كهرباءالحرب الإسرائيلية الإيرانيةتقارير الكهرباءرئيسيةسلايدر الرئيسيةقطاع الكهرباء في الدول العربيةملفات خاصة

حرب إيران وقطاع الكهرباء بـ5 دول عربية.. الصدمة كشفت التصدعات (مقال)

مقال خاص ضمن تغطية الحرب

اقرأ في هذا المقال

  • معاناة كبيرة في قطاع الكهرباء بالعديد من الدول العربية رغم تحذيرات سابقة بضرورة الإصلاح والتطوير والانتباه إلى مخاطر هيكلية كانت تستوجب سرعة التحرك
  • في لبنان... المولدات كبديل لشركة الكهرباء غير متاح للكثيرين بشكل متزايد مع ارتفاع أسعار الديزل وتكاليف الشحن.
  • العراق.. تعتمد شبكة الكهرباء بنسبة كبيرة على واردات الغاز من إيران، وهي نقطة ضعف تطورت الآن إلى أزمة حادة
  • الكويت.. إصلاحات هيكلية محدودة في شبكات الكهرباء ومحطات التوليد، زادتها سوءًا الهجمات الإيرانية على البنية التحتية
  • الأردن والمغرب.. اعتماد كبير على الوقود والغاز المستورد، ومع محدودية الموارد المحلية البديلة فإن الضغط المالي سيطال الدولة والمستهلكين على حدّ سواء

تواجه معظم الدول العربية تحديًا مزمنًا منذ ما قبل التصعيد بين إيران والولايات المتحدة بمدّة طويلة: وهو تقادم شبكات الكهرباء، فقبل الصواريخ والطائرات المسيرة، كانت علامات التحذير واضحة: طلب هائل على الكهرباء، وميزانيات عامة مقيدة، واعتماد مفرط على واردات الوقود، وتعرفات مدعومة.

فمن شوارع بيروت وبغداد المظلمة إلى انقطاعات الكهرباء الصيفية في الكويت، والضغوط المالية في المغرب والأردن، تسير المنطقة مباشرة نحو أزمة كهرباء أعمق.

وبينما ضاعفت التوترات الجيوسياسية من حجم الضغوط، يظل لُبّ المشكلة هيكليًا؛ إذ أدى غياب إصلاح قطاع الكهرباء إلى كشف نقاط ضعف بنيوية بمعظم أنظمة الكهرباء العربية.

الصدمة التي كشفت التصدعات

لقد أدى الصراع إلى صدمة طاقة هائلة عطّلت الأسواق العالمية وهددت الاستقرار الاقتصادي، كما كشف تأثيرها عن هشاشة أنظمة الكهرباء في معظم الدول العربية، حيث تتلاقى الآن مخاطر البنية التحتية مع تأخُّر الإصلاحات لتخلق أزمة كهرباء خانقة.

وبسبب الحرب، يواجه العالم ضربة مزدوجة في قطاع الطاقة: تعطُّل نقطة اختناق بحرية حيوية في مضيق هرمز، بالتزامن مع هجمات استهدفت مراكز بنية تحتية للطاقة عالية التركيز في الخليج.

يعدّ مضيق هرمز نقطة اختناق حيوية لتدفقات الطاقة العالمية، حيث يعمل بصفته طريق تصدير رئيسًا لمنتجي النفط في الخليج والمنفذ البحري الوحيد للخام العراقي والإيراني.

وقد تسبَّب الصراع في اضطراب ما يقارب من 20% من تجارة الطاقة العالمية التي تمرّ عبر المضيق، ما دفع أسعار النفط لتجاوز 100 دولار للبرميل.

وتأتي ثلاثة أرباع الشحنات المارة عبر مضيق هرمز من السعودية والعراق والإمارات، وتعدّ الصين المستورد الأكبر، حيث تتلقى نحو ثلث هذه التدفقات.

أمّا المتلقون الرؤساء الآخرون فهم دول آسيوية وأوروبية، وبينما تستطيع بعض الدول الأوروبية تنويع مصادر إمداداتها، يظلّ العديد من الاقتصادات الآسيوية معتمدًا بشكل كبير على هذا الممر.

إن محدودية الطرق البديلة وطول أوقات الشحن تجعل من الاضطرابات أمرًا جسيمًا، مما يضاعف المخاطر عبر أسواق الطاقة العالمية وسلاسل التوريد، رغم جهود مثل سحب 400 مليون برميل من الاحتياطيات الإستراتيجية، وهو أكبر سحب في التاريخ.

علاوة على ذلك، تعتمد أسواق النفط والغاز العالمية على مراكز محدودة وعالية التركيز، فالهجمات على منشأة "بقيق" السعودية -وهي أكبر محطة في العالم لمعالجة النفط الخام-، و"رأس لفان" في قطر -أكبر مجمع للغاز الطبيعي المسال في العالم-، ومصفاة "الرويس" في الإمارات، وغيرها من المنشآت في دول الخليج، تؤثّر سلبًا في الإمدادات العالمية، مما يجعل الاضطرابات ذات أثر بالغ.

حرب إيران وقطاع الكهرباء

بالنسبة لأنظمة الكهرباء في المنطقة التي تعتمد بشكل كبير على النفط والغاز، تأثرت تكلفة الإبقاء على الأضواء مشتعلة بشكل مباشر، ولم يقتصر ذلك على الدول المستوردة للطاقة فحسب، بل شمل أيضًا بعض الدول المصدّرة التي تعاني من مشكلات كهرباء مزمنة.

لقد أخّرت الحرب الإصلاحات الضرورية وقلّصت القدرة المالية على تنفيذ بعضها، أو زيادة قدرة توليد الطاقة، أو تحسين الشبكات.

بالإضافة إلى ذلك، ومع ارتفاع أسعار الوقود، تزداد تكاليف التوليد، وتجد الحكومات التي قدّمت تاريخيًا كهرباء رخيصة جزءًا من عقودها الاجتماعية نفسها فجأة أمام خيار مستحيل: إمّا استيعاب التكلفة من خلال دعم لا تكاد تقوى عليه، أو تحميلها للمستهلكين الذين يواجهون تراجعًا في قدرتهم الشرائية، أو ببساطة تقليل الإمدادات وزيادة ساعات القطع.

لبنان.. قطاع كهرباء جاثٍ على ركبتيه

لا يوجد مكان يجسّد الخيار الأخير أكثر من لبنان، فقد كانت مؤسسة كهرباء لبنان الحكومية تلبي أقل من نصف الطلب الوطني حتى قبل بدء الحرب، ورغم تراجع نسبة كبيرة من الطلب بسبب الصراع في لبنان، ما كان من الممكن أن يتيح زيادة في الإمدادات، فإن الارتفاع الحادّ في تكاليف الوقود حال دون حدوث أيّ تحسُّن من هذا القبيل، وعمليًا، تقلصت الإمدادات بشكل أكبر.

تاريخيًا، سُدَّت الفجوة من خلال شبكة من المولدات الخاصة التي تعمل بالديزل -وهي مكلفة وملوثة-، أو مؤخرًا عبر أنظمة الطاقة الشمسية الموزعة على الأسطح في أعقاب الأزمة المالية اللبنانية عام 2019.

واليوم، تصبح المولدات كبديل لشركة الكهرباء غير متاح للكثيرين بشكل متزايد مع ارتفاع أسعار الديزل وتكاليف الشحن وأقساط التأمين وسط عدم الاستقرار الإقليمي.

تمتد أزمة الكهرباء في لبنان لعقود، مدفوعة بالشلل السياسي، والفساد، والفشل شبه الكامل في الاستثمار في قدرات التوليد أو تقليل الاعتماد على واردات الوقود.

بالنسبة للسكان الذين يتحمّلون انقطاعات يومية في التيار الكهربائي تصل لـ 12 ساعة أو أكثر، يتجلى ضغط الكهرباء في تدهور قدرتهم الشرائية.

العراق.. خطر الاعتماد على مورد واحد

يعاني العراق أيضًا من نقص مزمن في الطاقة، تمامًا مثل لبنان.. تعتمد شبكة الكهرباء في البلاد هيكليًا على واردات الغاز من إيران؛ وهي نقطة ضعف تطورت الآن إلى أزمة حادّة، وتؤدي اضطرابات الإمدادات، بالتزامن مع اقتراب ذروة الطلب الصيفي، إلى اتّساع الفجوة التي من المتوقع أن تزداد عمقًا.

الفشل هنا بنيوي بامتياز؛ فعلى الرغم من امتلاك العراق احتياطيات هائلة من الغاز المحلي، فإن جزءًا كبيرًا منه ما يزال يُحرَق في الحقول النفطية بدلًا من استغلاله لتوليد الكهرباء.

ومع أن الإرادة السياسية والاستثمارات قد شهدت تحسنًا في السنوات الأخيرة، فإن وتيرة التقدم ما تزال بطيئة.

لقد حولت الحرب هذه المعضلة المزمنة إلى حالة طوارئ فورية تتطلب تنويع مصادر إمدادات الغاز، وتسريع الاستثمار في الموارد المحلية، وتكثيف الجهود في مجالات الطاقة النظيفة وكفاءة الاستهلاك، وفوق كل ذلك، سيكون خفض الفاقد في الشبكة أمرًا حاسمًا لتحقيق أيّ تحسُّن ملموس على أرض الواقع.

الكويت.. ثراء نفطي وضعف في الكهرباء

تجد الكويت نفسها محاصرة في معضلة متفاقمة.. أحمال ذروة صيفية ترتفع بوتيرة متسارعة، وتوليد طاقة حراري يستهلك كميات ضخمة من الوقود، وإصلاحات هيكلية محدودة في شبكات الكهرباء ومحطات التوليد، زادتها سوءًا الهجمات الإيرانية على البنية التحتية.

في الكويت، ودول الخليج عمومًا، لطالما كانت الكهرباء مدعومة بكثافة ومنفصلة تمامًا عن التكلفة الحقيقية لإنتاجها، مما أدى إلى أنماط استهلاك مسرفة.

ونتيجة لذلك، تسجّل البلاد مستويات قياسية جديدة للطلب في شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب من كل عام تقريبًا، ويرجع ذلك أساسًا إلى الطفرة في استعمال أجهزة تكييف الهواء.

إن تلبية هذا الطلب تتطلب تعزيز الشبكة الوطنية، وتوسيع قدرات التوليد، وتسريع نشر الطاقة المتجددة، إلّا أن التقدم في هذه المجالات ظل محدودًا.

لقد جرى تداول خطط الإصلاح لسنوات، لكنها نادرًا ما نُفِّذت بالحجم المطلوب، وقد أدت الحرب إلى تأخير هذه الجهود بشكل أكبر، ومع اقتران ذلك بالهجمات على البنية التحتية، أصبح قطاع الكهرباء في الكويت غير مهيّأ بشكل متزايد لتلبية الطلب في الأشهر المقبلة.

الأردن والمغرب.. الضغوط المالية

بالنسبة للدول المستوردة للطاقة، تأخذ الأزمة طابعًا ماليًا في المقام الأول، ويُبرز المغرب والأردن كيف أن الاعتماد على إمدادات الوقود الخارجية يُترجَم سريعًا إلى ضغوط مالية وهشاشة اقتصادية.

تُدار أنظمة الكهرباء في المغرب والأردن بشكل جيد نسبيًا وفقًا للمعايير الإقليمية، لكن نقاط الضعف الهيكلية تظل قائمة.

يعتمد كلا البلدين بشكل كبير على الوقود والغاز المستورد، مع محدودية الموارد المحلية البديلة، وبينما من غير المرجّح أن يواجها انقطاعات للتيار الكهربائي، فإن الضغط المالي سيطال الدولة والمستهلكين على حدّ سواء.

تُترجَم فواتير استيراد الوقود المرتفعة إلى تحدٍّ ثلاثي الأبعاد:

  1. زيادة الإنفاق العام في وقت تعاني فيه الميزانيات من ضيق المساحة المالية.
  2. ارتفاع التضخم.
  3. تراجع القدرة الشرائية.

كما سيؤدي هذا الضغط إلى تقليص القدرة على الاستثمار في قطاع الكهرباء على المدى القريب.. قد لا تغرق مدن المغرب والأردن في الظلام، لكنها ستشعر بوطأة الأزمة بكل تأكيد.

الخلاصة..

إن تحديات الكهرباء في المنطقة آخذة في التصاعد؛ فالحرب تُضاعِف من حدّة نقاط الضعف الهيكلية المتجذرة في أنظمة الكهرباء.

فمن التبعية للاستيراد ونقص الاستثمار إلى الدعم وعدم الكفاءة، تفتقر معظم الدول العربية بشكل متزايد للأدوات اللازمة لامتصاص الصدمات الخارجية، أو حتى إدارة النمو غير المستدام في الطلب.

إن المسار للأمام يتطلب تحركًا عاجلًا: تنويع مصادر الطاقة، وتسريع وتيرة الإصلاح، والاستثمار في بنية تحتية مرنة، وتقليل فاقد الشبكات.

وبخلاف ذلك، فإن الاضطرابات المؤقتة تخاطر بأن تصبح سمة دائمة بمشهد الكهرباء في المنطقة.

*جيسيكا عبيد، مستشارة السياسات العامة بقطاع الطاقة، الشريك المؤسس لشركة نيو إنرجي كونسلت (New Energy Consult).

*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

نرشّح لكم..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق