الحقول المشتركة بين موريتانيا والسنغال.. خريطة جديدة للطاقة في غرب أفريقيا
وحدة أبحاث الطاقة - واشنطن

تشكّل الحقول المشتركة بين موريتانيا والسنغال محور اهتمام متزايد في أسواق الطاقة العالمية، مع دخول البلدين مرحلة جديدة من التعاون في استغلال الموارد البحرية العميقة.
ويُنظر إلى هذا الملف بوصفه تحولًا إستراتيجيًا يمنح نواكشوط وداكار موقعًا متقدمًا بين الدول الصاعدة في إنتاج الغاز الطبيعي المسال، لا سيما في ظل التحولات الجيوسياسية المرتبطة بأمن الطاقة العالمي وتراجع الاعتماد على الإمدادات التقليدية.
ووفقًا لقاعدة بيانات حقول النفط والغاز لدى منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، تقع الحقول المشتركة بين موريتانيا والسنغال بالمنطقة البحرية بين البلدين، التي تصنّف بأنها واحدة من أغنى الأحواض غير المستغلة بالكامل من ناحية احتياطيات الغاز القابلة للتطوير التجاري.
وتسعى حكومات غرب أفريقيا إلى أداء دور أكبر في سوق الغاز العالمية، تماشيًا مع توجُّه القوى الاقتصادية نحو تنويع مصادر الإمداد.
ويأتي هذا التوجه في وقت تعمل فيه الشركات الدولية على توسيع نطاق أعمالها في الحوض الأطلسي، بحثًا عن مواقع إنتاج قادرة على تعويض النقص المحتمل في صادرات الغاز التقليدية.
ويُتوقع أن يؤدي نجاح التعاون الثنائي في إدارة الحقول المشتركة بين موريتانيا والسنغال إلى تعزيز قدرة البلدين على التفاوض في عقود التصدير طويلة الأجل، مع توفير عوائد مالية تُسهم في تمويل البنية التحتية وشبكات الكهرباء والصناعات التحويلية المرتبطة بقطاع الطاقة.
ويُنظر إلى هذا النموذج بوصفه تحالفًا اقتصاديًا يعزز الاستقرار الإقليمي ويحدّ من التنافس السلبي على الموارد الطبيعية.
حقل تورتو أحميم
يُعدّ حقل تورتو أحميم "جي تي إيه" (GTA) أبرز تجسيد عملي لفكرة الحقول المشتركة بين موريتانيا والسنغال، إذ يمتدّ على خط الحدود البحرية مباشرة، ما استدعى ترتيبات دقيقة لضمان تقاسم الحقوق والعوائد.
ووفقًا لبيانات منصة الطاقة المتخصصة، يُقدّر احتياطي الحقل بأكثر من 15 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، وهو ما يمنحه مكانة بين أكبر الحقول البحرية في القارة.
ويعتمد مشروع تطوير الحقل على منشآت إسالة عائمة قادرة على معالجة الغاز في موقع الإنتاج مباشرة، ما يقلل التكاليف ويمنح مرونة في التصدير إلى أسواق متعددة دون الحاجة إلى بنية تحتية برية ضخمة.
وقد صُمّم المشروع بما يتماشى مع المعايير البيئية الدولية لتقليل الانبعاثات خلال عمليات الإنتاج والمعالجة.

استثمارات دولية في قلب الأطلسي
تشغّل شركتا بي بي البريطانية وكوزموس إنرجي الأميركية (Kosmos Energy) موقع القيادة في تطوير هذا الحقل، بالشراكة مع الشركتين الوطنيتين في موريتانيا والسنغال.
وتمتلك شركة بي بي -المشغّلة- حصة 56% من أسهم رخصة حقل غاز تورتو أحميم الكبير، إلى جانب كوزموس إنرجي بنسبة 27%، والشركة الموريتانية للمحروقات (SMH) %7، وشركة النفط الوطنية في السنغال بتروسين (Petrosen) 10 %.
وتُجسّد هذه الشراكة نموذجًا للمشروعات العابرة للحدود التي تجمع بين رأس المال الدولي والموارد المحلية، بما يعزز الجدوى الاقتصادية للمشروع، وأسهم بتسريع دخوله مرحلة الإنتاج التجاري.
وتشير تحليلات قطاع الطاقة إلى أن نجاح هذا النموذج سيُشجّع على تطوير الحقول المشتركة بين موريتانيا والسنغال في مناطق أخرى من الحوض ذاته، لا سيما مع تزايد الاهتمام العالمي بمصادر الغاز منخفضة التكلفة والقريبة من ممرات الشحن الدولية المؤدية إلى أوروبا وآسيا.

عوائد الحقول المشتركة بين موريتانيا والسنغال
وضعت الحكومتان آليات مُلزِمة لتوزيع العوائد مناصفة، مع بنود واضحة تتعلق بالشفافية المالية وتبادل البيانات الفنية. ويُعدّ هذا الإطار التعاوني عنصرًا مهمًا في استقرار المشروعات البحرية، إذ يضمن تجنُّب النزاعات الحدودية ويمنح المستثمرين الثقة في استدامة بيئة العمل.
ويُنظَر إلى الاتفاقيات المنظمة لتطوير الحقول المشتركة بين موريتانيا والسنغال على أنها إحدى أكثر النماذج نضجًا في غرب أفريقيا، مقارنة ببعض الحالات الأخرى التي شهدت خلافات بين الدول حول آليات توزيع الموارد.
وحسب أحدث بيانات وحدة أبحاث الطاقة، بلغت صادرات الغاز المسال من حقل تورتو أحميم المشترك، نحو 703 آلاف طن خلال المدة من يناير/كانون الثاني حتى نهاية مارس/آذار 2026، مقابل 42 ألف طن فقط في الربع نفسه من عام 2025، الذي بدأت فيه البلاد التصدير.
وتراهن نواكشوط على هذا المشروع للانتقال من دولة ذات نشاط استكشافي محدود إلى لاعب فعلي في سوق الغاز المسال.
وتخطط الحكومة لتوجيه جزء من العوائد إلى تمويل مشروعات الكهرباء عبر الغاز وربط المدن الساحلية بشبكات طاقة موثوقة، مع تطوير مرافئ قادرة على استقبال ناقلات الغاز العملاقة.

وتركّز السنغال على استثمار حصتها من الإنتاج لتقليل كُلف الطاقة الصناعية، وتوسيع قاعدة الصناعات القائمة على الغاز مثل محطات توليد الكهرباء والبتروكيماويات وإنتاج الهيدروجين الأزرق مستقبلًا.
ويرتبط هذا التوجه برؤية اقتصادية تهدف لتحويل البلاد إلى منصة إمداد طاقية لمنطقة غرب أفريقيا.
مستقبل الحقول المشتركة بين موريتانيا والسنغال
يرى محللون أن نجاح نموذج الحقول المشتركة بين موريتانيا والسنغال قد يدفع البلدين إلى توسيع نطاق التعاون ليشمل حقولًا جديدة محتملة في الحوض نفسه، ولا سيما مع استعداد شركات الطاقة الدولية لضخّ استثمارات إضافية إذا ثبتت الجدوى الجيولوجية والاقتصادية للمناطق المجاورة.
موضوعات متعلقة..
- مشروع تورتو أحميم للغاز المسال في موريتانيا يبدأ التشغيل التجاري
- أحدث بيانات صادرات موريتانيا من الغاز المسال
نرشّح لكم..
المصادر:





