
اقرأ أيضًا..
- تقارير وملفات خاصة من وحدة أبحاث الطاقة
- الطاقة الشمسية في الدول العربية
- تقرير مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية





