التقاريرتقارير الغازتقارير دوريةسلايدر الرئيسيةغازوحدة أبحاث الطاقة

حرق الغاز المصاحب في 3 دول عربية.. لماذا يستمر رغم المليارات المُستَثمرة؟

الطاقة

اقرأ في هذا المقال

  • العراق والجزائر وليبيا تواجه تحديات في خفض حرق الغاز.
  • الدول العربية الـ3 ضمن أكثر 10 دول حرقًا للغاز في العالم.
  • ضعف البنية التحتية يعرقل استغلال الغاز بكفاءة.
  • استمرار الحرق يعني خسائر اقتصادية وبيئية جسيمة.
  • مشروعات كبيرة في الدول العربية لاستغلال الغاز الذي تتزداد الحاجة إليه.

يسجّل حرق الغاز المصاحب في عدد من الدول العربية المنتجة للنفط مفارقة لافتة بين وفرة المورد، وضخامة الاستثمارات المُعلنة، واستمرار مشاعل الحرق في مواقع الإنتاج، رغم الحاجة الملحّة للطاقة، وارتفاع كلفة الاستيراد.

ففي العراق والجزائر وليبيا تتباين السياقات السياسية والتشغيلية لكن تتقاطع النتائج على الأرض؛ إذ ما يزال حرق الغاز حاضرًا، سواء نتيجة اختناقات البنية التحتية، أو قصور الاستثمار، أو ارتباط خفض الحرق بعوامل خارج السيطرة التشغيلية، مثل الاضطرابات الأمنية.

وتُظهر البيانات الحديثة أن معالجة ملف الغاز المصاحب في الدول الـ3 لم تنجح بعد في إحداث التحول الهيكلي المنشود، رغم إطلاق مشروعات كبرى، وتوقيع اتفاقيات بمليارات الدولارات، والانضمام إلى مبادرات دولية لوقف الحرق بحلول 2030.

ووفقًا لأحدث بيانات صادرة عن البنك الدولي، اطلعت عليها وحدة أبحاث الطاقة (مقرّها واشنطن)، ارتفع حرق الغاز عالميًا خلال عام 2024 إلى أعلى مستوى له منذ 2007، ما يضع الدول العربية المنتِجة أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على ترجمة الالتزامات المعلنة إلى خفض فعلي ومستدام في الحرق.

وفي قائمة الـ10 الكبار، التي تتصدرها روسيا وإيران- يأتي العراق في المركز الثالث، والجزائر وليبيا في المركزين السادس والسابع على التوالي.

موارد الغاز المصاحب في العراق

يمثّل الغاز المصاحب في العراق أحد أكثر ملفات الطاقة تعقيدًا وإلحاحًا؛ إذ يجمع بين وفرة المورد، وضخامة الاستثمارات المعلنة، واستمرار واحدة من أعلى معدلات الحرق عالميًا.

وفي العراق تنقسم الثروة الغازية إلى نوعين رئيسين:

  • الغاز المصاحب لإنتاج النفط: يشكّل نحو 70% من إجمالي الموارد الغازية في البلاد.
  • الغاز الطبيعي الحر: موجود في حقول الغاز مثل حقل عكاز في الأنبار، والسيبة في البصرة، والمنصورية في ديالى.

وعلى الرغم من إطلاق عدة مشروعات كبرى، إلى جانب التعهدات الحكومية المتكررة بوقف الهدر، فإن العراق ما يزال يحرق كميات هائلة من هذا المورد القيّم، في مفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول كفاءة الإدارة، وجاهزية البنية التحتية، وقدرة السياسات الحالية على تحويل الوعود إلى واقع ملموس.

ويمثّل حرق الغاز المصاحب نزيفًا اقتصاديًا يُقدَّر بنحو 2.5 إلى 3 مليارات دولار سنويًا من الإيرادات التصديرية الضائعة، فضلًا عن خسارة فرص توليد ما يقارب 15 ألف ميغاواط من الكهرباء.

وبيئيًا، يطلق كل مليار متر مكعب من الغاز المحروق نحو 2.5 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، إضافة إلى ملوثات أخرى تؤثر في جودة الهواء والصحة العامة.

وفي هذا السياق, تقف بغداد اليوم عند تقاطع حساس بين الحاجة الملحّة للطاقة -لا سيما في قطاع الكهرباء- ونزيف اقتصادي وبيئي ناتج عن استمرار حرق الغاز المصاحب، رغم استثمارات تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات.

وتكمن الأهمية الخاصة للغاز المصاحب بجنوب العراق في احتوائه على نسب مرتفعة من سوائل الغاز الطبيعي، ما يرفع قيمته الاقتصادية مقارنة بالغاز الأكثر جفافًا في الشمال، الذي يتطلب بدوره عمليات معالجة ليكون صالحًا للاستعمال التجاري أو الصناعي.

حرق الغاز المصاحب في العراق

تعكس أرقام حرق الغاز المصاحب في العراق تناقضًا واضحًا بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، ففي عام 2024 بلغ حجم الحرق نحو 1.75 مليار قدم مكعبة يوميًا (18.18 مليار متر مكعب سنويًا)، وهو مستوى قياسي، رغم حديث الحكومة عن استثمار ما يقارب 70% من الكميات المنتَجة.

أما كثافة الحرق فقد شهدت تحسنًا نسبيًا من 12 مترًا مكعبًا لكل برميل نفط في 2020، إلى نحو 10 أمتار مكعبة في 2024، وهو تحسّن محدود لا يعكس تحولًا هيكليًا في إدارة المورد.

وتشير هذه الأرقام إلى حرق ما يقارب نصف الإنتاج المحلي، ما يسلّط الضوء على فجوة واضحة بين الطاقات التصميمية المعلنة، والاستعمال الفعلي على الأرض، لا سيما في ظل تعثر بعض المنشآت، أو نقص المواد الخام المغذية لوحدات المعالجة.

وفي سياق متصل، شهدت طاقة معالجة الغاز في العراق تحسنًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة؛ إذ ارتفعت من نحو 1.3 مليار قدم مكعبة يوميًا في عام 2023 إلى 2.1 مليار قدم مكعبة يوميًا في 2024، مدفوعة بدخول وحدات جديدة مثل "بي إن جي إل 2" التابعة لشركة غاز البصرة، ومصنع الفيحاء الذي تديره شركة "يو إي جي" الصينية.

ومع ذلك، بقي أثر هذه الزيادة محدودًا في خفض حرق الغاز المصاحب، نتيجة التأخير في تشغيل بعض المنشآت بطاقتها الكاملة، أو عدم تكامل شبكات الجمع والنقل.

ويُعدّ حقل الحلفاية النفطي مثالًا نسبيًا على النجاح، إذ انخفضت كميات الغاز المحروق إلى النصف بعد تشغيل مصنع بطاقة 300 مليون قدم مكعبة يوميًا في يونيو/حزيران 2024.

رئيس الوزراء ووزير النفط يفتتحان مشروع معالجة الغاز المصاحب في حقل الحلفاية
رئيس الوزراء ووزير النفط يفتتحان مشروع معالجة الغاز المصاحب في حقل الحلفاية - الصورة من الوزارة

جهود وقف حرق الغاز المصاحب في العراق

في إطار جهوده للحد من حرق الغاز المصاحب، انضم العراق في عام 2017 إلى مبادرة البنك الدولي لوقف حرق الغاز بحلول 2030، في خطوة عكست اعترافًا رسميًا بحجم المشكلة.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، وخلال مشاركته في مؤتمر الطاقة 2026، أشار رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى أن بلاده تستهدف وقف استيراد الغاز مع التوقف التامّ عن حرق الغاز المصاحب، بحلول عام 2028.

وفي 5 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلن وزير النفط حيان عبدالغني أن نسبة الغاز المستثمر وصلت إلى 74%، مؤكدًا عزم الحكومة إيقاف الحرق منتصف عام 2029، مع تنفيذ مشروعات جديدة خلال السنوات الـ3 التالية.

وأكد أن وزارة النفط تمكنت من إبرام تعاقدات على استثمار كميات الغاز التي تُحرَق في الوقت الحالي كلها، مضيفًا أن استثمار الغاز بطبيعته يحتاج إلى أوقات زمنية طويلة نسبيًا.

وأوضح عبدالغني أن الوزارة قسمت عملية استثمار الغاز إلى مرحلتين، المرحلة الأولى مدّتها نحو 3 سنوات، والمرحلة الثانية 5 سنوات، للتوقّف عن حرق الغاز بشكل كامل.

وفي 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلنت وزارة الكهرباء العراقية إيقاف حرق 71% من الغاز المصاحب المستخرج، واستعماله فعليًا في تشغيل المحطات، مع استخلاص مكونات مثل الميثان والإيثان والبروبان والبيوتان، في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة.

وبصفة خاصة، يعوّل العراق على مشروع نمو الغاز المتكامل، الذي تقوده توتال إنرجي بالشراكة مع نفط البصرة وقطر للطاقة، بهدف تطوير موارد الغاز واستغلالها.

ووفق بياناته لدى منصة الطاقة، يرتكز المشروع على إعادة تطوير حقل أرطاوي، وإنشاء "مركز أرطاوي غاز 25" بطاقة نهائية تبلغ 600 مليون قدم مكعبة يوميًا، على أن تبدأ المرحلة الأولى بطاقة 300 مليون قدم مكعبة مطلع عام 2026.

كما تواصل شركة غاز البصرة، بالشراكة مع شركتي شل وميتسوبيشي، لعب دور محوري في تقليص حرق الغاز المصاحب، بعدما رفعت طاقتها إلى 1.4 مليار قدم مكعبة يوميًا، بدعم تمويلي بلغ 360 مليون دولار في 2021.

وتسعى الشركة حاليًا إلى الحصول على قرض إضافي بقيمة 500 مليون دولار من مؤسسة التمويل الدولية (IFC) لتمويل توسعات جديدة.

لماذا يستمر حرق الغاز المصاحب؟

على الرغم من المليارات المستثمرة، فإن استمرار حرق الغاز المصاحب في العراق يعود إلى مزيج من العوامل، أهمها:

  • بطء تنفيذ المشروعات.
  • ضعف التنسيق المؤسسي.
  • غياب تسعير محفّز للغاز.
  • تحديات التمويل.
  • مخاطر التشغيل في بعض الحقول.
  • زيادة إنتاج النفط غالبًا ما تسبق جاهزية منظومات جمع ومعالجة الغاز.

وعلى ذلك، فإن تحويل الغاز المصاحب من عبء بيئي إلى رافعة تنموية في العراق لم يعد خيارًا، بل ضرورة اقتصادية وإستراتيجية تتطلب تسريع وتيرة تنفيذ المشروعات، واستكمال البنية التحتية، وإصلاح الإطار التشريعي، وتعزيز الشفافية، وربط إنتاج النفط بخطط إلزامية لجمع الغاز.

وحتى يتحقق ذلك، سيبقى سؤال: لماذا ما زال الغاز المصاحب يُحرق؟ حاضرًا بقوة في واحدة من أكثر مفارقات الطاقة إلحاحًا في العراق.

حرق الغاز المصاحب في الجزائر

شهدت الجزائر وليبيا تراجعًا في حرق الغاز المصاحب خلال 2024، وإن اختلفت الظروف والنتائج بين البلدين.

ففي الجزائر، انخفض حرق الغاز بنسبة 4% (نحو 0.3 مليار متر مكعب)، بالتوازي مع تراجع إنتاج النفط بنسبة 5%، ما أدى إلى زيادة كثافة الحرق بنسبة 2%، لتتجاوز 19 مترًا مكعبًا للبرميل، وهي من أعلى المعدلات عالميًا.

وأسهمت شركة سوناطراك -المنتج الرئيس للنفط والغاز في الجزائر- بنحو 80% من إجمالي حرق الغاز خلال 2024.

حقل تين فوي تبنكورت
مرافق غاز في الجزائر - الصورة من صفحة سوناطراك على فيسبوك

وعلى الرغم من تسجيل زيادات في الحرق داخل عدد من الحقول التي تشغّلها، بإجمالي 0.9 مليار متر مكعب، فإن إجمالي حجم الحرق لدى الشركة انخفض بنحو 0.2 مليار متر مكعب خلال 2024.

وسُجّل أكبر انخفاض في 8 مواقع رئيسة تديرها سوناطراك، شملت حقولًا ومحطات غاز طبيعي مسال، بإجمالي تراجع بلغ 0.8 مليار متر مكعب.

وكان أبرزها حقل تين فوي تابنكورت، الذي انخفض فيه الحرق بنسبة 36% بعد توقيع اتفاقية تاريخية في 2023 لمعالجة الغاز المصاحب عبر محطة معالجة قائمة تابعة لمشغّل حقل غاز مجاور، ما أتاح تصدير الغاز الذي كان يُحرق سابقًا باستعمال البنية التحتية المتاحة.

وتُمثل هذه التجربة الأولى من نوعها في الجزائر، وتفتح الباب أمام تكرار نماذج مماثلة في حقول أخرى، مثل عين أميناس وعدد من الحقول في منطقة بركين، في وقت أظهرت فيه مشروعات صغيرة نُفذت في محطات الغاز الطبيعي المسال نتائج مشجعة، مع انخفاض الحرق بأكثر من 30%.

حرق الغاز المصاحب في ليبيا

أما في ليبيا فقد تراجع حرق الغاز المصاحب بنسبة 8% في 2024، بعد قفزة حادة بلغت 25% في 2023، بحسب الأرقام الواردة في تقرير البنك الدولي.

ويُعزى هذا الانخفاض أساسًا إلى إغلاق عدد من الحقول النفطية الرئيسة خلال النصف الثاني من العام بسبب الاضطرابات السياسية والمظاهرات، كما أسهم انخفاض إنتاج النفط بنسبة 5%، في تراجع كثافة الحرق بنسبة 3%.

وأعلنت مؤسسة النفط في ليبيا تحقيق خفض مهم في كميات الغاز المحروق، تجاوز 100 مليون قدم مكعبة يوميًا، في عام 2025، بعد تنفيذ حزمة مشروعات إستراتيجية بالتعاون مع الشركات التابعة، وفي إطار خطة متكاملة لتعظيم الاستفادة من الغاز المصاحب.

وجاءت في مقدمة هذه الشركات شركة سرت لإنتاج وتصنيع النفط والغاز، التي شهدت تنفيذ 3 مشروعات رئيسة.

وشمل المشروع الأول تحسين آلية نقل مكثفات حقل الحطيبة عبر ضخها في خط بقطر 16 بوصة بدلًا من خط منخفض الضغط بقطر 30 بوصة، الأمر الذي حدّ من تحوّل المكثفات إلى الحالة الغازية ومن ثم حرقها في الشعلة.

أما المشروع الثاني فاستهدف تحويل وضخ نحو 60 مليون قدم مكعبة يوميًا من الغاز، بواقع 38 مليون قدم مكعبة من حقل اللهيب و22 مليون قدم مكعبة من حقل الراقوبة، إلى الخط الرئيس المغذي للشبكة الساحلية، عبر تحويرات فنية أتاحت الاستفادة من هذه الكميات بدلًا من حرقها.

في حين تمثّل المشروع الثالث في إعادة تأهيل منظومة فصل الغاز المصاحب بحقل اللهيب، التي أسهمت في فصل نحو 12 مليون قدم مكعبة يوميًا من الغاز عالي الضغط، واستعماله في عمليات الرفع بالغاز داخل الحقل.

وامتدت جهود خفض الحرق إلى شركة السرير للعمليات النفطية، التي نجحت في معالجة نحو 25 مليون قدم مكعبة يوميًا من الغاز بعد تحويرات فنية وتشغيل ضاغط بالمنطقة التعاقدية (91) قرب إجخرة، إلى جانب إنتاج 1800 برميل يوميًا من المكثفات.

كما خفّضت شركة الواحة للنفط حرق نحو 20 مليون قدم مكعبة يوميًا في حقل الدفة الشمالية عبر صيانة وتشغيل ضاغط الغاز.

وتستهدف المؤسسة خلال عام 2026 خفض حرق نحو 120 مليون قدم مكعبة يوميًا، والوصول إلى تقليص الحرق بنسبة 60%، تمهيدًا لتحقيق الحرق شبه الصفري بحلول 2030، ضمن خطة واضحة تتماشى مع التزامات ليبيا المناخية وانضمامها إلى اتفاقية باريس للمناخ.

موضوعات متعلقة..

نرشّح لكم..

المصادر:

  1. تقرير تطورات حرق الغاز المصاحب عالميًا من "البنك الدولي"
  2. إطلاق مشروع "أرطاوي غاز 25" من شركة توتال إنرجي
  3. خفض حرق الغاز المصاحب في ليبيا خلال 2025 من مؤسسة النفط الليبية
إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق