النفايات النووية في بريطانيا تتراكم.. وخطة لزيادة عدد المفاعلات المعيارية الصغيرة (تقرير)
نوار صبح
على الرغم من تراكم النفايات النووية في بريطانيا، تعتزم البلاد زيادة عدد المفاعلات المعيارية الصغيرة، ضمن مساعي تعزيز قدرات توليد الكهرباء من هذا المصدر.
في هذا الإطار، يرى وزير أمن الطاقة والحياد الكربوني البريطاني، إد ميليباند، أن هذه كانت الإعلانات التي كان يتوق إلى إصدارها لسنوات، وفقًا لما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
وصرّح وزير الطاقة، في وقت سابق من هذا العام ،بأن بريطانيا تدخل عصرًا ذهبيًا جديدًا للطاقة النووية، وتعهَّد بتذليل عقبات التخطيط، ملتزمًا ببناء جيل من المفاعلات المعيارية الصغيرة.
وقد لاقى هذا الإعلان ترحيبًا واسعًا، إذ تعاقد ميليباند مع شركة رولز رويس (Rolls-Royce) لبناء أول مفاعل نووي صغير في جزيرة أنجلسي بمقاطعة ويلز، وبدأ المنافسون بالتخطيط لمفاعلاتهم المعيارية الصغيرة في جميع أنحاء بريطانيا.
قضية تراكم النفايات النووية في بريطانيا
وسط الترويج للعصر الذهبي والضجة السياسية، تبقى قضية تراكم النفايات النووية في بريطانيا عالقة دون حل، وهو أمر محرج.
وإذا بُنِيَت جميع المفاعلات الجديدة المخطط لها، بالإضافة إلى المفاعلات العملاقة قيد الإنشاء في هينكلي بمقاطعة سومرست وسيزويل بمقاطعة سوفولك، فسيتعيّن على بريطانيا إيجاد حلٍّ للتخلص من كميات كبيرة من النفايات المشعّة.
ويُهدد هذا الوضع بتفاقم مشكلةٍ كبيرةٍ حاليًا تشهدها بريطانيا، إذ تواجه البلاد فاتورةً باهظةً تبلغ 216 مليار جنيه إسترليني (292.92 مليار دولار) للتخلص من نفايات محطات الطاقة القائمة، ومن المتوقع أن تستغرق هذه المهمة أكثر من قرن.
(الجنيه الإسترليني = 1.36 دولارًا أميركيًا)

وقد شكّلَ التخلص من النفايات المشعّة معضلةً لقطاع الطاقة النووية في بريطانيا على مدى 7 عقود، واليوم، يتوقف الكثير على طريقة تعامل حزب العمال مع هذه المشكلة.
ويوجد نحو 137 ألف متر مكعب من النفايات النووية في بريطانيا موزعة على عشرات المواقع -بما في ذلك سيلافيلد، وهو المرفق الرئيس للنفايات النووية في البلاد على ساحل كمبريا- في انتظار قرار وزاري بشأن أفضل السبل للتخلص منها.
من ناحية ثانية، فإن جزءًا كبيرًا من هذه النفايات -يكفي لملء قاعة ألبرت الملكية مرة ونصفًا- ظلَّ مُكدّسًا منذ ستينيات القرن الماضي.
تفكيك محطات الطاقة النووية الحالية والسابقة
في العقود القليلة المقبلة، من المتوقع أن يرتفع حجم النفايات النووية في بريطانيا إلى 4.5 مليون متر مكعب، أي بزيادة قدرها 30 ضعفًا، وسط تفكيك محطات الطاقة النووية الحالية والسابقة، وهذا يكفي لملء 4 ملاعب كرة قدم مثل ملعب ويمبلي.
أمّا بالنسبة للنفايات الأكثر سخونة -نحو 750 ألف متر مكعب-، فالخطة هي دفنها في مستودع تحت الأرض، بحسب متابعة منصة الطاقة المتخصصة.
ومن المرجّح حفر نفق في قاع البحر قبالة كمبريا، وتقرّ هيئة تفكيك المنشآت النووية بأن هذه المهمة ستستغرق حتى عام 2130 على الأقل، وستُكلّف ثروة طائلة.
قد يزداد الأمر صعوبةً مع تزايد مشروعات الطاقة النووية الجديدة، التي تُنذر بخطر إنتاج نفايات أكثر سخونةً وأطول عمرًا، وربما أصعب في التعامل معها من تلك الناتجة عن المشروعات السابقة.
وقد بلغ استياء بعض العاملين في هذا القطاع حدًا لا يُطاق، بمن فيهم كبير مستشاري الحكومة لشؤون الطاقة النووية.
وانتقد رئيس فرقة العمل المعنية بمراجعة التنظيم النووي، جون فينغلتون، الأسبوع الماضي، سجّل بريطانيا في التعامل مع النفايات النووية، محذرًا من أنه يُهدد بتقويض المشروع النووي برمّته.
ويقول، إنه منذ خمسينيات القرن الماضي، بُنِيَ 11 نوعًا مختلفًا من المفاعل نفسه، ينتج عنها 11 نوعًا مختلفًا من النفايات، ما خلق مشكلة نفايات كارثية.
ويشير فينغلتون إلى أن خطط تخزين النفايات في أعماق الأرض قيد المناقشة منذ 40 عامًا.
ويرى أنه على الحكومة اتخاذ قرار بشأن إنشاء منشأة دفن جيولوجي عميق والمضي قدمًا في ذلك، لأن مجرد مناقشة مكان وضعها، بدلًا من بنائها، أمر غير مقبول.
ويُعدّ هذا أحدث تحذير ضمن سلسلة تحذيرات تعود لعقود مضت.
بناء المفاعلات النووية
في عام 1976، أوصت اللجنة الملكية المعنية بالتلوث البيئي المملكة المتحدة بالتوقف عن بناء المفاعلات النووية إلى حين وجود مكان للتخلص الدائم من النفايات. وبعد ذلك بوقت قصير، كُلِّف السياسيون بإنشاء محطة سايزويل بي الكهربائية في سوفولك.
وبعد مرور 50 عامًا بالضبط، ما تزال منشأة التخلص الدائم من النفايات النووية في بريطانيا غائبة، ومع ذلك يمضي حزب العمال قدمًا في خطط إنشاء المزيد من المواقع النووية.
وزعم رئيس الوزراء البريطاني، السير كير ستارمر، أن الموافقة على عشرات المفاعلات النووية الصغيرة خطوة ضرورية.
وقال رئيس الوزراء في أواخر العام الماضي، إنه حكومته تضع المملكة المتحدة على المسار الصحيح نحو عصر ذهبي للطاقة النووية من شأنه أن يخفض فواتير الكهرباء للأسر.
رغم ذلك، يتساءل بعضهم عن جدوى هذا النوع من المفاعلات في ظل غياب لإستراتيجية واضحة للتخلص من النفايات النووية في بريطانيا.

نفايات المفاعلات المعيارية الصغيرة
يزعم الخبراء أن المفاعلات المعيارية الصغيرة والمفاعلات المعيارية المتقدمة المخطط لها قد تُنتج كميات أكبر من النفايات مقابل القدرة الإنتاجية نفسها.
ويُعدّ الأمر بسيطًا من الناحية الفيزيائية: المفاعلات الأصغر حجمًا لها مساحة سطح أكبر نسبيًا، ما يؤدي إلى تسرب كمية أكبر من الإشعاع الداخلي.
وعندما يصل هذا الإشعاع إلى المعدّات والمباني المحيطة، تصبح هي الأخرى شديدة الإشعاع.
بالمثل، تضمنت ورقة بحثية حديثة شاركت في تأليفها الرئيسة السابقة لهيئة التنظيم النووي الأميركية، البروفيسورة أليسون ماكفارلين، تحذيرًا من أن المفاعلات النووية الصغيرة ستزيد حجم النفايات النووية التي تحتاج إلى إدارة وتخلص منها بمقدار يتراوح بين ضعفين إلى 30 ضعفًا.
وقالت الشراكة الأوروبية لإدارة النفايات المشعّة (يورا) الشهر الماضي، إن هناك فجوة واضحة في الأدلة المتعلقة بالإدارة الآمنة والموثوقة لهذه النفايات.
وأضافت أن عدم معالجة هذه المواضيع قد تكون له عواقب وخيمة وبعيدة المدى، وقد يؤدي إلى زيادات كبيرة في التكاليف.
وبالنسبة لبريطانيا، التي ستنفق مليارات على مفاعلات جديدة، سيكون التخطيط الدقيق أمرًا بالغ الأهمية لتجنُّب تحميل الأجيال المقبلة فاتورة باهظة.
ويقول خبير الإشعاع بجامعة ساسكس المستشار لدى وزارة الدفاع، بول دورفمان، بشأن تفكيك الغواصات النووية، إن هذا لا يحدث.
ويشير إلى أن قائمة وزارة أمن الطاقة والحياد الكربوني البريطانية تُغفل النفايات الناتجة عن محطتي هينكلي وسيزويل النوويتين الجديدتين، وعن أيّ مفاعلات نووية صغيرة معيارية ستُبنى.
وهذا يعني أن كمية نفايات النووية في بريطانيا التي ذكرها الوزراء، والبالغة 4.5 مليون متر مكعب، يُرجَّح أن تكون أقل من الواقع.
ويقول دورفمان، إن الأمر لا يقتصر على حجم النفايات، بل يشمل مدى إشعاعها، وهذه البيانات مفقودة.
وتعمل هذه المفاعلات الجديدة بنظام يُحفظ فيه وقود اليورانيوم لمدة أطول، ويُحرَق عند درجات حرارة أعلى بكثير، ما يجعل الوقود الناتج أكثر سخونة وسمّية.
ويزعم دورفمان أن نقص البيانات يرقى إلى مستوى التضليل.
بدورها، تؤكد رابطة الصناعة النووية أن كميات النفايات الناتجة عن المفاعلات قليلة ويمكن التحكم بها، وأن الصناعة ستتحمّل تكلفتها، وإن كان ذلك من خلال فواتير الكهرباء.
من جانبها، تقول وزارة أمن الطاقة والحياد الكربوني، إن عملها سيُغيّر مسار عدم إنشاء محطات طاقة نووية جديدة، ما يُمهّد الطريق لعصر ذهبي للطاقة النووية.
موضوعات متعلقة..
- النفايات النووية تضاعف إنتاج الهيدروجين 10 مرات.. ابتكار إماراتي
- تكلفة تخزين النفايات النووية تحت الأرض قد ترتفع 50%.. لمدّة 150 عامًا
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن تداعيات الحرب الإسرائيلية الإيرانية على قطاع الطاقة
- مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية في الربع الأول 2026 (ملف خاص)
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة
المصدر:





