التغير المناخيالتقاريرتقارير التغير المناخيرئيسية

كيف يؤثر تركيز ثاني أكسيد الكربون في صحة الإنسان؟ تقرير يرد على ترمب

نوار صبح

تُسهم نسبة تركيز ثاني أكسيد الكربون في تحديد مدى خطورته على صحة الإنسان، وهذا ما أثار جدلًا واسعًا بين الباحثين وصنّاع السياسات ومجموعات حماية البيئة.

في هذا الإطار، ألغى الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، المبدأ الرسمي القائل بأن ثاني أكسيد الكربون خطر على صحة الإنسان، في خطوة جديدة صادمة.

ومن شأن إعلان الرئيس الأميركي أن يلغي المبرر الذي كانت الحكومة الفيدرالية في الولايات المتحدة تتعامل به مع ثاني أكسيد الكربون بوصفه "ملوث"، وفقًا لما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.

وفي هذا السياق، يتساءل محللون: هل هو انحدارٌ غير علمي سيؤدي إلى موت الإنسان، أم عودةٌ مُرحّب بها إلى المنطق السليم؟

مدى خطورة ثاني أكسيد الكربون

ثاني أكسيد الكربون قد يكون قاتلًا، وفي أغسطس/آب 1986، أطلقت بحيرة نيوس في الكاميرون فجأةً نحو 200 ألف طن من الغاز في ظاهرة طبيعية نادرة تُعرف باسم ثوران البحيرة.

ولأنه أثقل من الهواء، استقر في سحابة غير مرئية فوق الأراضي المحيطة، ما أدى إلى اختناق 1746 شخصًا وأكثر من 3000 رأس من الماشية.

ولكن ذلك كان ثاني أكسيد الكربون المركّز، ويُعدّ الاستدلال من ذلك إلى القول بأن متوسط ​​تركيز ثاني أكسيد الكربون في الهواء -الذي يزيد حاليًا عن 0.04% بقليل، بعد أن كان أقل من 0.03% قبل قرن من الزمان- يُشكل خطرًا على صحة الإنسان، أمرًا في غاية السذاجة.

وتُعدّ جميع أنواع المواد سامّة عند تركيزها العالي، وهي غير ضارة عند تخفيفها بشكل كبير.

ولم يكن الدافع وراء "استنتاج الخطر" الذي توصلت إليه وكالة حماية البيئة الأميركية "إي بي إيه" (EPA) في عهد الرئيس باراك أوباما عام 2009 هو أن ثاني أكسيد الكربون سامّ، بل إنه يُسبب -وسيُسبّب- الاحتباس الحراري.

وهذا بدوره سيؤدي إلى ظواهر مثل ارتفاع مستوى سطح البحر، وموجات حرّ أكثر، وهطول أمطار غزيرة، وربما مشكلات أخرى، ما سيُهدد حياة البشر، إن لم يكن الآن ففي وقت ما في المستقبل، ما يؤكد أن ثاني أكسيد الكربون مادة خطيرة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب – الصورة من ذا تيليغراف

قانون الهواء النظيف

حتى وفقًا لهذه المعايير، تبقى الحجة واهية إلى حدّ كبير، وبحسب ما يوضح خبير الأرصاد الجوية المستقل كريس مارتز، فإن قانون الهواء النظيف لا يصنّف ثاني أكسيد الكربون على أنه "ملوث للهواء".

وكان أمام الرئيس الأميركي باراك أوباما خياران: إمّا أن يحاول إقناع الكونغرس بتعديل القانون، أو أن يكلّف وكالة حماية البيئة بـ"إيجاد" أدلة تثبت أن ثاني أكسيد الكربون يشكّل خطرًا على الصحة العامة، وقد اختار الخيار الثاني.

ومن الواضح أن هذا القرار لم يكن أقل سياسية من قرار دونالد ترمب بإلغاء القرار.

ويرى المدافعون عن قرار الخطر بأنه -بغضّ النظر عن تاريخ القرار- توجد أدلة على أن زيادة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي قد تؤدي إلى فيضانات وغرق الناس في المستقبل أو إصابتهم بضربة شمس، وهم محقّون.

وعليهم أن يتقبلوا وجود أدلة على أن هذا الاحتباس الحراري قد يجلب فوائد وينقذ أرواحًا، ولا يمكن النظر إلى أحدهما وتجاهل الآخر.

وبالنظر إلى عدد الأشخاص الذين يموتون في الطقس البارد وعدد الذين يموتون في الطقس الحار، يتبيّن أنه على مستوى العالم، يموت الأشخاص بسبب البرد 9 أضعاف عدد الوفيات بسبب الحر.

وهذا ينطبق حتى على البلدان ذات المناخ الحار نسبيًا مثل اليونان والهند، وهل من المرجّح أن تتغير هذه النسبة كثيرًا في المستقبل؟ ربما لا، لأن الاحتباس الحراري يحدث بشكل أكبر في الشمال شتاءً وليلًا، وأقل في الصيف، وفي المناطق الاستوائية، أو نهارًا.

لذا، قد ترتفع الوفيات الناجمة عن الحر ببطء، بينما قد تنخفض الوفيات الناجمة عن البرد بسرعة، حسب مصادر تابعتها منصة الطاقة المتخصصة.

أضرار الاحتباس الحراري

يفترض بعض المحللين حدوث أضرار صافية كبيرة من الاحتباس الحراري خلال 75 عامًا، يُضاف إليها المزيد من موجات الحر والفيضانات، وربما عواصف أشد (مع أنه لا يوجد حتى الآن اتجاه تصاعدي في تواتر العواصف أو شدّتها، واتجاه تنازلي في حالات الجفاف).

وستؤثّر هذه التهديدات المستقبلية في الأثرياء، فبحسب النماذج الاقتصادية التي يستعملها علماء المناخ، ووفقًا للاتجاهات الحالية، سيبلغ متوسط ​​ثروة الفرد، في عام 2100، 4 أضعاف ما هو عليه اليوم على الأقل، وربما أكثر في الدول الأفريقية الفقيرة، حيث تنمو الدخول بوتيرة أسرع.

وسيكون بإمكان الأجيال المقبلة تحمُّل تكاليف الحماية من آثار تغير المناخ بشكل أفضل من اليوم: كالحماية من الفيضانات، وأجهزة التكييف، وما إلى ذلك.

وهذا يحدث حاليًا، فقد انخفضت الوفيات الناجمة عن الجفاف والفيضانات والعواصف بشكل كبير إلى مستويات قياسية في العقود الأخيرة، مع تحسُّن التنبؤات الجوية، وتطوير الملاجئ، وتطور وسائل النقل.

في المقابل، لم تعد الأعاصير، مثل إعصار ميليسا العام الماضي، تقتل الكثير من الأشخاص كما كانت في السابق: فقد أودى بحياة نحو 100 شخص، وسيكون هذا الأمر أكثر وضوحًا في المستقبل.

وتتضاءل كل هذه الآثار أمام اتجاه آخر أكبر بكثير، وهو إيجابي بالكامل تقريبًا، وليس سلبيًا، ألا وهو ظاهرة الاستدامة البيئية العالمية، فثاني أكسيد الكربون غذاء للنباتات.

وتعتمد الأشجار والأعشاب والمحاصيل والطحالب والشعاب المرجانية والأعشاب البحرية والعوالق النباتية جميعها على غاز ثاني أكسيد الكربون للنمو.

وقد كان لزيادة تركيزه في الهواء من 0.03% إلى 0.04% تأثيرٌ مباشرٌ وملموس في معدل نمو جميع النباتات.

وقد تجلّى ذلك في زيادة غلة المحاصيل، وتسارع نمو الأشجار، وازدياد اخضرار الكوكب في جميع النظم البيئية، وهو ما يمكن قياسه بوساطة الأقمار الصناعية، من التندرا القطبية إلى الغابات الاستوائية المطيرة.

بحسب مؤلف إحدى الدراسات الرئيسة في هذا المجال، فقد أضاف العالم خلال 30 عامًا ما يعادل "قارة خضراء تبلغ مساحتها ضعف مساحة الولايات المتحدة الأميركية تقريبًا".

وقد نُشرت هذه الدراسة قبل 10 سنوات، لذا فإن مساحة المساحات الخضراء الإضافية أكبر بكثير اليوم.

موسم حصاد القمح
موسم حصاد القمح – الصورة من ذا تيليغراف

ازدياد الغطاء النباتي

أجرى أستاذ الاقتصاد بجامعة غويلف في كندا، روس ماكيتريك وزملاؤه، سلسلة من الحسابات التفصيلية استنادًا إلى آلاف الدراسات المختلفة.

وخلصوا إلى أن تأثير ازدياد الغطاء النباتي عالميًا، خصوصًا في المحاصيل، جعل ثاني أكسيد الكربون فائدة صافية للبشرية، تفوق بكثير أيّ آثار سلبية للاحتباس الحراري. إضافة إلى ذلك، ستستمر هذه الفائدة الصافية حتى عام 2050 على الأقل، حتى لو تسارع الاحتباس الحراري بعض الشيء.

في عام 2017، كانت هناك محاولة لإخفاء هذه الأخبار السارة (علماء المناخ يكرهون الأخبار السارة)، وذلك من خلال ورقة بحثية في مجلة "نيتشر" Nature تزعم أن غلة المحاصيل ستنخفض قريبًا، لا أن ترتفع، ومن ثم فإن الفوائد الصافية لثاني أكسيد الكربون مجرد خرافة.

وقد أعطى هذا إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، ذريعة جديدة للادّعاء بأن ثاني أكسيد الكربون يجب التعامل معه على أنه خطر صافٍ على البشرية.

واطّلع ماكيتريك على البيانات الأساسية، ووجد خطأً فادحًا واضحًا لدرجة أنه يوحي بالإهمال، إن لم يكن أسوأ من ذلك.

فيما لا يقل عن 360 دراسة حالة من الدراسات المشمولة في الورقة البحثية، أُغفِل تأثير ازدياد الغطاء النباتي العالمي في غلة المحاصيل.

وعندما أُدرِج هذا التأثير، انقلبت النتائج رأسًا على عقب، إذ تحوّل ثاني أكسيد الكربون من مُسبّبٍ لضررٍ صافٍ في المستقبل إلى مُفيدٍ صافٍ على غلة محاصيل القمح والذرة والدخن والذرة الرفيعة والأرز وفول الصويا، وصولًا إلى ارتفاعٍ غير معقولٍ في درجة الحرارة بمقدار 4 درجات مئوية وما فوق.

ونُشرت ورقة ماكيتريك البحثية، التي تُشير إلى هذه النقطة في العام الماضي، وهي تُؤيّد الرأي القائل بأنه لا يُمكن عَدّ ثاني أكسيد الكربون خطرًا صافيًا على صحة الإنسان، حتى في سياق تغيّر المناخ؛ بل من المُرجّح أن يكون مُفيدًا صافيًا.

ويُمكن للمدافعين عن استنتاج الخطر أن يُجادلوا بأن هذا الحساب يستند إلى تنبؤاتٍ قد تكون خاطئة، لكن هذا سيكون نقاشًا عقيمًا، لأن الأمر نفسه ينطبق على جميع أبحاثهم.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق