من مضيق هرمز إلى التحول الطاقي: الحرب على إيران تعيد تشكيل أمن الطاقة عالميًا (مقال)
د. منال سخري

مع تصاعد التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران وإغلاق مضيق هرمز، عاد ملف الأمن الطاقوي العالمي إلى صدارة النقاشات السياسية والاقتصادية الدولية.
غير أن أهمية هذه الأزمة لا تكمن فقط في تأثيرها المباشر بأسعار النفط أو استقرار الأسواق، بل في كونها تكشف عن مفارقة أعمق في بنية النظام الطاقوي العالمي.
حيث يتزايد الخطاب الدولي حول التحول نحو الطاقة النظيفة في الوقت الذي تستمر فيه الجغرافيا السياسية للنفط والغاز في أداء دور حاسم باستقرار الاقتصاد العالمي.
فالأزمات الجيوسياسية الكبرى غالبًا ما تعيد تذكير العالم بأن التحول الطاقي، رغم تسارعه في العديد من الدول، لم ينجح بعد في تقليص الاعتماد الهيكلي على الوقود الأحفوري.
ولذلك فإن التوترات في مناطق الإنتاج الإستراتيجية ما تزال قادرة على إحداث اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة الدولية، وهو ما يعكس استمرار الترابط بين الأمن الطاقي والجغرافيا السياسية.
الجغرافيا السياسية للطاقة وعودة التوتر إلى الخليج
لطالما شكّل الشرق الأوسط أحد الأعمدة الأساسية للنظام الطاقي العالمي، نظرًا لاحتياطاته الضخمة من النفط والغاز وموقعه الإستراتيجي في شبكة التجارة الدولية للطاقة.
وتكتسب الأزمة الحالية حساسية خاصة، لأنها ترتبط بمنطقة تمرّ عبرها نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية، ولا سيما عبر مضيق هرمز.
ويعدّ مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم، إذ تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أنه سنة 2025 بلغ متوسط ما عبره من النفط الخام والمنتجات بنحو 20 إلى 21مليون برميل يوميًا، بما يعادل 20% من استهلاك النفط العالمي.
كما يمثّل نحو 25-30% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، وتجاوزت كميات الغاز العابرة للمضيق في العام نفسه 110 مليارات متر مكعب، أي ما يقارب 20% من التجارة العالمية في الغاز المسال، مع توجُّه الجزء الأكبر من هذه الكميات نحو الأسواق الآسيوية.
لذلك، فإن أيّ تهديد لحركة الملاحة في هذه المنطقة يمكن أن ينعكس بسرعة على الأسواق العالمية، سواء من خلال ارتفاع الأسعار أو زيادة تكاليف النقل والتأمين.
وتسلّط هذه المعطيات الضوء على استمرار أهمية الخليج في معادلة الطاقة العالمية، رغم التحولات التي شهدها النظام الطاقي خلال العقدين الأخيرين.

فقد أدى توسع إنتاج النفط في مناطق أخرى من العالم، خاصة في الولايات المتحدة والبرازيل وكندا، إلى تنويع مصادر الإمدادات العالمية، كما أسهمت التطورات التكنولوجية في مجالات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة في تقليل بعض مظاهر الاعتماد التقليدي على النفط.
ومع ذلك، فإن هذه التحولات لم تلغِ بعد الدور الإستراتيجي الذي تؤديه منطقة الخليج في استقرار الأسواق الطاقية الدولية، وهو ما يجعل أيّ تصعيد عسكري في هذه المنطقة مصدر قلق دائمًا للمستثمرين وصنّاع القرار.
علاوة المخاطر الجيوسياسية في أسواق الطاقة
تتفاعل أسواق الطاقة عادةً بسرعة كبيرة مع التوترات السياسية والعسكرية، حتى قبل حدوث أيّ اضطراب فعلي في الإمدادات.
ويُعرَف هذا التأثير في الاقتصاد الطاقي بما يسمى "علاوة المخاطر الجيوسياسية"، إذ ترتفع أسعار النفط نتيجة المخاوف من احتمال تعطُّل الإمدادات أو اضطراب حركة التجارة البحرية.
وفي حالات التصعيد العسكري، لا يرتبط ارتفاع الأسعار بالضرورة بنقص حقيقي في المعروض، بل غالبًا ما يعكس توقعات الأسواق بحدوث اضطرابات مستقبلية.
لذلك تميل شركات الطاقة والمستثمرون إلى تعديل إستراتيجياتهم الاستثمارية وفقًا لمستوى المخاطر الجيوسياسية.
وتؤكد التجارب التاريخية حساسية النظام الطاقي العالمي للأزمات السياسية.
فقد أدت أحداث مثل أزمة النفط 1973 إلى ارتفاعات حادة في الأسعار، وأثّرت بعمق في الاقتصاد العالمي، ما دفع العديد من الدول الصناعية آنذاك إلى تطوير سياسات جديدة لتعزيز أمن الطاقة وتنويع مصادر الإمدادات.
مفارقة الأمن الطاقي في زمن التحول الطاقي
تكشف الأزمة الأميركية الإيرانية عن مفارقة هيكلية في السياسات الطاقية العالمية.
فمن جهة، تواصل العديد من الدول وضع إستراتيجيات طموحة لتحقيق الحياد الكربوني وتسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة.
ومن جهة أخرى، تدفع الأزمات الجيوسياسية الحكومات إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان استقرار إمدادات النفط والغاز.

في مثل هذه الظروف، تميل الحكومات إلى إعطاء الأولوية للاعتبارات الاقتصادية والأمنية المباشرة، إذ تسعى إلى تجنُّب الصدمات السعرية التي قد تؤثّر في النمو الاقتصادي أو الاستقرار الاجتماعي.
وقد يشمل ذلك زيادة الإنتاج من الوقود الأحفوري أو تأجيل بعض السياسات المرتبطة بخفض الانبعاثات.
غير أن هذه الاستجابة قصيرة المدى قد تعزز في الوقت نفسه إدراكًا متزايدًا لدى صانعي القرار بأن الاعتماد المفرط على مناطق جيوسياسية غير مستقرة يشكّل خطرًا دائمًا على أمن الطاقة.
ومن ثم، قد تدفع مثل هذه الأزمات العديد من الدول إلى تسريع جهود تنويع مزيج الطاقة وتعزيز الاستثمار في مصادر الطاقة المحلية والمتجددة.
التحول الطاقي إستراتيجية لتعزيز أمن الطاقة
في هذا السياق، لم يعد التحول الطاقي يُنظر إليه أداةً لمواجهة تغير المناخ فقط، بل أصبح جزءًا من إستراتيجية أوسع لتعزيز الاستقرار الاقتصادي وتقليل التعرض للصدمات الجيوسياسية في أسواق الطاقة.
فالدول التي تمتلك مزيجًا متنوعًا من مصادر الطاقة تكون عادةً أكثر قدرة على التكيف مع التقلبات في أسواق النفط والغاز.
وتشير تحليلات صادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن بناء أنظمة طاقية أكثر تنوعًا ومرونة يمكن أن يساعد الدول على تقليل اعتمادها على الممرات البحرية الحساسة ومناطق الإنتاج المحدودة.
غير أن هذا التحول يطرح بدوره تحديات جديدة، إذ يؤدي التوسع في تقنيات الطاقة النظيفة إلى زيادة الطلب على المعادن الإستراتيجية مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل، ما قد يخلق أنماطًا جديدة من التنافس الجيوسياسي حول سلاسل التوريد المرتبطة بالطاقة النظيفة.

انعكاسات الأزمة على الدول النامية
تُمثّل تقلبات أسعار الطاقة تحديًا كبيرًا للدول النامية التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الوقود الأحفوري.
فارتفاع أسعار النفط يؤدي عادةً إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، ما ينعكس على أسعار السلع والخدمات ويزيد الضغوط التضخمية.
كما قد تؤدي هذه التقلبات إلى إبطاء جهود الانتقال الطاقي في بعض الدول التي تواجه قيودًا مالية وتقنية في تطوير مشروعات الطاقة المتجددة.
ولذلك فإن تحقيق انتقال طاقي عادل ومستدام يتطلب تعزيز التعاون الدولي وتوفير التمويل والتكنولوجيا للدول النامية حتى تتمكن من بناء أنظمة طاقة أكثر مرونة واستدامة.
ختامًا، تكشف الأزمة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران مرة أخرى عن الترابط العميق بين الجغرافيا السياسية والطاقة في النظام الدولي.
غير أن ما يميز المرحلة الحالية هو أن مفهوم الأمن الطاقي نفسه يشهد تحولًا تدريجيًا في ظل الانتقال نحو نظام طاقة أكثر تنوعًا وتعقيدًا.
فبدلًا من التركيز فقط على حماية تدفقات النفط والغاز، أصبح الأمن الطاقي يرتبط بقدرة الدول على بناء أنظمة طاقة مرنة ومتنوعة، وتأمين سلاسل التوريد المرتبطة بالتكنولوجيا الطاقية الجديدة، والتكيف مع بيئة جيوسياسية متغيرة.
وفي هذا السياق، قد لا تكون الأزمة الأميركية الإيرانية مجرد اختبار لأسواق النفط، بل قد تُمثّل أيضًا لحظة مفصلية تدفع العديد من الدول إلى إعادة التفكير بإستراتيجياتها الطاقية في عالم يتجه تدريجيًا نحو نظام طاقة أكثر تنوعًا واستدامة.
* د. منال سخري - خبيرة وباحثة في السياسات البيئية.
* هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- مفاوضات لتصدير النفط العراقي عبر مضيق هرمز.. وخطة لإحياء أنبوب قديم
- مهاجمة السفن في مضيق هرمز.. تقرير يتوقع أزمة تضرب الملاحة البحرية وتتوسع جغرافيًا
- الحجي: إغلاق مضيق هرمز يعيد العالم إلى الفحم مع توقف صادرات النفط
اقرأ أيضًا..
- تداعيات الحرب الأميركية الإيرانية على أسواق الطاقة (تغطية خاصة)
- تقارير وحدة أبحاث الطاقة حول "مستجدات الغاز المسال العربية والعالمية في 2025"
- الهيدروجين في الدول العربية (ملف خاص)





