حقول النفط والغاز في إيران.. رحلة البحث عن استثمارات لتعويض الأسواق المغلقة (تقرير)
أحمد بدر
تعاني حقول النفط والغاز في إيران ضغوطًا متصاعدة في ظل استمرار العقوبات الأميركية، ما انعكس مباشرة على قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية والتقنيات المتقدمة اللازمة للحفاظ على مستويات الإنتاج، فضلًا عن تطوير الحقول الناضجة والعملاقة التي تمثّل عصب الاقتصاد.
وبحسب المتابعة الدقيقة لهذا الملف لدى منصة الطاقة المتخصصة، فإن إيران تواجه تحديات مركبة، تبدأ من نقص التمويل الخارجي، ولا تنتهي عند القيود المفروضة على نقل التكنولوجيا والخدمات الفنية، مما أضعف مرونة الشركات المحلية في تنفيذ مشروعات التطوير طويلة الأجل.
وتشير تقديرات متطابقة إلى أن طهران فقدت خلال السنوات الأخيرة عددًا من أسواقها التقليدية، نتيجة تشديد الرقابة على حركة الشحنات والتأمين، ما قلّص من فرص تصريف الإنتاج، ورفع كلفة التصدير، وأجبرها على تقديم حسومات كبيرة للحفاظ على حصتها السوقية.
وفي ظل هذه الظروف، يبقى التساؤل مطروحًا حول ما إذا كانت حقول النفط والغاز في إيران قادرة على استعادة قدراتها الإنتاجية الكاملة، أم أن استمرار الحصار سيُبقي القطاع في دائرة الاستنزاف، رغم امتلاكه احتياطيات ضخمة تؤهّله لأداء دور محوري في أسواق الطاقة العالمية.
فجوة استثمارية وضغوط تسويقية
يرى كبير مستشاري السياسة الخارجية والجغرافيا السياسية للطاقة أومود شوكري أن قطاع النفط والغاز الإيراني يحتاج إلى استثمارات ضخمة للحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية، فضلًا عن تطوير طاقات جديدة، في ظل عقود من نقص التمويل وتداعيات العقوبات الغربية.
وأوضح أن التقديرات تشير لحاجة حقول النفط والغاز في إيران إلى استثمارات تتراوح بين 150 و200 مليار دولار خلال العقد المقبل، من أجل تحديث البنية التحتية، وتطوير الحقول الناضجة، ولا سيما في قطاع الغاز والخزانات النفطية القديمة.
وأضاف، في تصريحات إلى منصة الطاقة المتخصصة، أن غياب تقنيات الاستخلاص المعزز للنفط يؤدي لتراجع معدلات الاسترداد في الحقول المتقادمة، في حين تتطلب مشروعات الغاز العملاقة معدّات متقدمة وتمويلًا خارجيًا يصعب توفيره بالاعتماد على الموارد المحلية فقط.
وأشار إلى أن اعتماد إيران المتزايد على المقاولين المحليين وشراكات محدودة لم ينجح سوى في سدّ جزء يسير من فجوة الاستثمار، ما أبقى القطاع دون إمكاناته الحقيقية، رغم ضخامة الاحتياطيات المتوافرة.

وفيما يتعلق بخسارة الأسواق التقليدية، أكد أومود شوكري أنّ تقلُّص عدد المشترين زاد من اعتماد طهران على الصين، وهو ما قلّص قدرتها التفاوضية، وأجبرها على بيع النفط بأسعار مخفضة، ما خفّض العائدات الصافية.
وبيّن الخبير الدولي في مجال الطاقة أن تشديد تطبيق العقوبات يرفع تكاليف النقل والتأمين والخدمات اللوجستية، حتى في الحالات التي تستقر فيها أحجام الصادرات نسبيًا، وهو ما يضغط على ربح حقول النفط والغاز في إيران.
وحول فرص التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، رجّح شوكري إمكان تفاهم محدود أو مرحلي، يركّز على الملف النووي مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، لكنه استبعد حدوث اختراق شامل في المدى القريب، بسبب تعقيدات سياسية داخلية وإقليمية.
خسارة الأسواق التقليدية وأهمها سوريا
مثّلت السوق السورية لسنوات طويلة إحدى الركائز الأساسية لصادرات النفط الإيراني، قبل أن تتراجع هذه المكانة بصورة حادة، في تطور يعكس حجم الضغوط السياسية والاقتصادية التي تواجهها حقول النفط والغاز في إيران على صعيد التسويق الخارجي.
وانخفض متوسط واردات سوريا من النفط الخام المنقول بحرًا بنسبة 11% على أساس سنوي، أو ما يعادل 6 آلاف برميل يوميًا خلال الأشهر الـ10 الأولى من العام الماضي 2025، وفق بيانات حديثة صادرة عن وحدة أبحاث الطاقة.
وتوضح البيانات أن متوسط واردات دمشق من الخام بلغ نحو 48 ألف برميل يوميًا خلال المدة من يناير/كانون الثاني حتى أكتوبر/تشرين الأول 2025، مقارنةً بنحو 54 ألف برميل يوميًا في المدة نفسها من عام 2024، ما يعكس تقلّصًا ملحوظًا في الإمدادات.

وتُظهر الأرقام أن روسيا وفّرت جميع احتياجات سوريا من النفط الخام المنقول بحرًا خلال 2025، على عكس الأعوام السابقة، التي كانت تعتمد فيها بشكل شبه كامل على الإمدادات الإيرانية قبل سقوط نظام بشار الأسد.
وكانت دمشق قد أوقفت استيراد الشحنات المنقولة بحرًا منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، بالتزامن مع التغيرات السياسية، ثم عادت للحصول على أولى الشحنات في مارس/أيار 2025، ولكن من روسيا هذه المرة، وليس من حقول النفط والغاز في إيران.
في الوقت نفسه، لا تقتصر هذه الخسائر على سوريا فقط، إذ تشير مؤشرات أخرى إلى محاولات أميركية لتسويق النفط الفنزويلي في الأسواق الآسيوية، على حساب الإمدادات القادمة من حقول النفط والغاز في إيران وروسيا، في إطار منافسة جيوسياسية أوسع.
إمكانات حقول النفط والغاز في إيران
تمتلك حقول النفط والغاز في إيران واحدة من أكبر قواعد الاحتياطيات عالميًا، رغم التحديات التي تعوق استغلالها الكامل، وعلى رأسها القيود التمويلية والتقنية المرتبطة بالعقوبات المستمرة.
ويُعدّ حقل بارس الجنوبي أبرز أعمدة قطاع الغاز الإيراني، إذ تُقدَّر احتياطياته بنحو 14 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، أي ما يعادل نحو 19% من الاحتياطيات المؤكدة عالميًا، إلى جانب كميات ضخمة من المكثفات الغازية.
ويبلغ إنتاج بارس الجنوبي نحو 716 مليون متر مكعب من الغاز يوميًا، تُستعمل غالبيته محليًا في توليد الكهرباء والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، بينما تُوجَّه كميات محدودة للتصدير، وفق أحدث بيانات رسمية.

أمّا حقل شانول الغازي، فتُقدَّر احتياطياته بنحو 10 تريليونات متر مكعب، ويبلغ إنتاجه الحالي قرابة 20 مليون متر مكعب يوميًا، مع خطط حكومية لرفع الطاقة الإنتاجية إلى 70 مليون متر مكعب عبر مشروعات تطوير إضافية.
وفي قطاع النفط، يبرز حقل مارون باحتياطيات تتجاوز 46 مليار برميل، منها نحو 22 مليار برميل قابلة للاستخراج، ويُعدّ من أكبر الحقول البرية في العالم، بفضل جودة خامه وقدرته على الإنتاج طويل الأمد.
ويُصنَّف حقل الأحواز بوصفه أحد أكبر حقول النفط والغاز في إيران، إذ إنه أكبر حقل نفطي في البلاد، باحتياطيات مؤكدة تُقدَّر بنحو 65 مليار برميل، وإنتاج يومي يقارب 750 ألف برميل، رغم التحديات التقنية التي تواجه عمليات التطوير والصيانة.
كما يضم القطاع حقلَي يادافاران وآزادكان، باحتياطيات تُقدَّر بنحو 30 و33 مليار برميل على التوالي، مع طاقات إنتاجية حالية ومخططة تؤكد أن حقول النفط والغاز في إيران تمتلك إمكانات ضخمة، لكنها تظل رهينة كسر قيود العقوبات وجذب الاستثمارات اللازمة.
موضوعات متعلقة..
- إيران تستهدف زيادة إنتاج النفط والغاز في الحقول المشتركة
- حقول النفط والغاز في إيران.. أهم بيانات الاحتياطيات والإنتاج (ملف خاص)
- أبرز حقول النفط والغاز المشتركة بين السعودية وإيران (تقرير)
اقرأ أيضًا..
- الذهب في مصر.. كيف تستثمر أموالك وأفضل أوقات الشراء والبيع (تقرير)
- ارتفاع واردات تركيا من الغاز المسال لمستوى تاريخي.. الجزائر وموريتانيا ضمن أكبر المصدرين
- خطوط أنابيب الغاز بين الخليج والمشرق.. سيناريوهات ومسارات تعيد رسم خريطة الإمدادات
المصادر:
- تقرير عن حجم احتياطيات حقل يادافاران، من "غلوبال إنرجي مونيتور".
- معلومات جغرافية وتاريخية عن حقل مارون، من "ريسيرش غيت"
- تقرير عن جهود تطوير حقل الأحواز، من "أوفشور تكنولوجي"





