تخزين الغاز في مصر.. حل متأخر تفرضه حرب إيران (مقال)
أحمد بدر

لم يعد تخزين الغاز في مصر خيارًا قابلًا للتأجيل، بل ضرورة تفرضها تطورات متسارعة في أسواق الطاقة العالمية، خاصةً مع تداعيات الحرب على إيران التي أربكت الإمدادات ورفعت الأسعار، واضعةً الدول المستوردة أمام اختبار صعب.
وتواجه القاهرة تحديات متزايدة في تأمين احتياجاتها من الغاز الطبيعي، بعد أن تحولت من دولة مصدّرة إلى مستوردة خلال مدة قصيرة، مدفوعة بارتفاع الطلب المحلي، خاصةً في قطاع الكهرباء الذي يمثّل العمود الفقري للاستهلاك.
ويظهر تخزين الغاز في مصر اليوم بوصفه أداة إستراتيجية قادرة على امتصاص الصدمات المفاجئة، خصوصًا مع تكرار سيناريوهات توقُّف الإمدادات، مثلما حدث مع الغاز الإسرائيلي، ما كشف هشاشة الاعتماد على مصادر خارجية في أوقات الأزمات.
ومع تصاعد الضغوط على شبكة الكهرباء، لجأت الحكومة إلى إجراءات استثنائية لترشيد الاستهلاك، وهو ما يعكس حجم الأزمة، ويطرح تساؤلات حول غياب حلول هيكلية طويلة الأمد، وفي مقدّمتها التوسع في قدرات التخزين.
الحرب الأميركية على إيران
يكتسب تخزين الغاز في مصر أهمية مضاعفة في ظل الحرب الأميركية على إيران، التي أدت إلى اضطراب الأسواق العالمية، وارتفاع الأسعار الفورية، وزيادة المخاطر المرتبطة بمرور الشحنات عبر الممرات البحرية الحيوية.
وبلغت واردات مصر من الغاز المسال نحو 8.91 مليون طن خلال 2025، بزيادة ضخمة تجاوزت 220% مقارنة بعام 2024، وهو ما يعكس اعتمادًا متزايدًا على الأسواق الخارجية لتلبية الطلب المحلي المتنامي.
لذلك، فإن تخزين الغاز في مصر يمكن أن يحدّ من هذا الاعتماد المتزايد، عبر تكوين احتياطي إستراتيجي يُستعمَل عند الأزمات، بدلًا من اللجوء إلى السوق الفورية بأسعار مرتفعة، خاصةً في ظل تقلبات جيوسياسية حادة.

وتعتمد القاهرة بشكل كبير على واردات الغاز من الولايات المتحدة، التي تمثّل أكثر من 90% من إجمالي الإمدادات، وهو الأمر الذي يضيف بُعدًا جيوسياسيًا جديدًا إلى معادلة أمن الطاقة في البلاد.
وقد يخفف تخزين الغاز في مصر من تأثير توقُّف الإمدادات المفاجئ في أمن الطاقة لدى القاهرة، كما حدث عند إغلاق حقل ليفياثان الإسرائيلي، الذي شكّل صدمة حقيقية للسوق المحلية، رغم وجود عقود طويلة الأجل بين الطرفين.
وعلى الرغم من أن تعزيز قدرات إعادة التغويز عبر نشر وحدات عائمة في العين السخنة كان خطوة موفّقة من جانب الدولة، فإن هذه الخطوة تظل غير كافية دون وجود منظومة تخزين قادرة على استيعاب الفوائض خلال فترات انخفاض الطلب.
وتؤكد هذه المعطيات أن أمن الغاز في مصر لم يعد مرتبطًا فقط بتأمين الإمدادات، بل يرتبط بشكل أكبر بقدرة الدولة على إدارتها بكفاءة، وهو ما يجعل التخزين عنصرًا أساسيًا في أيّ إستراتيجية طاقة مستقبلية.
خط الدفاع الأول ضد أزمات الكهرباء
تشير كل المعطيات إلى أن تخزين الغاز في مصر يمثّل خط الدفاع الأول ضد أزمات الكهرباء المتكررة، التي تضطر الحكومة إلى اتخاذ إجراءات قاسية لمواجهتها، مثل تقليل الأحمال وفرض قيود على الاستهلاك في مختلف القطاعات.
وبنيت هذه الرؤية على ما شهدته البلاد مؤخرًا من قرارات بإغلاق المحال التجارية في تمام التاسعة مساءً، في محاولة لخفض الاستهلاك الكهربائي، وهو إجراء يعكس الضغط الكبير على الشبكة نتيجة نقص الوقود اللازم للتشغيل.
وينظر الخبراء والمتخصصون إلى تخزين الغاز في مصر بأنه خطوة تمنع تكرار هذه السيناريوهات، عبر توفير احتياطي يُستخدم خلال أوقات الذروة، بدلًا من اللجوء إلى حلول مؤقتة تؤثّر في النشاط الاقتصادي وحياة المواطنين اليومية.

في الوقت نفسه، لجأت الحكومة إلى خفض استهلاك الوقود في القطاع الحكومي بنسبة تصل إلى 30%، إلى جانب تأجيل بعض المشروعات كثيفة الاستهلاك، محاولة لتقليل الضغط على الموارد المتاحة.
لذلك، فإن تخزين الغاز يتيح أيضًا مرونة أكبر في إدارة الطلب، من خلال ضخ كميات إضافية عند الحاجة، دون التأثر بتقلبات السوق أو تأخُّر الشحنات، وهو ما يعزز استقرار الشبكة الكهربائية.
ومن بين الإجراءات الأخرى، تطبيق نظام العمل عن بُعد يومًا أسبوعيًا، وتقليل إنارة الطرق والإعلانات، وهي خطوات تؤكد أن الأزمة تتطلب حلولًا جذرية، وليس فقط إجراءات ترشيد مؤقتة.
وفي هذا السياق، يصبح التخزين ضرورة إستراتيجية، وليس مجرد خيار يمكن تأجيل، فهو يضمن استمرار الإمدادات، ويحمي الاقتصاد من تبعات انقطاع الكهرباء، خاصة خلال أشهر الصيف التي تشهد ذروة الاستهلاك.
وفورات اقتصادية ملموسة
لا يقتصر تأثير تخزين الغاز في مصر على تحقيق استقرار الإمدادات فحسب، بل يمتد إلى تحقيق وفورات اقتصادية ملموسة، عبر تقليل الحاجة إلى شراء الغاز بأسعار مرتفعة خلال أوقات الأزمات العالمية.
فعندما تمتلك الدولة احتياطيًا كافيًا، يمكنها تقليل الاعتماد على السوق الفورية، التي تشهد تقلبات حادة، ما ينعكس إيجابيًا على فاتورة الاستيراد، ويخفف الضغط على العملة الأجنبية.
إن تخزين الغاز في مصر يسهم كذلك في تقليل استهلاك الوقود البديل، مثل المازوت والسولار، المستعمَلَين في توليد الكهرباء عند نقص الغاز، وهو ما يقلل التكلفة الإجمالية للإنتاج الكهربائي.
وهذا التوفير ينعكس بدوره على استقرار أسعار الوقود في السوق المحلية، حيث لا تضطر الحكومة إلى رفع الأسعار لتعويض تكاليف الاستيراد المرتفعة، ما يحمي المواطنين من أعباء إضافية.

في الوقت نفسه، يمنح تخزين الغاز في مصر صانع القرار مساحة أوسع للتحكم في السوق، عبر إدارة العرض والطلب بشكل أكثر كفاءة، بدلًا من التفاعل مع الأزمات بشكل لحظي وطارئ.
وتشير الدراسات إلى أن التخزين يمكن أن يكون عبر عدّة طرق، منها الحقول المستنفدة والكهوف الملحية، وهي تقنيات أثبتت فعاليتها في العديد من الدول التي تسعى لتعزيز أمنها الطاقي.
في النهاية، يبدو أن التأخر في تبنّي هذا الحل لم يعد مقبولًا، خاصة في ظل تكرار الأزمات، ما يجعل الإسراع في تنفيذ مشروعات التخزين خطوة حتمية لضمان استقرار الطاقة في مصر مستقبلًا.
أحمد بدر - صحفي متخصص في مجال الطاقة، ونائب مدير تحرير منصة الطاقة المتخصصة
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- تخزين الغاز خارج المنطقة العربية فرصة لـ3 دول خليجية
- أكبر 10 دول في تخزين الغاز تحت الأرض عالميًا
- سعة تخزين الغاز تحت الأرض ترتفع إلى 424 مليار متر مكعب
اقرأ أيضًا..
- مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية في 2025 (ملف خاص)
- الهيدروجين في الدول العربية (ملف خاص)
- صفقات النفط في الدول العربية (ملف خاص)





