أهم المقالاتأسعار النفطالحرب الإسرائيلية الإيرانيةالمقالاترئيسيةمقالات النفطملفات خاصةنفط

أسعار النفط المرتفعة وحرب إيران.. هل تعزز إيرادات روسيا؟ (مقال)

أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • الحرب ومحاولات إيران لعرقلة الملاحة عبر مضيق هرمز أدت إلى صدمة كبيرة في الإمدادات
  • أسعار النفط تجاوزت 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ عام 2022
  • اضطرابات الملاحة البحرية تسببت في تقطُّع السبل بملايين البراميل وتوقُّف الصادرات من كبار المنتجين
  • ارتفاع أسعار النفط يُعوّض بشكل كبير الأثر الاقتصادي للعقوبات الغربية المفروضة بعد غزو أوكرانيا

ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية جرّاء استمرار حرب إيران التي تُسهم في ارتفاعها بما يعزز إيرادات روسيا، التي تستفيد من تخفيف العقوبات لتصدير الشحنات العالقة في عرض البحر.

اندلعت الحرب الإيرانية الإسرائيلية في 28 فبراير/شباط المنصرم، عقب غارات جوية أميركية إسرائيلية مشتركة أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين، وسرعان ما تحولت إلى مواجهة إقليمية أوسع نطاقًا.

بدورها، ردّت إيران بشنّ غارات صاروخية وطائرات مسيّرة استهدفت إسرائيل، بالإضافة إلى قواعد أميركية في العراق والبحرين والكويت، في محاولة لعرقلة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية الحيوية في العالم.

وحتى 11 مارس/آذار الجاري، لم تظهر أيّ بوادر لانحسار الحرب، وتستمر الهجمات الصاروخية الإيرانية، في حين تشنّ القوات الأميركية والإسرائيلية غارات على البنية التحتية العسكرية الإيرانية.

المكاسب الجيوسياسية: تشتيت الانتباه والتأثير الإستراتيجي

تكمن الميزة الجيوسياسية الأبرز لروسيا في تشتيت الانتباه الجيوسياسي الناجم عن الحرب.

فقد استحوذت الحرب الأوكرانية، التي دخلت عامها الرابع، على اهتمام الغرب الدبلوماسي والعسكري، إلّا أن تصعيد التوتر في الشرق الأوسط حوّل التركيز الإستراتيجي نحو إيران والأمن الإقليمي.

وفي خضمّ هذه الاضطرابات، برزت روسيا مستفيدةً غير مباشرة، مكتسبةً نفوذًا جيوسياسيًا ومزايا اقتصادية.

وتنبع مكاسب موسكو في المقام الأول من 3 عوامل: تحويل انتباه الغرب بعيدًا عن أوكرانيا، وارتفاع أسعار منتجات الطاقة العالمية، والمرونة الإستراتيجية في التعامل مع كل من إيران وخصومها.

ومع تركيز الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية على أزمة الخليج، تراجع الضغط على موسكو بشأن أوكرانيا مؤقتًا.

وقد أشار رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، إلى أن روسيا تبدو "الرابح الوحيد" حتى الآن، إذ تستفيد من انخفاض التدقيق في الجبهة الأوكرانية وارتفاع إيرادات الطاقة.

النيران والدخان في منطقة صناعة النفط بالفجيرة بالإمارات العربية المتحدة
النيران والدخان في منطقة صناعة النفط بالفجيرة بالإمارات العربية المتحدة – الصورة من رويترز

بالنسبة لموسكو، تزيد الحرب من خطر تورط واشنطن بشكل أكبر في التزامات أمنية في الشرق الأوسط، ما يحوّل الموارد العسكرية والاهتمام السياسي بعيدًا عن أوروبا الشرقية.

وما تزال علاقة روسيا بإيران قائمة على المصالح وليست أيديولوجية، فقد عززت معاهدة الشراكة الإستراتيجية لعام 2025 العلاقات بين البلدين، لكن موسكو تجنّبت التدخل العسكري المباشر في الحرب.

ورغم أن روسيا قد زودت إيران، بحسب التقارير، بمعلومات استخباراتية وخبرات في الحرب الإلكترونية، فإنها امتنعت عن نشر قوات أو الانخراط مباشرةً في العمليات الأميركية أو الإسرائيلية.

ويسمح هذا النهج الحذر للكرملين بالحفاظ على علاقات عمل مع إسرائيل مع الحفاظ على نفوذه في طهران.

وإذا نجا النظام الإيراني من الحرب، فقد تتمكن موسكو من تعزيز نفوذها على طهران الضعيفة.

وقد تضمن روسيا نفوذًا أكبر على مشروعات البنية التحتية الإستراتيجية، بما في ذلك ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب أو مبادرات مراكز الغاز المقترحة والمدعومة من روسيا.

في المقابل، إذا حدث تغيير في النظام، فقد تعيد روسيا تموضعها دبلوماسيًا تجاه الحكومة الجديدة، محافظةً على موطئ قدم لها في إيران، بغضّ النظر عن النتيجة السياسية.

ارتفاع أسعار النفط واضطراب السوق

تتجلى أبرز فوائد الأزمة بالنسبة لروسيا في أسواق الطاقة العالمية، فقد أدت الحرب ومحاولات إيران لعرقلة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى صدمة كبيرة في الإمدادات.

ويمرّ عبر هذا المضيق ما يقارب 20% من النفط المنقول بحرًا عالميًا، ونحو ربع شحنات الغاز المسال، ما يجعل أيّ اضطراب فيه محسوسًا فورًا في الأسواق العالمية.

وقد تجاوزت أسعار النفط 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ عام 2022، وتسببت اضطرابات الملاحة في تقطع السبل بملايين البراميل وتوقُّف الصادرات من كبار المنتجين، بما في ذلك العراق والسعودية وقطر.

وبصفتها ثاني أكبر مُصدّر للنفط في العالم، تتمتع روسيا بوضع جيد للاستفادة من فجوة العرض الناتجة.

ويعزز ارتفاع أسعار النفط مباشرةً موارد الكرملين المالية، إذ تُمثّل إيرادات الطاقة نحو 40% من الموازنة الفيدرالية الروسية، ما يعني أن ارتفاع أسعار النفط يُعوّض بشكل كبير الأثر الاقتصادي للعقوبات الغربية المفروضة بعد غزو أوكرانيا.

بدورهم، لاحظ المحللون أن توقيت الأزمة يصب في مصلحة موسكو، فقد أدى التقلب في الأسواق العالمية إلى انتعاش الطلب على النفط الروسي، وأثار احتمال أن تسعى أوروبا مرة أخرى إلى الحصول على إمدادات الغاز الروسي إذا استمرت صادرات قطر من الغاز المسال في التعطل.

إعفاءات من العقوبات وصادرات النفط الروسي إلى الهند

يُعدّ الإعفاء المؤقت من العقوبات الأميركية -الذي يسمح لمصافي التكرير الهندية بشراء شحنات النفط الروسي الموجودة حاليًا في عرض البحر- آليةً رئيسةً تُعزز مكاسب روسيا.

وتستورد الهند ما يقارب 90% من نفطها الخام، ويمرّ ما يقارب نصف هذه الواردات عادةً عبر مضيق هرمز.

وبعد فرض العقوبات الأميركية على شركتي روسنفط (Rosneft) ولوك أويل (Lukoil) في أواخر عام 2025، خفّضت الهند مشترياتها من النفط الروسي بشكلٍ ملحوظ.

وانخفضت الواردات من نحو 1.67 مليون برميل يوميًا في سبتمبر/أيلول 2025 إلى أقل من 600 ألف برميل يوميًا بحلول يناير/كانون الثاني 2026، إلّا أنّ تعطُّل الإمدادات من الشرق الأوسط أجبر الهند على إعادة تقييم الوضع سريعًا.

ناقلة نفط في ميناء مومباي بالهند
ناقلة نفط في ميناء مومباي بالهند – الصورة من رويترز

في 5 مارس/آذار 2026، أصدر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إعفاءً لمدة 30 يومًا يسمح للهند بشراء شحنات النفط الروسي العالقة دون التعرّض لعقوبات.

ورغم أن الإعفاء ينطبق تقنيًا على الشحنات الموجودة حاليًا في عرض البحر ويهدف إلى منع حدوث نقص حادّ في الإمدادات، فقد عزّز إيرادات الصادرات الروسية.

وشهدت ظروف السوق تحولًا حادًا، فخام الأورال الروسي، الذي كان يُتداول بحسم يتراوح بين 10 و13 دولارًا للبرميل عن خام برنت قبل الحرب، يُباع الآن، بحسب التقارير، بعلاوة تتراوح بين 4 و5 دولارات عند تسليمه إلى الهند.

ويوجد حاليًا ما يقارب 25 إلى 30 مليون برميل من النفط الروسي في المحيط الهندي، وتُعدّ الهند والصين من أبرز المشترين.

ويُشير الإعفاء إلى إمكان توسيع نطاق المرونة في العقوبات، فبعد مكالمة هاتفية جرت في 9 مارس/آذار الجري بين الرئيسين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين، ألمحت الإدارة الأميركية إلى إمكان تخفيف العقوبات مؤقتًا عن بعض الدول إلى حين استئناف حركة الشحن عبر مضيق هرمز.

وفي حال تمديد هذه الإجراءات، فقد تسمح بتدفقات إضافية من الطاقة الروسية إلى الأسواق العالمية.

هشاشة التحالفات الجيوسياسية

تُبرز هذه الحرب هشاشة التحالفات الجيوسياسية، فقد أدانت الصين الأعمال الإسرائيلية، لكنها امتنعت عن تقديم أيّ دعم مادي لإيران، على الأرجح لتجنُّب المواجهة مع الولايات المتحدة.

وفي الوقت نفسه، ورغم انضمام السعودية والإمارات إلى مجموعة البريكس، فقد تحالفتا بهدوء مع أولويات الأمن القومي الأميركي لحماية بنيتهما التحتية للطاقة من أيّ هجمات إيرانية محتملة.

بالنسبة لروسيا، تُتيح هذه الانقسامات فرصًا دبلوماسية، إذ يُمكن لموسكو أن تُرسّخ دور الوسيط، وأن تستفيد في الوقت نفسه من تفكُّك التحالفات المناهضة للغرب.

من ناحية ثانية، أعادت هذه الحرب إحياء النقاشات بشأن القانون الدولي ومصداقية الغرب.

ويرى المنتقدون أن الضربات الأميركية الإسرائيلية الأولية تُخالف ميثاق الأمم المتحدة، ما يُعزز الروايات الروسية القديمة بشأن ازدواج المعايير الغربية في النزاعات الدولية، لا سيما فيما يتعلق بأوكرانيا.

ومن وجهة نظر موسكو، تخدم الحرب المُطوّلة هدفًا إستراتيجيًا أوسع: استنزاف موارد الولايات المتحدة واهتمامها، مع تعزيز ظهور نظام دولي أكثر تعددية بالأقطاب، تتحدى فيه روسيا الهيمنة الغربية.

منشآت إنتاج الغاز المسال التابعة لشركة قطر للطاقة
منشآت إنتاج الغاز المسال التابعة لشركة قطر للطاقة – الصورة من رويترز

المخاطر والشكوك

على الرغم من هذه المكاسب، تواجه روسيا مخاطر محتملة، فالانهيار الكامل للنظام الإيراني قد يُعرّض للخطر مشروعات مشتركة كبرى، مثل تطويرات روساتوم (Rosatom) النووية أو التعاون المخطط له في مجال البنية التحتية للغاز.

وقد يُتيح ذلك نفوذًا غربيًا أكبر في إيران والمنطقة الأوسع، إذ يُعدّ التصعيد الإقليمي مصدر قلق إضافيًا.

وقد أدت هجمات حزب الله المتزايدة على إسرائيل إلى استنزاف الموارد العسكرية الإسرائيلية، لكن مواجهة أوسع تشمل تهديدات نووية أو تدخلًا مباشرًا من الدول العظمى قد تُنتج عواقب عالمية تتجاوز سيطرة روسيا.

ويعكس النقاش العام هذا الغموض، إذ يرى بعض المراقبين أن روسيا تبدو ضعيفة لتقاعسها عن الدفاع عن شريكها الإيراني بقوة أكبر.

ويُشدد آخرون على أن الوضع الراهن يُفيد موسكو وواشنطن ونيودلهي في آنٍ واحد، في حين يبدو موقف الصين أضعف نسبيًا.

الخلاصة

أعادت الحرب الإيرانية-الأميركية الإسرائيلية تشكيل المسارات الجيوسياسية والطاقة بطرقٍ أفادت روسيا بشكلٍ غير متوقع.

وقد حوّلت الحرب انتباه الغرب عن أوكرانيا، في حين دفعت الاضطرابات في الخليج العربي أسعار النفط إلى الارتفاع وشدّدت أسواق الطاقة العالمية.

وعززت هذه التطورات الوضع المالي لروسيا رغم العقوبات الغربية.

وأتاحت الإعفاءات المؤقتة من العقوبات المفروضة على شحنات النفط الروسية -ولا سيما تلك التي تُمكّن الواردات الهندية- فرصًا تصديرية قصيرة الأجل لموسكو.

حتى الآن، حققت إستراتيجية روسيا الحذرة في التدخل غير المباشر مزايا واضحة.

ومن خلال تجنُّب المواجهة العسكرية المباشرة، والاستفادة من اضطرابات السوق والانقسامات الجيوسياسية، حافظ الكرملين على مرونته الدبلوماسية واستفاد من ارتفاع إيرادات الطاقة مع تحوّل تركيز الغرب بعيدًا عن أوكرانيا.

إلّا أن هذه المكاسب تنطوي على مخاطر، فقد تؤدي حرب إقليمية مطوّلة أو انهيار الدولة الإيرانية إلى تعطيل المشروعات الروسية في إيران وإعادة تشكيل التوجهات الإقليمية بطرق تُضعف نفوذ موسكو.

إلى جانب ذلك، تُظهر الأزمة كيف يمكن لصدمات الطاقة أن تُغيّر موازين القوى العالمية، مانحةً كبار المصدرين مثل روسيا نفوذًا أكبر، بينما تُضعف في الوقت نفسه تماسك أنظمة العقوبات الغربية.

وبحلول مارس/آذار 2026، سمح ضبط النفس المحسوب الذي تنتهجه روسيا لها بالاستفادة من الحرب، مع إعادة تشكيل أسواق الطاقة العالمية والتحالفات الجيوسياسية لصالحها بمهارة، ونجحت موسكو في تحويل أزمة إقليمية متقلبة إلى ميزة إستراتيجية.

الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".

* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق