ارتفاع أسعار الكهرباء في بريطانيا يهدد الصناعات الثقيلة.. ما علاقة حرب إيران؟
نوار صبح
- معارضة الحكومة للنفط والغاز في بحر الشمال جعلت بريطانيا أكثر عرضة لصدمات الطاقة
- فواتير الكهرباء الباهظة هي السبب الرئيس وراء إغلاق قطاعات واسعة من الصناعات الثقيلة
- المملكة المتحدة تُعاني من بعض أغلى أسعار الكهرباء الصناعية في العالم المتقدم
- المصنّعون البريطانيون يواجه بعضًا من أعلى ضرائب الكربون في العالم
يتميز قطاع الكهرباء في بريطانيا بارتفاع الأسعار الذي يُلحق ضررًا كبيرًا في الصناعات الثقيلة المحلية، وسط اعتماد البلاد الكبير على مصادر الوقود الخارجية رغم امتلاكها كميات من النفط والغاز في بحر الشمال البريطاني.
ومن خلال توجيه أصابع الاتهام إلى عدو وهمي، تحاول الحكومة البريطانية صرف الانتباه عن قضايا حقيقية، مثل كيف أن معارضتها غير المبررة للنفط والغاز في بحر الشمال جعلت بريطانيا أكثر عرضة لصدمات الطاقة.
وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء السير كير ووزيرة المالية راشيل ريفز يتظاهران بأنهما حاميان للطبقة العاملة، فإن الخطر الذي يهدد القاعدة الصناعية البريطانية يصعب تجاهله، وفق ما طالعته منصة الطاقة المتخصصة.
على الرغم من ذلك، فإنه ليس من المبالغة القول إن الأزمة الإيرانية قد تُسرّع انهيار قطاع التصنيع إذا استمر الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز أكثر من بضعة أسابيع.
أسعار الكهرباء في بريطانيا
انضم قطب الكيماويات الأميركي بيتر هانتسمان إلى قائمة المستثمرين الأجانب الذين هجروا المملكة المتحدة بسبب ارتفاع أسعار الكهرباء في بريطانيا.
وتمتلك شركة "هانتسمان كوربوريشن Huntsman Corporation" أحد الحصص القليلة المتبقية من شركة إمبريال للصناعات الكيميائية (ICI)، أكبر مصنّع في بريطانيا طوال معظم القرن الـ20، وهو مصنع لإنتاج الأنيلين في قرية ويلتون بمنطقة تيسايد.
ويُعدّ الأنيلين مادة أساسية في صناعة السيارات والطائرات، وإنتاج الملابس، وصناعة الأدوية، والزراعة، وصناعة الأثاث، وغيرها من القطاعات الحيوية.
ويُستعمل في صناعة إطارات السيارات وقطع غيار الطائرات، وعامل صباغة في صناعة الملابس مثل الجينز، وفي إنتاج الأدوية مثل الباراسيتامول، وفي الأسمدة والمبيدات الحشرية.

ويقول هانتسمان، الذي بنى والده إمبراطورية عالمية للمواد الكيميائية، إنه إذا استمرت أسعار الطاقة المرتفعة على حالها خلال الأشهر الـ13 المقبلة فسيضطر إلى إغلاق مصنعه في المملكة المتحدة وسيستورد المنتجات من الصين أو الولايات المتحدة.
ويختلف الوضع تمامًا عما كان عليه قبل 4 سنوات فقط، عندما كانت أسعار الأنيلين في المملكة المتحدة أرخص من بقية العالم، ويقول هانتسمان إن هذا الأسبوع هو الأعلى سعرًا.
ويشير محللون إلى أن هذا السيناريو أصبح مألوفًا للغاية، فتكاليف الكهرباء الباهظة تُلحق ضررًا بالغًا بالصناعات الثقيلة.
وتُغلق خطوط الإنتاج وتُجمّد مجمعات المصانع بأكملها، ما يُعرّض البلاد لخطر حقيقي يتمثل في تراجع الصناعة على نطاق واسع.
إغلاق قطاعات واسعة من الصناعات الثقيلة
حُذِّرت وزيرة المالية البريطانية راشيل ريفز مرارًا وتكرارًا من أن فواتير الكهرباء في بريطانيا الباهظة هي السبب الرئيس وراء إغلاق قطاعات واسعة من الصناعات الثقيلة، ومع ذلك لم تتخذ أي إجراء فعّال حيال ذلك.
وتتباين الآراء بشدة حول الأسباب، لكن من الثابت أن المملكة المتحدة تُعاني بعض أغلى أسعار الكهرباء الصناعية في العالم المتقدم.
وتزيد فواتير الكهرباء بنحو الثلثين عن متوسط أسعارها في دول وكالة الطاقة الدولية، وهي الأعلى بين دول مجموعة الـ7، وفق ما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
ولا تُعد هذه ظاهرة جديدة، فقد ارتفعت تكاليف الكهرباء للشركات بنسبة 70% مقارنةً بما كانت عليه قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، في حين ارتفعت أسعار الغاز بنسبة 60%، وفقًا لتقرير حديث صادر عن رابطة "إنرجي يو كيه Energy UK"، التي تُمثل أكثر من 100 شركة لتوليد وتوزيع الكهرباء.
ولا يُمكن إنكار الأثر السلبي: فقد شهد ما يقرب من 90% من الشركات ارتفاعًا في فواتير الطاقة خلال السنوات الـ5 الماضية، كما خفّضت 4 من كل 10 شركات استثماراتها نتيجةً لذلك، وفقًا للتقرير نفسه.
العجز التجاري البريطاني
في ظل هذه الخلفية القاتمة، ليس من قبيل المصادفة أن يرتفع العجز التجاري البريطاني في السلع بمقدار 30.5 مليار جنيه إسترليني (40.46 مليار دولار) ليصل إلى 248.3 مليار جنيه إسترليني (329.41 مليار دولار) العام الماضي، وهو أسوأ مستوى مسجل على الإطلاق.
ويقول دعاة حماية البيئة إن السبب الجذري يكمن في اعتماد البلاد الكبير على الغاز، الذي يحدد حاليًا سعر الكهرباء في بريطانيا بنسبة 98% من الوقت.
من جانبهم، يرى أنصار الحياد الكربوني أنه لو تم الحصول على نسبة أكبر من الطاقة المتجددة والمفاعلات النووية، لكانت تكاليف الكهرباء ستنخفض بشكل ملحوظ مع انخفاض استعمال الغاز.
وما يتجاهله دعاة حماية البيئة عن قصد هو التكاليف الباهظة للتحول إلى الطاقة النظيفة.
ويواجه المصنّعون البريطانيون بعضًا من أعلى ضرائب الكربون في العالم، وهي ضرائب تُضعف قدرتهم التنافسية، إلى جانب سلسلة من الرسوم البيئية التي تُشكّل ما يقارب 10% من متوسط فاتورة الكهرباء.
تُؤدي هذه التكاليف إلى إغلاق المصانع البريطانية بأعداد متزايدة، ما يُقوّض القدرة على إنتاج الغذاء، وتجهيز القوات المسلحة، وبناء البنية التحتية الحيوية.

الحياد الكربوني
غالبًا، لم تفعل الحكومة سوى الوقوف مكتوفة الأيدي، ويبدو أن الوزراء -بقيادة وزير الطاقة البريطاني إد ميليباند الذي يفتقر إلى المعرفة الاقتصادية- راضون عن هذا الوضع لأنه يعني انخفاض الانبعاثات في الطريق نحو الحياد الكربوني.
وحسب ما يُشير الصناعيون، بمن فيهم الرئيس التنفيذي لشركة "إينيوس Ineos" جيم راتكليف، فإن إزالة الكربون من خلال إلغاء التصنيع تعني فقدان الوظائف والخبرات في المملكة المتحدة، واعتمادًا أكبر على الواردات الأجنبية التي تُخلّف بصمة بيئية أثقل وتجعلنا أكثر عرضة للخطر.
حتى الآن، لا تزال الحكومة متمسكة بخطة الوصول إلى الحياد الكربوني، وتُلقي باللوم على تكلفة الوقود الأحفوري في مشكلات مصنع هانتسمان في منطقة تيسايد.
تراجع قطاع التصنيع
بغضّ النظر عن السبب، فمن المؤكد أن قطاع التصنيع يتراجع بوتيرة سريعة، وحيثما تدخلت الحكومة لمنع فقدان القدرات الحيوية دأب حزب العمال على تأجيل ذلك حتى اللحظة الأخيرة، مُجبرًا دافعي الضرائب على تحمل التكاليف.
ولهذا السبب أصبحت الدولة الآن مساهمة في مصنع إيثيلين التابع لشركة إينيوس في بلدة غرينجموث، إلى جانب مصانع الصلب في سكونثورب وروثرهام وشيفيلد.
وأعطت النسخة الأخيرة من الإستراتيجية الصناعية بصيص أمل بوعدها في تخفيض فواتير الكهرباء للقطاعات كثيفة استهلاك الطاقة من خلال برنامج التنافسية الصناعية البريطانية.
كان ذلك في يوليو/تموز من العام الماضي، ولن تدخل هذه الإجراءات حيز التنفيذ حتى عام 2027، وبحلول ذلك الوقت سيكون من شبه المؤكد أن المزيد من المصانع قد أُجبرت على الخروج من السوق.
موضوعات متعلقة..
- انقطاع الكهرباء في بريطانيا وفرنسا بسبب "غوريتي"
- توليد الكهرباء في بريطانيا من الغاز يشهد طفرة لأول مرة منذ 4 سنوات (تقرير)
- ارتفاع أسعار الكهرباء في بريطانيا.. أزمة سببها التركيز على المصادر المتجددة (تقرير)
اقرأ أيضًا..
- رفع تقديرات إنتاج النفط والغاز الصخري في حوض برميان.. لأسباب جيولوجية (تقرير)
- 4 دول مهددة بفقدان الغاز المسال القطري لمدة 5 سنوات
- إيرادات صادرات الطاقة الروسية ترتفع 7%.. والمغرب ضمن 8 دول عربية مستوردة
المصدر..





