التنقيب البحري عن النفط والغاز.. أهمية توسع تركيا في البحر الأسود (مقال)
أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

- أنقرة باتت تتعامل مع الطاقة بشكل متزايد بصفتها إستراتيجية موجهة نحو الخارج
- تركيا تسعى لتعزيز التعاون الدولي في قطاع التنقيب والإنتاج مع الشركات الكبرى
- باكستان منحت حقولًا بحرية بمشاركة شركاء أجانب من بينهم شركة النفط التركية
- تركيا تعمل على بناء محفظة استثمارية خارجية في مجال التنقيب والإنتاج
وقّعت شركة النفط التركية تباو المملوكة للدولة "TPAO" وشركة "شل" (Shell) اتفاقية شراكة بمجال التنقيب البحري عن النفط والغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة للبحر الأسود في بلغاريا، التي تغطي المربع 1-26 (خان ترفيل).
وتزيد مساحة المنطقة على 3800 كيلومتر مربع، وذلك ضمن برنامج مدّته 5 سنوات يبدأ بأعمال المسح الزلزالي، وفق الاتفاقية الموقّعة في 18 فبراير/شباط 2026.
وشهد وزير الطاقة التركي، ألب أرسلان بيرقدار، توقيع الاتفاقية من قبل جيم إردم من شركة النفط التركية تباو " ويوجين أوكبير من شركة "شل".
وتحمل الاتفاقية دلالات إستراتيجية أوسع، إذ تضع شركة النفط التركية تباو ضمن إطار تراخيص التنقيب البحري عن النفط والغاز في الاتحاد الأوروبي، وتعزز مكانة أنقرة في البحر الأسود.
كما تدعم الاتفاقية جهود تركيا لبناء محفظة استثمارية خارجية في قطاع التنقيب والإنتاج من خلال شراكات مع شركات دولية كبرى.
تفاصيل الصفقة
بموجب هذه الصفقة، تبقى شركة شل هي المشغّل، بينما تنضم شركة النفط التركية تباو شريكًا في الحقل البلغاري.
ويمتد الترخيص لـ5 سنوات ويبدأ بمسوحات زلزالية، مع إمكان التوسع لاحقًا خلال هذه المدة نحو الحفر الاستكشافي إذا ما أثبتت نتائج باطن الأرض ذلك.
بعبارة أخرى، لا تُعدّ هذه قصة "إمدادات غاز جديدة" مضمونة، إنها برنامج استكشافي ينطوي على المخاطر المعتادة، والجداول الزمنية الطويلة، والتكاليف الباهظة التي تميز العمل في الحقول البحرية.
ولهذا السبب تحديدًا تكمن أهمية نموذج الشراكة، فالاستكشاف البحري يتطلب رأس مال ضخمًا وعمليات مكثفة. تقدّم "شل" حوكمة مشروعاتها بصفتها مشغلًا عالميًا، وقدرتها على تحديد نماذج باطن الأرض، وخبرتها في التنفيذ البحري.
أمّا بالنسبة لشركة النفط التركية تباو ، فإن المشاركة في ترخيص بحري تديره شركة كبرى تُعدّ بمثابة تجربة تعليمية سريعة: الانضباط التشغيلي، وبوابات اتخاذ القرار، وممارسات إدارة المخاطر التي يصعب تطويرها بسرعة بمعزل عن الآخرين.

أهمية موقع الحقل
يقع حقل خان ترفيل في حوض البحر الأسود الغربي، ويُعرَف بقربه من الأنشطة البحرية التركية، بما في ذلك منطقة صقاريا للغاز.
قد يُبالغ بعضهم في وصف قربه من صقاريا في التعليقات غير الرسمية (فالأحواض لا تخضع للحدود الوطنية)، لكن المنطق العملي يُشير إلى أن هذا القرب يُتيح مزايا لوجستية، وفهمًا أفضل لطبقات باطن الأرض، ومعرفةً مُسبقة بالعمليات في بيئة بحرية مشتركة.
وحتى مع اختلاف التكوين الجيولوجي، فإن خبرة شركة النفط التركية تباو TPAO في حملة تركيا في البحر الأسود تُعزز قدرتها على تقييم الفرص بشكل أسرع، والتفاعل بصفتها شريكًا فاعلًا، وليست مُجرد مُتلقٍّ سلبي.
الإشارة السياسية: المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلغاريا، لا لتركيا
من أبرز العناصر دلالةً مسألة الاختصاص القضائي، إذ لا يتعلق الأمر بتوسُّع شركة النفط التركية تباو داخل المنطقة البحرية التركية، بل بدخولها المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلغاريا، بموجب ترخيص بلغاري، بالتعاون مع شركة تشغيل رئيسة.
ويُعدّ هذا الأمر بالغ الأهمية لأنه يدعم تحولًا أوسع نطاقًا: إذ باتت أنقرة تتعامل مع الطاقة بشكل متزايد بصفتها إستراتيجية موجهة نحو الخارج، لا مجرد مشتريات محلية. وتتيح هذه الخطوة لتركيا تعزيز نفوذها الإقليمي دون التورط في نزاعات بحرية شديدة الحساسية.
صحيح أن البحر الأسود ينطوي على منافسة إستراتيجية متأصلة، إلّا أن منطقة مرخصة بلغاريًا لا تُثير القدر نفسه من الجدل السياسي الذي تُثيره عمليات التنقيب في مناطق متنازَع عليها بشدة.
التوقيت: أمن الطاقة بعد عام 2022 و"الحياة الثانية" للبحر الأسود
مصلحة بلغاريا واضحة: فبعد عام 2022، سارعت الدول الأوروبية إلى الحدّ من اعتمادها على النفوذ الروسي في مجال الطاقة، ويتماشى التنقيب البحري مع إستراتيجية التنويع طويلة الأمد، حتى وإن لم يُنتج كميات فورية.
أمّا مصلحة تركيا فهي متعددة الجوانب: فهي تسعى إلى خيارات متعددة، وترغب في أن تكون لاعبًا مؤثرًا في سياسات الطاقة الإقليمية، لا مجرد دولة عبور أو مستوردة.
ويشهد البحر الأسود "حياة ثانية" ساحةً للتنقيب. وقد أسهمت تجربة تركيا المحلية في مجال التنقيب البحري بإعادة صياغة التوقعات بشأن الحوض، في حين لدى بلغاريا وغيرها حوافز لإعادة تقييم إمكانات التنقيب والإنتاج.
وهذا لا يعني أن البحر الأسود سيصبح فجأة بحر الشمال الجديد، بل يعني أن الاهتمام السياسي والتجاري قد ازداد، وهذا وحده يُغيّر السلوك: تراخيص جديدة، وشركاء جدد، وبيانات جديدة.
سلوك جديد: تراخيص جديدة، شركاء جدد، بيانات جديدة
تُعدّ شراكة شركة النفط التركية مع شركة شل جزءًا من مسعى أوسع نطاقًا لتركيا في مطلع عام 2026 لتعزيز التعاون الدولي في قطاع التنقيب والإنتاج مع الشركات الكبرى:
مذكرة تفاهم مع إكسون موبيل (ExxonMobil) (8 يناير/كانون الثاني 2026) تغطي عمليات التنقيب المحتملة في البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط، مع إمكان التوسع إلى مناطق إضافية، ومذكرة تفاهم مع شيفرون (Chevron) (5 فبراير/شباط 2026) تُرسّخ إطارًا للتنقيب والإنتاج المشتركين.
ومذكرة تفاهم مع بي بي (BP) (12 فبراير/شباط 2026) تُعطي الأولوية للعراق مع تقارير تُشير إلى إمكان التوسع إلى ليبيا وآسيا الوسطى، واتفاقية شل (18 فبراير 2026)، التي وصفتها وكالة الأناضول بأنها رابع اتفاقية دولية في قطاع التنقيب والإنتاج خلال الأسابيع الأخيرة.
وتشير هذه التحركات مجتمعة إلى إستراتيجية متعمدة "القدرة بالإضافة إلى الوصول": تعميق الشراكات مع الشركات الكبرى لتسريع المعرفة، وتنويع محفظة الاستكشاف، وتوسيع نطاق وصول تركيا في مجال التنقيب والإنتاج إلى ما وراء حدودها.

أنشطة تركيا/شركة النفط التركية في عدّة دول
إلى جانب مذكرات التفاهم، تعمل تركيا على توسيع نطاق عملياتها في قطاع التنقيب والإنتاج من خلال خطوات ملموسة ونتائج تراخيص:
الصومال (الحدود البحرية): أفادت رويترز أن تركيا تخطط لأول عملية حفر في المياه العميقة قبالة سواحل الصومال باستعمال السفينة "جاغري باي"، وذلك بموجب اتفاقية استكشاف تركية صومالية لعام 2024.
يكتسب هذا أهمية إستراتيجية، لأنه يشير إلى نية تركيا نشر أسطولها البحري خارج منطقتها البحرية والعمل في مناطق حدودية عالية المخاطر وعالية الإيراد.
ليبيا (العودة عبر التراخيص): أفادت وكالة الأناضول أن شركة النفط التركية تباو فازت بامتيازين (أحدهما بري والآخر بحري) في أول جولة تراخيص في ليبيا منذ 17 عامًا.
وأفادت وكالة رويترز أن تحالفًا يضم شركة النفط الحكومية التركية فاز بمنطقة بحرية في تلك الجولة، ما يعكس إعادة فتح قطاع التنقيب والإنتاج الليبي أمام الشركات الدولية على نطاق أوسع.
بحر قزوين (أذربيجان): أفادت رويترز أن شركة النفط التركية تباو ستستحوذ على حصة 30% في حقل شفق-آسيمان البحري الأذربيجاني إلى جانب شركتي سوكار وبي بي.
ويربط هذا إستراتيجية تركيا في مجال التنقيب والإنتاج بإمكانات الغاز والمكثفات طويلة الأجل في بحر قزوين، ودور تركيا في ممرات التصدير الإقليمية.
باكستان (تنويع جنوب آسيا): ذكرت وكالة الأناضول أن تركيا وباكستان وقّعتا اتفاقية للمشاركة في مناقصة مشتركة على 40 حقلًا بحريًا.
وأفادت رويترز لاحقًا أن باكستان منحت حقولًا بحرية بمشاركة شركاء أجانب من بينهم شركة النفط التركية تباو، مشيرةً إلى تحالف تمتلك فيه الشركة حصة 25% وحقوق تشغيل في حقل واحد، مع التزامات عمل أولية ومدة استثمار أطول في حال استمرار عمليات الحفر.
باختصار: تُعدّ صفقة بلغاريا جزءًا من نمطٍ مُتّبع، وتعمل تركيا على بناء محفظة استثمارية خارجية في مجال التنقيب والإنتاج تمتد عبر البحر الأسود (إقليميًا)، والمناطق المجاورة للبحر الأبيض المتوسط (سياسيًا)، وأفريقيا (حدوديًا)، وبحر قزوين (غاز إستراتيجي)، وجنوب آسيا (اختياريًا).
الدوافع متّسقة: تقليل الاعتماد على الواردات بمرور الوقت، وتعميق القدرات التقنية، وزيادة النفوذ الجيوسياسي من خلال الوجود في قطاع الطاقة والشراكات.
الآثار الاقتصادية والتشغيلية والجيوسياسية
تُحقق شراكة شركة النفط التركية تباو وشركة شل في المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلغاريا في البحر الأسود فوائد مختلفة، ولكنها متكاملة لكل طرف من الأطراف المعنية.
بالنسبة لتركيا وشركة النفط التركية، تُعدّ هذه الشراكة خطوةً أساسيةً لتعزيز المصداقية والكفاءة: فالعمل ضمن إطار ترخيص مُهيكل من الاتحاد الأوروبي يُعزز مكانة شركة النفط التركية الدولية ويُبرهن على قدرة أنقرة على ترجمة الطموح إلى مشاركة عابرة للحدود في قطاع التنقيب والإنتاج.
وتُعزز هذه الشراكة نفوذ تركيا في مناقشات الطاقة في البحر الأسود، حيث تتداخل بشكل متزايد عوامل أمن البنية التحتية والدبلوماسية الإقليمية والتنسيق التجاري.
أمّا بالنسبة لشركة شل، فتُتيح لها هذه الاتفاقية فرصةً لاستكشاف حوضٍ غير مُستكشفٍ بشكلٍ كافٍ، الذي عاد إلى صدارة الخطة الإستراتيجية، مع ربط الشركة بشريكٍ مدعومٍ من الدولة التركية ولديه دافعٌ قويٌ لمواصلة المشروع.
وفي منطقةٍ لا يقتصر فيها العمل البحري على الجانب التقني، يُعدّ وجود شريكٍ قادرٍ على إدارة التعقيدات السياسية والتشغيلية ميزةً ملموسة.
بالنسبة لبلغاريا، تُوفر هذه الشراكة برنامج استكشافٍ موثوقًا بقيادة شركة مُشغّلة، يُمكن أن يُدرّ إيراداتٍ واستثماراتٍ وفرص عملٍ ونقلًا للتكنولوجيا في حال اكتشاف كمياتٍ تجارية.
وحتى في حال عدم اكتشاف أيّ موارد، فإن أعمال المسح الزلزالي ودراسة باطن الأرض ما تزال تُنتج بيانات قيّمة وتحافظ على خيارات التنقيب البحري في ظل سعي صوفيا لتنويع اقتصادها بعد عام 2022.
على الصعيد الإقليمي، يُمكن للتعاون بين حلفاء الناتو أن يدعم سرديات الاستقرار ويُقلل من انعدام الثقة، إلّا أن المشروع لا يزال يُنفَّذ في بيئة البحر الأسود المتوترة إستراتيجيًا، التي تتشكّل بفعل التنافس الأمني والحساسيات البحرية وهشاشة البنية التحتية.
وهذا يعني أن الشراكة لا تقل أهمية عن تحديد المواقع وتعزيز القدرة على الصمود، بقدر ما هي مهمة فيما يتعلق باحتمال وجود موارد هيدروكربونية.

وستتأثر النتائج بـ4 قيود أساسية:
أولًا، يبقى الخطر الجيولوجي حاسمًا: فإذا لم يُحدد تفسير البيانات الزلزالية هياكل قابلة للحفر، أو إذا فشل الحفر في تأكيد وجود كميات تجارية، فإن الجهد ينتهي عند مرحلة الاستكشاف دون أيّ مسار للتطوير.
ثانيًا، يُمكن للأطر التنظيمية والبيئية للاتحاد الأوروبي أن تُطيل الجداول الزمنية وترفع تكاليف الامتثال، وسيخضع كل من جمع البيانات الزلزالية وأيّ عمليات حفر مستقبلية للتدقيق بشأن التأثيرات البحرية في البحر الأسود شبه المغلق.
ثالثًا، قد يؤدي الغموض التجاري إلى تقويض الجدوى حتى في حالة الاكتشاف، لأن دورات الأسعار وتوقعات الطلب الأوروبي على الغاز وظروف التمويل قد تتغير بشكل كبير خلال مدة الاستكشاف التي تمتد لـ5 سنوات، والأفق الزمني الأطول للتطوير الذي يليها.
رابعًا، يُعدّ خطر الأمن الإقليمي خطرًا هيكليًا: إذ يمكن أن تؤثّر التغيرات في تصورات التهديدات، والحوادث البحرية، أو التصعيد الجيوسياسي الأوسع نطاقًا باستمرار العمليات، وتكاليف التأمين والتعاقد، والتسامح السياسي تجاه استمرار النشاط البحري.
الخلاصة
يُفهم التعاون بين شركة النفط التركية تباو وشركة شل في المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلغاريا في البحر الأسود بأنه توسُّع إستراتيجي، وليس مجرد رهان على أصل واحد.
ويتماشى هذا التعاون مع مساعي تركيا لعام 2026 لتعزيز التعاون مع الشركات الكبرى (إكسون موبيل، وشيفرون، وبي بي، وشل).
ومن شأن ذلك أن يوسّع نطاق أنشطة التنقيب والإنتاج ليشمل مناطق مجاورة، ليتماشى مع بصمة دولية أوسع تمتد الآن لتشمل مناطق حدودية وإقليمية، بما في ذلك الصومال وليبيا وبحر قزوين وباكستان.
الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- تطورات التنقيب البحري عن النفط والغاز.. 3 مشروعات عربية ضمن القائمة
- التنقيب البحري عن النفط والغاز في أفريقيا.. 4 دول تحرز تقدمًا ملحوظًا (تقرير)
- تطورات التنقيب البحري عن النفط والغاز.. مصر وإيران ضمن القائمة
اقرأ أيضًا..
- مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية في 2025 (ملف خاص)
- الهيدروجين في الدول العربية (ملف خاص)
- صفقات النفط في الدول العربية (ملف خاص)





