الكهرباء في جنوب أفريقيا... من أزمات كبرى إلى تحول طاقي عادل (مقال)
د. منال سخري

منذ عام 2008، يشهد قطاع الكهرباء في جنوب أفريقيا واحدًا من أكثر التحولات الطاقية تعقيدًا في القارة الأفريقية، بين إرثٍ ثقيل من الاعتماد شبه الكامل على الفحم، وطموحٍ متزايد للانتقال نحو منظومة طاقة نظيفة تضمن الأمن الطاقي والعدالة الاجتماعية معًا.
هذه التجربة التي تجمع بين التحدي السياسي والاقتصادي والتقني، جعلت جنوب أفريقيا نموذجًا متقدّمًا في طرح مفهوم "التحول العادل للطاقة" في العالم النامي، رغم ما يرافقها من إخفاقات وضغوط داخلية.
فخلال العام نفسه، واجهت البلاد أولى أزماتها الكبرى حين بدأت شركة الكهرباء الوطنية "إيسكوم" تفشل في تلبية الطلب المتزايد على الطاقة، ما أدى إلى انقطاعات متكررة عطّلت النشاط الصناعي والاقتصادي.
تلك الأزمة لم تكن فقط تقنية، بل كشفت هشاشة نموذج الطاقة القائم على الفحم الذي يمثل أكثر من 80% من مزيج الكهرباء في جنوب أفريقيا، وفق بيانات أوردها تقرير وكالة الطاقة الدولية في 2024.
الفحم والانبعاثات في جنوب أفريقيا
تمتلك جنوب أفريقيا أكبر احتياطي فحم في القارة، لكنها أيضًا من أكثر الدول إطلاقًا لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون في أفريقيا، بنسبة تتجاوز 30% من مجمل الانبعاثات القارية، بحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة (2023).
هذا التناقض بين وفرة الموارد الأحفورية والالتزامات المناخية وضع البلاد أمام معادلة صعبة: كيف تنتقل من الفحم دون الإضرار بالنمو أو التوظيف أو الفقراء؟
منذ 2010، بدأت الحكومة تنفيذ خطة "الموارد المتكاملة للطاقة" (IRP) التي تهدف إلى تنويع مصادر الطاقة بحلول 2030، مع زيادة حصة الطاقات المتجددة إلى نحو 33% من إنتاج الكهرباء في جنوب أفريقيا.
ورغم أن التنفيذ كان متعثرًا، فإن برنامج منتجي الطاقة المستقلين للطاقة المتجددة (REIPPPP) أطلق موجة جديدة من الاستثمارات الخاصة، وفقًا لتقرير وكالة الطاقة المتجددة الدولية (2024) سمحت بإضافة أكثر من 7 غيغاواط من الطاقة الشمسية والرياح بين 2011 و2023.
هذه الخطوات ساعدت على خفض جزئي للانبعاثات، لكنها لم تُنهِ أزمة الانقطاعات، إذ ظلّت "إيسكوم" تعاني من ديون تفوق 20 مليار دولار ونظام تشغيل متهالك.
ومع ذلك، يُحسب لجنوب أفريقيا أنها فتحت المجال أمام القطاع الخاص في قطاعٍ كان حكوميًا بالكامل، وهو تحول هيكلي في فلسفة إدارة الطاقة.

التحول العادل: مفهوم بيئي بأبعاد اجتماعية
في قمة المناخ كوب 26 عام 2021، أطلقت جنوب أفريقيا -بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي، فرنسا، ألمانيا، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة- مبادرة التحول العادل للطاقة (JETP)، بتمويل مبدئي تجاوز 8.5 مليار دولار.
هذه المبادرة تُعدّ سابقة في أفريقيا، إذ تجمع بين خفض الاعتماد على الفحم وضمان العدالة الاجتماعية من خلال دعم المجتمعات المتأثرة بإغلاق مناجم الفحم وتوفير بدائل اقتصادية.
لكن، بعد مرور أكثر من 3 سنوات، تشير تقارير البنك الدولي (2025) إلى أن تنفيذ المشروعات الميدانية ما يزال بطيئًا، إذ لم يُصرَف سوى 40% من التمويل المخصص بسبب تعقيدات بيروقراطية ونقص في القدرات المؤسسية.
في المقابل، نجحت بعض المقاطعات مثل "ليمبوبو" في إنشاء مشروعات للطاقة الشمسية المجتمعية وفّرت فرص عمل خضراء للشباب المحليين، ما يُظهر أن العدالة الطاقية ممكنة إذا توفرت الحوكمة الفعّالة.
تحديات معقّدة: بين البنية التحتية والسياسات
رغم التقدم في بعض المؤشرات، يواجه التحول الطاقي في جنوب أفريقيا 5 تحديات رئيسة:
البنية التحتية المتهالكة: شبكات النقل والتوزيع تعاني من قِدمٍ شديد، ما يُفقد نظام الكهرباء في جنوب أفريقيا أكثر من 15% من الطاقة المولّدة سنويًا.
الأعباء المالية: ديون "إيسكوم" الضخمة تقيّد الاستثمارات الجديدة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أكثر من 250 مليار دولار لتحقيق أهداف التحول حتى2050.
عدم استقرار السياسات: تغير الحكومات والتأخر في إصدار التراخيص للمستثمرين يحدّ من ثقة السوق.
الفوارق الاجتماعية: اعتماد آلاف الأسر على الفحم في التدفئة والطهي يجعل التحول البيئي قضية معيشية، لا بيئية فقط.
التمويل المناخي: ضعف تدفُّق التمويل الأخضر يحدّ من قدرة البلاد على تنفيذ مشاريع التخفيف والتكيف.
هذه التحديات لا تُقلل من إنجازات الدولة، لكنها تكشف حجم المهمة المعقّدة أمامها.
إنجازات تُحسَب لجنوب أفريقيا
رغم كل العقبات، أحرزت جنوب أفريقيا تقدمًا ملموسًا في جوانب محددة، إذ تُظهر بيانات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة في 2024 أن حصة الطاقات المتجددة ارتفعت من أقل من 1% عام 2010 إلى نحو 12% من مزيج الكهرباء عام 2024، مع خطط لتصل إلى 20% بحلول 2030.
كما أطلقت البلاد إستراتيجية الهيدروجين الأخضر في 2022، التي تهدف إلى تحويل وفرة الطاقة الشمسية والرياح إلى مصدر جديد للتصدير وتخفيض الانبعاثات.
وفي العام ذاته، أعلنت الحكومة خطة وطنية للتكيّف المناخي تدمج إدارة المياه والزراعة والطاقة ضمن رؤية واحدة، وهو توجُّه يُحسَب لها في القارة التي تواجه هشاشة بيئية متزايدة.

بين السياسة والمستقبل
التحول الطاقي في جنوب أفريقيا ليس مجرد خيار بيئي، بل إصلاح سياسي وهيكلي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة، والسوق، والمجتمع.
فالطاقة لم تعد قضية تقنية تُحَلّ بمولدات جديدة، بل قضية سيادة واستقرار اقتصادي وعدالة اجتماعية، كما أن التحول العادل لا يعني فقط استبدال الفحم بالشمس، بل بناء نموذج اقتصادي يضمن ألّا يدفع الفقراء ثمن الاستدامة.
ولذلك، يُتوقع أن تكون السنوات الـ5 المقبلة حاسمة برسم ملامح مستقبل الطاقة والكهرباء في جنوب أفريقيا، بين الحفاظ على النمو الاقتصادي وضمان العدالة المناخية.
ختامًا، تُقدّم جنوب أفريقيا اليوم درسًا بيئيًا وسياسيًا مهمًا: أن التحول الطاقي في الدول النامية لا يمكن أن يُقاس بسرعة الإنجاز التقني، بل بمدى قدرة السياسات على خلق توازن بين الاستدامة البيئية والعدالة الاجتماعية.
منذ 2008 وحتى اليوم، تحولَ قطاع الكهرباء في جنوب أفريقيا من الأزمات إلى رؤية إستراتيجية للتحول العادل، لكنها ما تزال تحتاج إلى تسريع التنفيذ وتعزيز الثقة المؤسسية.
وربما هذا ما يجعل تجربة جنوب أفريقيا أكثر صدقًا من التجارب المثالية: فهي تُجسّد التحول بوصفه عملية مستمرة بين التحدي والإنجاز، في عالمٍ يبحث عن طاقة نظيفة لا تُطفئ أنوار العدالة.
* د. منال سخري - خبيرة وباحثة في السياسات البيئية.
* هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- أزمة انقطاع الكهرباء في جنوب أفريقيا تظهر مجددًا بعد اختفاء 10 أشهر
- تعرفة الكهرباء في جنوب أفريقيا.. زيادة مقترحة تهدّد بارتفاع معدلات الفقر
- قانون تنظيم الكهرباء في جنوب أفريقيا يحظى بموافقة رئاسية
اقرأ أيضًا..
- مسؤول: إنتاج سوريا من النفط يصل إلى 100 ألف برميل يوميًا قريبًا
- وكالة الطاقة الدولية تتوقع تسارع نمو الطلب العالمي على الغاز في 2026
- صادرات روسيا من الغاز المسال في 2025 تنخفض 6%.. وهؤلاء أكبر المستوردين





