هل تعزز الكهربة في أستراليا أمن الطاقة وسط اضطراب إمدادات النفط؟ (تقرير)
نوار صبح
- أستراليا تُحب أن تُعرّف نفسها بأنها قوة عظمى في مجال الطاقة المتجددة
- أستراليا ما تزال تعتمد على الكهربة بنسبة 21.5% فقط على أساس الطاقة النهائية
- قطاعا التصنيع والتعدين أقل استهلاكًا للطاقة من قطاع المباني
- أستراليا تستهلك طاقةً تفوق بكثير احتياجاتها الفعلية للخدمات التي تُقدّرها
تمثّل الكهربة في أستراليا خيارًا مهمًا لتعزيز أمن الطاقة الوطني وسط اضطراب إمدادات النفط جرّاء الحرب الدائرة في منطقة الخليج العربي التي تسببت بتوقُّف الإنتاج واضطراب حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز.
وعلى الرغم من أن مضيق هرمز يقع بعيدًا عن أستراليا، فإن كل أزمة طاقة تشير إلى أن أمن الطاقة لا يُقاس حاليًا بكمية أشعة الشمس التي تصل إلى أسطح المنازل، بل يُقاس بما يستمر في التدفق عندما تتجمد أسواق النفط، أو ترتفع أسعار تأمين الشحن، أو يُعاد تسعير شحنات الوقود المكرر خلال أسبوع.
في المقابل، تُحب أستراليا أن تُعرّف نفسها بأنها قوة عظمى في مجال الطاقة المتجددة، وهذا صحيح إلى حدٍّ ما فيما يتعلق بإمكانات إمدادات الكهرباء، بحسب متابعة منصة الطاقة المتخصصة لتحديثات القطاع.
رغم ذلك، ما تزال البلاد تُدير جزءًا كبيرًا من اقتصادها، خصوصًا قطاع النقل، بالوقود السائل المستورد المعرض لمخاطر نقاط الاختناق العالمية، التي تشهد اضطرابات جرّاء مهاجمة مواقع التكرير والإنتاج والناقلات.
كهربة قطاعات الاقتصاد
لا يقتصر الدرس المستفاد من إغلاق مضيق هرمز على أن أستراليا بحاجة إلى خطة طوارئ جديدة لإمدادات منطقة الخليج العربي، بل إن البلاد بحاجة إلى أن تأخذ على محمل الجدّ مسألة كهربة قطاعات اقتصادها التي ما تزال مرتبطة بتجارة النفط.
وأمضت أستراليا سنوات في مناقشة خيارات الكهربة، وشحن المركبات، والشحن ثنائي الاتجاه، والطاقة الشمسية على أسطح المنازل، والبطاريات، والتعرفات، والمعايير، وكأنها جميعها عناصر متساوية، وهي ليست كذلك.
وتُعدّ أستراليا متأخرة في مجال الكهربة على مستوى الاقتصاد عمومًا، إذ ينبغي أن تكون السياسة التوجيهية هي تسريع وتيرة الكهربة حيثما تكون جاهزة تجاريًا وذات أهمية إستراتيجية.
وتُظهر بيانات تدفقات الطاقة الأسترالية لعامي 2023-2024، الصادرة عن وزارة تغير المناخ والطاقة والبيئة والمياه، استهلاكًا نهائيًا للطاقة يبلغ نحو 1121 تيراواط/ساعة، منها 241 تيراواط/ساعة فقط كهرباء.
وهذا يعني أن أستراليا ما تزال تعتمد على الكهربة بنسبة 21.5% فقط على أساس الطاقة النهائية، أمّا الباقي، فما يزال يعتمد في معظمه على النفط والغاز، بالإضافة إلى كميات أقل من الفحم وأنواع الوقود الأخرى.
وقد شكّل النفط وحده نحو 654 تيراواط/ساعة من الاستهلاك النهائي.

توليد الكهرباء من مصادر متجددة
حققت أستراليا تقدمًا ملحوظًا في توليد الكهرباء من مصادر متجددة، لكنها لم تُحرز تقدّمًا كافيًا بعد باستبدال الاحتراق في جميع الاستعمالات النهائية.
ويرى محللون أن الخلل لا يكمن في قدرة البلاد على إنتاج الكهرباء، بل في تأخُّرها عن استعمالها لاستبدال الوقود الأحفوري.
وتعتمد المؤسسات الرسمية في أستراليا وحدة البيتاجول لقياس استهلاك الطاقة، وتُحسَب فواتير الكهرباء وتُخطَّط وتُنمْذج وتُناقَش بوحدات كيلوواط/ساعة، وميغاواط/ساعة، وغيغاواط/ساعة، وتيراواط/ساعة.
وتُعدّ وحدة البيتاجول مفيدة في إحصاءات الطاقة الوطنية لأنها تسمح بتجميع الفحم والنفط والغاز والكهرباء في إطار محاسبي واحد.
وتُخفي هذه الوحدة مقدار الكهرباء التي تحتاج إليها أستراليا لاستبدال خدمات الطاقة الأحفورية، وأين تُستعمل حاليًا، وتُعدّ التيراواط/ساعة الوحدة الأنسب لهذا النقاش، وتُعادل التيراواط/ساعة الواحدة 3.6 بيتاجول، وفق ما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
وعند الانتقال من حساب إجمالي الوقود إلى الإستراتيجية، تُسهّل التيراواط/ساعة فهم حجم المشكلة، وتُوضّح بيانات قطاع النقل هذه النقطة بوضوح.
وقد استهلك قطاع النقل نحو 489 تيراواط/ساعة من الطاقة النهائية في المدة 2023-2024، منها 7.2 تيراواط/ساعة فقط كهرباء، أي ما يُعادل 1.5%.
بعبارة أخرى، ما يزال الجزء الأكبر من الطاقة النهائية في الاقتصاد بالكاد مكهربًا.
أمّا القطاع السكني، فقد قطع شوطًا أطول بكثير، حيث يستهلك نحو 70 تيراواط/ساعة من الكهرباء من أصل نحو 133 تيراواط/ساعة من الطاقة النهائية، ويستهلك القطاع التجاري كمية أكبر من الكهرباء، حيث يبلغ استهلاكه نحو 64 تيراواط/ساعة من أصل 87 تيراواط/ساعة.
ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى كون أستراليا بلدًا مشمسًا يحتاج إلى تبريد أكثر من التدفئة.
يُعدّ قطاعا التصنيع والتعدين أقل استهلاكًا للطاقة من قطاع المباني، لكنهما ما يزالان متقدمَين بشكل ملحوظ على قطاع النقل.

تسريع وتيرة التحول نحو الكهربة في أستراليا
إذا كان الهدف هو تسريع وتيرة التحول نحو الكهربة في أستراليا بحلول أواخر العقد الحالي وبداية العقد المقبل، فإنّ قطاع النقل البري للركاب هو الخيار الأمثل.
وهذا لا يعني أن قطاعات الصناعة أو الشحن أو المباني غير مهمة، بل لأن قطاع النقل البري هو القطاع الذي يضم أكبر كتلة طاقة غير مكهربة، ويتداخل مع مسار تكنولوجي ناضج ومتطور.
ويزداد هذا التركيز الإستراتيجي قوةً عند النظر إليه من منظور الطاقة، وتُوضح مخططات سانكي لتدفُّق الطاقة في أستراليا (بالتيراواط/ساعة) هذه النقطة الأساسية بوضوح.
استهلاك الطاقة في أستراليا
تستهلك أستراليا طاقةً تفوق بكثير احتياجاتها الفعلية للخدمات التي تُقدّرها، وذلك لأن الاحتراق يُهدر كمية كبيرة من الطاقة على شكل حرارة، وتُعدّ مركبات الاحتراق الداخلي مثالًا واضحًا على ذلك.
وعادةً ما تُحوّل السيارة الكهربائية التي تعمل بالبطارية ما بين 70% و80% من الكهرباء المُخزّنة في البطارية إلى طاقة حركية للعجلات.
وغالبًا ما تُحوّل السيارة التي تعمل بالبنزين ما بين 20% و25% فقط من طاقة الوقود إلى طاقة حركية، ويُفقَد الباقي على شكل حرارة.
حتى عند اجتناب المقارنات الدقيقة بين دورات القيادة المختلفة، فإنّ حجم التحسّن ليس محلّ جدل.
ولا يُعدّ استبدال الاحتراق في نقل الركاب مجرد تغيير في نوع الوقود، بل هو مكسب كبير في الكفاءة.
لذلك، يُمكن للكهربة أن تُقلل من إجمالي الطلب على الطاقة مع تحسين خدمات الطاقة نفسها.
وتتمتع أستراليا بموقع متميز للاستفادة من ذلك على نحو لا تتوفر في العديد من الدول، فقد أنشأت البلاد واحدة من أكبر شبكات الطاقة الشمسية الموزعة في العالم.
موضوعات متعلقة..
- تقنية جديدة ترفع كهرباء مزارع الرياح البحرية في أستراليا 50%
- أكبر بطارية تخزين كهرباء ومحطة شمسية هجينة في أستراليا تشهد حدثًا مهمًا
اقرأ أيضًا..
- الحرب على إيران - أسواق الطاقة تحت خط النار (تغطية خاصة)
- تقارير وحدة أبحاث الطاقة حول مستجدات الغاز المسال عربيًا وعالميًا
- قدرة توليد الكهرباء بالغاز.. قراءة في خطط 3 دول عربية (تقرير)
المصدر:





