10 أيام على حرب إيران.. ماذا حدث في أسواق الطاقة؟ (تقرير)
أحمد معوض

لم يكن مستغربًا أن يتحمل قطاع الطاقة العبء الأكبر في الصراع بالشرق الأوسط، فبعد 10 أيام من حرب إيران ودخول دول الخليج العربي طرفًا في الأزمة، انقلبت الأمور رأسًا على عقب، خاصة بعد انقطاع إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز.
ويشهد العالم حاليًا أكبر اضطراب في إنتاج النفط، بالإضافة إلى صدمة أسواق الغاز، إذ واصلت أسعار النفط ارتفاعاتها القياسية لتتجاوز 110 دولارات للبرميل لأول مرة منذ عام 2022، عندما فاقمت الحرب في أوكرانيا المخاوف بشأن إمدادات الطاقة.
وأحداث عديدة ترصدها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن) على خلفية تداعيات حرب إيران، وفي مقدمتها استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج، ووقف قطر الصادرات وإعلانها القوة القاهرة، وقبلها إغلاق مضيق هرمز بعد تهديد إيران باستهداف أي سفينة تمر عبر الممر الملاحي.
ومع تصاعد الأعمال العسكرية، واستهداف البنية التحتية للطاقة، وتهديد الممرات الملاحية الحيوية، أصبحت الصورة أكثر ضبابية، وتراوحت السيناريوهات بين اضطرابات مؤقتة في الإمدادات، ووصولًا إلى صدمة طاقوية واسعة قد تعيد رسم خريطة أسواق النفط والغاز عالميًا.
أسعار النفط
ارتفعت أسعار النفط لأكثر من 25% اليوم الإثنين 9 مارس/آذار 2026، لتسجل أعلى مستوى منذ منتصف عام 2022، بعد أن خفض بعض المنتجين الرئيسين الإمدادات، إذ سيطرت على السوق مخاوف من اضطرابات طويلة الأمد في الشحن بسبب اتساع نطاق الحرب.
وبحلول الساعة 10:10 صباحًا بتوقيت غرينتش (1:10 مساءً بتوقيت مكة المكرمة)، تقلص سعر خام برنت، تسليم مايو/أيار 2026 إلى 105.10 دولارًا للبرميل، بنسبة ارتفاع 13.39% مقارنة بإغلاق الجلسة الماضية.
وفي 2 مارس/آذار، أول يوم تداول بعد بدء العمليات العسكرية ضد إيران، ارتفع خام برنت إلى 80 دولارًا للبرميل، بعد أن قفز 13% إلى أعلى مستوى منذ يناير/كانون الثاني 2025.
وكانت أسعار النفط قد أنهت تعاملاتها يوم الجمعة 27 فبراير/شباط، قبل يوم من حرب إيران على ارتفاع بنسبة 3%، لتصل العقود الآجلة لخام برنت، تسليم أبريل/نيسان 2026 إلى 72.48 دولارًا للبرميل.
وبذلك تكون أسعار النفط قد حققت مكاسب بقيمة 32.62 دولارًا للبرميل في أول 10 أيام من حرب إيران، بنسبة زيادة تصل إلى 45%.
الرسم البياني الآتي -من منصة الطاقة المتخصصة- يوضح حركة أسعار النفط خلال 10 أيام من الحرب:

قطع الغاز الإسرائيلي عن مصر والأردن
مع بزوغ شمس أول يوم للحرب في 28 فبراير/شباط، أوقفت إسرائيل ضخ الغاز إلى مصر لأجل غير مسمى، إذ تبلغ كميات الغاز التي توقف ضخها نحو 1.1 مليار قدم مكعبة يوميًا من حقلي "تمار" و"ليفياثان"، ما وضع ضغوطًا إضافية على منظومة الطاقة في مصر.
وفي اليوم نفسه، أعلنت إسرائيل قطع الغاز عن الأردن، عقب قرارها إغلاق أجزاء من منشآت الغاز البحرية، استنادًا إلى تقييمات أمنية في ظل التصعيد العسكري ضد إيران.
وبلع حجم واردات مصر من الغاز الإسرائيلي نحو 10 مليارات متر مكعب خلال العام الماضي 2025، أي ما يعادل 7.35 مليون طن، وفق تقديرات لمؤسسة وود ماكنزي البحثية.
وتغطي إمدادات الغاز الطبيعي القادمة من حقل ليفياثان -الواقع قبالة سواحل البحر المتوسط- ما بين 15 و20% من الاستهلاك المحلي في مصر.
ولم تنتظر الحكومتان المصرية والأردنية طويلًا، إذ سارعتا إلى تفعيل خطط طوارئ وتنويع مصادر الوقود، تحسّبًا لسيناريو توقُّف كامل قد يفرض ضغوطًا اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق.
وتحركات الحكومة المصرية جاءت سريعة، خاصة أنها متعاقدة على شحنات غاز مسال من مصادر متنوعة، إذ تمتلك القاهرة 4 سفن تغويز في ميناءي السخنة ودمياط، بطاقة إجمالية تبلغ 2700 مليون قدم مكعبة يوميًا، ما يسمح بضخّ الغاز المستورد مباشرة إلى الشبكة القومية دون تأخير.
وفي الأردن، انتقل النظام الكهربائي فورًا إلى خطط الطوارئ المعتمدة، عقب إغلاق منشآت الغاز البحرية الإسرائيلية بدوافع أمنية، إذ عملت المملكة على إعادة ترتيب أولوياتها في إدارة إمدادات الغاز، عبر تفعيل بدائل سريعة تضمن استقرار الشبكة وعدم المساس بأمن التزويد للمواطنين والقطاعات الاقتصادية.
وتَمثل أول هذه البدائل في الاعتماد على سفينة إعادة التغويز العائمة "إنرغوس فورس" في ميناء العقبة، التي تستقبل شحنات الغاز المسال من الأسواق العالمية وتضخّها في الشبكة المحلية.
كما شمل التحرك تشغيل بعض محطات التوليد على الوقود الثقيل والديزل، بما يوفر مرونة تشغيلية، ويخفف الضغط على إمدادات الغاز المستوردة في ظل الظروف الإقليمية المعقّدة.
ويرتبط الأردن باتفاقية استيراد طويلة الأجل بدأت عام 2020 لمدة 15 عامًا، لشراء الغاز من حقل ليفياثان، الذي ينتج قرابة 12 مليار متر مكعب سنويًا مع خطط توسعية مستقبلية.
وعلى الرغم من تراجع حصة الغاز في مزيج الكهرباء إلى 8.08% خلال 2024 مقابل 61.1% في 2023، فإن أيّ اضطراب في إمدادات الغاز يظل عاملًا مؤثّرًا في كلفة التوليد واستقرار الأسعار.
استهداف منشآت الطاقة بدول الخليج
مع تطورات حرب إيران بدأت طهران تستهدف منشآت الطاقة بدول الخليج، بوصفه نوعًا من رد الفعل تجاه الدول التي تمتلك قواعد عسكرية أميركية ترى إيران أنها تُستعمل في شن الهجمات عليها.
وفيما يلي أهداف ضربتها إيران رصدتها منصة الطاقة المتخصصة:
- تعرضت مصفاة رأس تنورة في المنطقة الشرقية من السعودية، يوم الإثنين 2 مارس/آذار، لحريق محدود عقب سقوط شظايا ناتجة عن اعتراض طائرتين مسيرتين في محيط المصفاة.
- تعرضت محطة كهرباء في الكويت يوم الإثنين 2 مارس/آذار لحريق محدود بعد سقوط شظية على أحد خزانات الوقود.
- استهداف 4 ناقلات نفط قبالة سواحل الخليج العربي يوم الإثنين 2 مارس/آذار.
- تعرضت مصفاة رأس تنورة لمحاولة استهداف ثانية خلال 48 ساعة بعد هجوم بطائرة مسيرة يوم الأربعاء 4 مارس/آذار.
- هجوم عسكري بطائرات مسيرة استهدف منشآت حيوية في رأس لفان ومسيعيد في قطر يوم الإثنين 2 مارس/آذار.
- حريق في ميناء الفجيرة الإماراتي يوم الثلاثاء 3 مارس/آذار نجم عن شظايا عقب اعتراض الدفاعات الجوية لطائرة مسيرة.
- استهداف ناقلة نفط بالقرب من ميناء خور الزبير في العراق باستعمال قارب ملغوم يُتحكم فيه عن بُعد في 5 مارس/آذار.
- نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل، يوم الأحد 8 مارس/آذار، أول غارات جوية تستهدف مستودعات نفط داخل إيران.
- تعرّضت إحدى وحدات مصفاة سترة البحرينية لهجوم اليوم الإثنين 9 مارس/آذار.
وقف قطر الصادرات
أخطرت شركة قطر للطاقة، يوم الأربعاء 4 مارس/آذار 2026، عملاء المشتريات المتضررين رسميًا بحالة القوة القاهرة، مؤكدةً استمرار التواصل وتبادل المعلومات المتاحة مع جميع الأطراف، وجاء القرار بعد يومين من إعلان وقف إنتاج الغاز المسال في مدينتي رأس لفان ومسيعيد الصناعيتين.
وكانت الشركة قد أوضحت، في بيانات سابقة، أن الهجوم العسكري الذي استهدف مرافقها التشغيلية شكّل سببًا مباشرًا لتعليق الإنتاج، مع تأكيد أن السلامة تبقى أولوية قصوى لحين استكمال تقييم الأضرار وإعادة تأمين المواقع.

وفي 2 مارس/آذار، أعلنت الشركة وقف إنتاج الغاز المسال والمنتجات المرتبطة به، بعد تعرُّض مرافقها في رأس لفان ومسيعيد لهجوم عسكري مباشر، ما مهّد لقرار لاحق بشأن إعلان قطر للطاقة حالة القوة القاهرة.
وتعد قطر واحدة من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم، حيث ارتفعت صادراتها لتصل إلى ما يقارب 81 مليون طن عام 2025.
وتشكل آسيا الوجهة الرئيسة بنسبة تجاوزت 84% من إجمالي الصادرات، بقيادة الصين والهند، وتعتمد قطر بشكل رئيس على التصدير عبر الشحنات البحرية، مع كميات محدودة عبر الأنابيب.
إغلاق مضيق هرمز
تسببت العمليات العسكرية بالشرق الأوسط في إغلاق مضيق هرمز وتوقف حركة الملاحة عبر الممر الملاحي الإستراتيجي بشكل شبه كامل، إذ أعلنت إيران استهداف أي سفينة تحاول عبور المضيق خلال وقت الحرب.
وتعرضت نحو 10 سفن في مضيق هرمز أو على مقربة منه للهجوم منذ أغلقت إيران هذا الممر المائي الحيوي، ردًا على الضربات الأميركية الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير/شباط على إيران.
وتشير التقديرات إلى تهديد بخسارة نحو 120 مليار متر مكعب من إمدادات الغاز نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، في تطور يتجاوز ما فقدته الأسواق قبل 3 أعوام.
وتفوق الكميات المهددة نتيجة إغلاق مضيق هرمز 80 مليار متر مكعب سنويًا فقدتها أوروبا خلال الحرب الروسية الأوكرانية، ما يعكس حجم المخاطر المحدقة بالأسواق.
ويمثل مضيق هرمز نقطة عبور رئيسة ضمن أحد أهم الممرات الملاحية الحيوية في العالم، ويُعَد أحد الشرايين الأساسية للتجارة الدولية، إذ يمر عبره نحو 11% من حجم التجارة العالمية، كما يمر عبره أكثر من 20 مليون برميل نفط يوميًا.
خفض إنتاج العراق من النفط
انهار إنتاج النفط في العراق نحو 60%، مع تسبّب حرب إيران في عدم توافر عدد كافٍ من ناقلات النفط لتحميل الخام العراقي.
ويضخّ العراق الآن ما بين نحو 1.7 مليون و1.8 مليون برميل من النفط يوميًا، انخفاضًا من نحو 4.3 مليون برميل يوميًا قبل اندلاع الحرب، بحسب بلومبرغ.
وكان العراق أول دولة كبرى منتجة للنفط في الخليج تضطر إلى خفض الإنتاج بسبب الصراع، وهي خطوة تبعتها لاحقًا كلٌّ من الإمارات والكويت.
في 3 مارس/آذار خفّض العراق إنتاجه نحو 700 ألف برميل يوميًا من حقل الرميلة، و460 ألف برميل يوميًا من حقل غرب القرنة 2، وهما من أكبر الحقول في الجنوب.
وتسببت اضطرابات التصدير الناجمة عن توقُّف الملاحة بمضيق هرمز في رفع المخزونات النفطية بالمواني الجنوبية -خصوصًا في البصرة- إلى مستويات وُصِفت بالحرجة، ما أجبر الشركات على تقليص الضخ لتفادي اختناقات تخزينية.

وبسبب تداعيات حرب إيران نقلت شركات النفط العالمية عشرات الموظفين الأجانب من جنوب العراق إلى الكويت، بعد تصاعد المخاطر الأمنية عقب الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت نفطية، وفي مقدمتها حقل الرميلة أكبر حقول النفط في البلاد.
ونفذت شركات خدمات الطاقة الأجنبية عمليات إجلاء منظّمة لموظفيها عبر منفذ سفوان الحدودي باتجاه الكويت، بعد تعليق العمل في الحقل النفطي العراقي إثر التوترات الأمنية الأخيرة.
وتشمل عمليات الإجلاء شركات خدمات نفطية كبرى، من بينها هاليبرتون الأميركية، وكيه.بي.آر، وشلمبرجيه، في خطوة احترازية لحماية العاملين الأجانب بالحقول النفطية.
تحول السعودية للتصدير عبر ميناء ينبع
تضاعفت صادرات النفط السعودي عبر ميناء ينبع نحو 3 مرات خلال أول 4 أيام من شهر مارس/آذار، في تحرك سريع من المملكة للحفاظ على تدفق الإمدادات إلى الأسواق العالمية.
وحوّلت السعودية ملايين البراميل من النفط إلى ميناء ينبع، الواقع على ساحل البحر الأحمر، مستفيدة من بنيتها التحتية وخطوط الأنابيب الداخلية لتجاوز المخاطر التي تواجه حركة الشحن في الخليج العربي، بعد تعطّل الملاحة عبر مضيق هرمز نتيجة الحرب الإيرانية.
وبحسب بيانات التتبع بلغ متوسط صادرات النفط السعودي عبر ميناء ينبع نحو 2.5 مليون برميل يوميًا حتى الآن، مقابل نحو 786 ألف برميل يوميًا خلال فبراير/شباط الماضي.
وغادرت 5 ناقلات نفط عملاقة ميناء ينبع خلال الأيام الـ4 الأولى من شهر مارس/آذار، بحمولة إجمالية تقارب 10 ملايين برميل.
إعلان القوة القاهرة على صادرات نفط الكويت
مع استمرار حرب إيران أعلنت مؤسسة البترول الكويتية، يوم السبت 7 مارس/آذار 2026، حالة القوة القاهرة، وتنفيذ خفض احترازي في إنتاج النفط الخام وعمليات التكرير ضمن إستراتيجيتها لإدارة المخاطر وضمان استمرارية الأعمال في ظل التوترات الأمنية.
وأكدت الكويت، خامس أكبر منتج في "أوبك"، أن الإجراء مؤقت ويهدف إلى حماية المنشآت النفطية والعاملين فيها، مع تأكيد جاهزية المؤسسة لاستعادة مستويات الإنتاج السابقة فور تحسّن الأوضاع الإقليمية واستقرار حركة الملاحة.
وأضافت أن الخفض بدأ يوم السبت 7 مارس/آذار بمقدار 100 ألف برميل يوميًا، ومن المرجّح أن يرتفع تدريجيًا اعتمادًا على مستويات التخزين، نقلًا عن بلومبرغ.
وبوصفها من كبار منتجي النفط داخل منظمة أوبك، تتجاوز طاقة إنتاج النفط في الكويت 3.2 مليون برميل يوميًا، مدعومة بسلسلة من المشروعات التطويرية التي تشمل الحقول البحرية والمناطق المشتركة مع المملكة العربية السعودية.

إعلان بابكو البحرينية القوة القاهرة
أُعلنت اليوم الإثنين 9 مارس/آذار حالة القوة القاهرة على عمليات مصفاة بابكو البحرينية مع تصاعد العمليات العسكرية واتساع رقعة الحرب الإيرانية-الإسرائيلية.
وفرضت شركة بابكو إنرجي، المشغّلة لقطاع النفط والتكرير في البحرين حالة القوة القاهرة على بعض عملياتها بعد تعرّض إحدى وحدات مصفاة سترة لهجوم ضمن تداعيات الحرب الجارية في المنطقة.
وقالت بابكو إنرجي، في بيان رسمي، إن قرار القوة القاهرة جاء بسبب "الأوضاع الراهنة الناتجة عن الاعتداءات الإيرانية المستمرة على المنطقة"، إضافة إلى الهجوم الذي استهدف إحدى وحدات التكرير التابعة للشركة.
كل هذه التداعيات كانت محصلة 10 أيام من حرب إيران، التي لا يلوح في الأفق أمل قريب على انتهائها، لكن من المؤكد أن أمن الطاقة العالمي بات على المحك.
موضوعات متعلقة..
- مصفاة بابكو البحرينية تعلن القوة القاهرة بعد تعرضها لهجمات إيرانية
- مصدرو النفط والغاز أكبر الرابحين من حرب إيران.. وتآكل القوة الشرائية للمستهلكين
- منشآت النفط الإيرانية تشهد أول ضربة جوية منذ بدء الحرب.. وطهران ترد
اقرأ أيضًا..
- تقنيات جديدة لتسريع إنتاج النفط والغاز في الجرف القاري النرويجي
- خفض انبعاثات قطاع الشحن البحري.. الكهربة خيار لن يقود إلى التضخم (تقرير)
- قطاع الكهرباء تحت ضغط حرب إيران.. ارتدادات محتملة على مصر وآسيا وأوروبا





