يكثف قطاع الكهرباء في العراق من استعداداته لاستقبال فصل الصيف المقبل بأقل عدد من ساعات انقطاع التيار، وتسابق حكومة بغداد الزمن لتنفيذ حزمة إستراتيجية تهدف إلى تعزيز قدرات التوليد وضمان استقرار الشبكة الوطنية خلال أشهر الذروة المقبلة.
وترتكز خطة وزارة الكهرباء العراقية، وفق معلومات منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، على 4 محاور رئيسة لزيادة القدرات وخفض ساعات انقطاع التيار تعتمد على تنويع مصادر الوقود، وإدخال محطات شمسية، وتحديث البنية التحتية لتقليل فجوة العجز المزمنة.
ويشهد قطاع الكهرباء في العراق تحركات مكثفة لاستكمال أعمال الصيانة الدورية في محطات الإنتاج قبل حلول شهر يونيو/حزيران 2026، إذ تستهدف الجهود رفع معدلات التجهيز اليومي للمواطنين في المحافظات كافة.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن الطلب على الكهرباء في الصيف قد يصل إلى 55 ألف ميغاواط، ما يفرض ضغوطًا كبيرة على المنظومة، إذ تسعى بغداد حاليًا إلى استثمار الموارد المتاحة كافة، بما في ذلك الغاز الوطني والوقود البديل، لضمان تشغيل الوحدات التوليدية بكفاءة.
وسجل العراق في يناير/كانون الثاني 2026 أعلى إنتاج للكهرباء في تاريخه نحو 29 ألف ميغاواط، في حين قد يصل الطلب لذروة الصيف إلى 55 ألف ميغاواط، مما يترك عجزًا يتجاوز 26 ألف ميغاواط تقريبًا، ويؤدي إلى انقطاعات متكررة وتفاوت في ساعات التجهيز.
في التقرير التالي ترصد منصة الطاقة المحاور الـ4 الرئيسة التي يعتمد عليها قطاع الكهرباء في العراق، لزيادة ساعات التجهيز وتقليل انقطاع التيار وتخفيف الأحمال:
الغاز الإيراني إلى العراق
تُجرى محاولات لاستئناف ضخ الغاز الإيراني إلى العراق بشكل مستقر قبل الصيف، إذ انقطعت الإمدادات بشكل مفاجئ في 23 ديسمبر/كانون الأول 2025، ثم عادت لمدة 3 أيام في فبراير/شباط 2026 بواقع 7 ملايين متر مكعب يوميًا، قبل أن تنقطع مرة أخرى على خلفية الحرب الحالية.
ويمثّل استئناف الغاز الإيراني إلى العراق قبل الصيف خطوة مهمة لتقليص فجوة الوقود، إذ تعتمد المنظومة بنسبة كبيرة على غاز طهران لتشغيل محطات الدورة المركبة، خاصة المنطقتين الوسطى والجنوبية ذات الكثافة السكانية العالية.
ويعزز انتظام الغاز الإيراني إلى العراق قدرة وزارة الكهرباء على إدارة الأحمال بصورة أفضل، خاصة بعد مدة تشغيل جزئي لبعض الوحدات بالاعتماد على الغاز الوطني والوقود البديل، وهو ما كان يحدّ من كفاءة الإنتاج ويرفع كلف التشغيل.

وتسبَّب توقُّف الغاز الإيراني إلى العراق خلال ديسمبر/كانون الأول 2025 في خسارة تتراوح بين 4 آلاف و4.5 ألف ميغاواط من القدرة الإنتاجية، نتيجة خروج وحدات عن الخدمة وتخفيض أحمال أخرى في عدة محطات رئيسة.
ويمثّل الغاز الإيراني ما بين 30% و40% من احتياجات المنظومة العراقية من الوقود الغازي، ما يفسّر التأثير الواسع لأيّ توقُّف مفاجئ، ويدفع الحكومة إلى تكثيف الاتصالات الدبلوماسية والفنية لاستعادة التدفقات بأسرع وقت.
وكانت وزارة الكهرباء تخطط -قبل الحرب- لإرسال وفد رسمي إلى إيران لبحث زيادة الإمدادات لتصل إلى 50 مليون متر مكعب يوميًا، ويهدف هذا التحرك لتأمين احتياجات المحطات التي تعتمد كليًا على الغاز المستورد، ما يسهم في استقرار قطاع الكهرباء.
منصة الغاز المسال
أوشكت أعمال منصة الغاز المسال العائمة في ميناء خور الزبير بمحافظة البصرة على الانتهاء، إذ من المقرر بدء استيراد أولى شحنات الغاز مطلع الصيف، لتكون المنصة بديلًا إستراتيجيًا في حال تذبذب تدفقات الغاز عبر الأنابيب، خصوصًا من إيران.
ووُقِّع عقد إنشاء المنصة مع شركة "إكسيليريت إنرجي Excelerate Energy" الأميركية، وانتهت شركة المشروعات النفطية من مد أنبوب ناقل للغاز بطول 40 كيلومترًا يربط المنصة بالشبكة الوطنية.
وتبلغ الطاقة التصميمية للمشروع ما بين 500 و700 مليون قدم مكعبة يوميًا، ما يوفر وقودًا يكفي لتوليد قرابة ألفي ميغاواط إضافية للمنظومة الوطنية.
ومن المتوقع أن تبدأ المنصة العمل بكامل طاقتها في شهر يونيو/حزيران المقبل، ما يعزز مرونة المناقلة بين المحطات، ويساعد هذا المشروع في تقليل الاعتماد على مصدر واحد للوقود، وهو ما يخدم أهداف استدامة الطاقة في البلاد.
إدخال محطات طاقة شمسية
دخل قطاع الكهرباء في العراق عصر الطاقة النظيفة عبر تنفيذ محطات طاقة شمسية بقدرات إنتاجية عالية، وأعلنت وزارة الكهرباء بدء العمل في محطات عملاقة ستوفر مئات الميغاواط للشبكة الوطنية قبل ذروة الأحمال في فصل الصيف.
وتسعى بغداد من خلال هذه المشروعات إلى استثمار الإشعاع الشمسي لتقليل استهلاك الغاز والوقود الأحفوري في التوليد، وتمثل هذه المحطات جزءًا من التزامات العراق الدولية لتقليل الانبعاثات وتحقيق تحول تدريجي نحو مصادر طاقة متجددة وصديقة للبيئة.
وتعمل الفرق الفنية حاليًا على ربط الوحدات الشمسية بمحطات التحويل الرئيسة لضمان سلاسة توزيع الأحمال الكهربائية، ومن المتوقع أن تسهم هذه القدرات الجديدة في تخفيف الضغط على المحطات الحرارية والغازية التقليدية خلال ساعات النهار الحارة.
وبحسب تفاصيل اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة، دخلت شبكة نقل كهرباء محطة أرطاوي للطاقة الشمسية تحت الجهد حيز التشغيل لأول مرة، ومن المتوقع أن تدخل المحطة الخدمة الفعلية قبل نهاية مارس/آذار 2026، وفق الجدول الزمني المعلن.
وتعد محطة أرطاوي للطاقة الشمسية مشروعًا وطنيًا ضخمًا يمتد على مساحة 22 كيلومترًا مربعًا، ويضم مليوني لوح شمسي، بطاقة إنتاج إجمالية تبلغ ألف ميغاواط، موزعة على 4 وحدات توليدية سعة كل منها 250 ميغاواط.

وإلى جانب محطة أرطاوي، فإن التشغيل التجاري لمحطة كربلاء الشمسية يمثل تطورًا محوريًا في قطاع الطاقة العراقي في 2026، مع دخول قدرات نظيفة جديدة إلى الشبكة الوطنية للمرة الأولى بهذا الحجم.
ومن المقرر أن يبدأ التشغيل التجاري لمحطة كربلاء خلال النصف الأول من العام الجاري، بعد افتتاح مرحلتها الأولى بقدرة 22 ميغاواط، ضمن مشروع تصل قدرته الإجمالية إلى 300 ميغاواط.
وفي السياق، أعلن الفريق الوطني لمشروعات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة في العراق عن تخصيص 140 موقعًا بالمحافظات لإنشاء محطات طاقة شمسية لدعم شبكة الكهرباء الوطنية.
وأعد العراق خطة طموحة للطاقة الشمسية تستهدف الوصول إلى إنتاج 12 ألف ميغاواط بحلول عام 2030، إذ يركز على توقيع عقود مع شركات عالمية لتنفيذ محطات عملاقة (مثل 3 آلاف ميغاواط مع تحالف أميركي بريطاني)، وتفعيل الطاقة الشمسية في المباني الحكومية، بهدف رفع حصة الطاقة المتجددة إلى 12% من إجمالي الإنتاج الوطني.
محطات الدورة المركبة
إلى جانب الطاقة الشمسية، يركز قطاع الكهرباء في العراق على التوسع في الاعتماد على محطات الدورة المركبة لرفع الكفاءة، وتهدف هذه التقنية إلى توليد الكهرباء من الحرارة المفقودة دون الحاجة إلى استهلاك وقود إضافي، ما يرفع إنتاجية قطاع الكهرباء في العراق.
وتمكنت الوزارة من تشغيل محطات جديدة وإضافة وحدات توليد بنظام الدورة المركبة في عدة مواقع إستراتيجية بالبلاد، وتوفر هذه المشروعات زيادة في القدرة الإنتاجية نحو 25% لكل محطة، ما يعد حلًا اقتصاديًا وفعالًا لمواجهة الطلب المتزايد.
وتشير الخطط الحكومية إلى أن التوسع في الدورة المركبة سيوفر مليارات الأمتار المكعبة من الغاز سنويًا للميزانية، وتستمر الجهود لتطوير محطتي المسيب والقدس وغيرهما لضمان دخولها الخدمة قبل نهاية مايو/أيار وبداية يونيو/حزيران المقبلين.
في يوليو/تموز الماضي أعلن وزير الكهرباء العراقي زياد علي فاضل إطلاق مشروع الدورة المركبة في محطة الكيارة لإنتاج الكهرباء بسعة 375 ميغاواط.
وقال فاضل إن العراق يخطط للتوسع في مشروعات إنتاج الكهرباء من محطات الدورات المركبة لتوفير نحو 3 مليارات دولار سنويًا لخزينة الدولة، مشيرًا إلى أن هذا المشروع من المشروعات المهمة التي تبنتها الحكومة لإنتاج 4 آلاف ميغاواط من محطات الدورات المركبة، حيث ستعمل على تغذية الشبكة الوطنية دون الحاجة إلى تكلفة الغاز أو الوقود.
إلى جانب هذه المحاور ينفذ العراق مشروع صيانة متكامل من خلال شركتي "سيمنس" و"جنرال إلكتريك" لرفع كفاءة المحطات وتقليل الفاقد.

وتعول بغداد على نجاح المشروعات الجديدة التي ستدخل الخدمة تباعًا، إذ تمثل هذه الخطوات ركيزة أساسية في إستراتيجية الحكومة، ويهدف هذا الحراك إلى تفادي أزمات الانقطاع الطويلة التي عانتها السوق العراقية في السنوات الماضية نتيجة نقص إمدادات الوقود.
موضوعات متعلقة..
- أسعار الكهرباء في العراق قيد المراجعة.. وتصريحات تمهد للزيادة
- إنتاج الكهرباء في العراق.. نقص الوقود وتهالك المحطات أبرز التحديات
- أكبر صفقات الكهرباء في العراق منذ بداية 2025.. مشروعات تاريخية (مسح)
اقرأ أيضًا..
- المعادن الأرضية النادرة.. رماد فحم محطات الكهرباء يبشر بتركيزات مجدية اقتصاديًا (تقرير)
- التعدين في أفريقيا.. إمكانات ضخمة تترقب استثمارات مجدية اقتصاديًا (تقرير)
- دراسة مصرية: خفض الانبعاثات أولوية لمواجهة التغيرات المناخية





