لا بديل عن تخزين الغاز.. 4 دول عربية مضطرة لمراجعة موقفها (تقرير)
هبة مصطفى

"كل الحلول تؤدي إلى تخزين الغاز".. هكذا تبدو المعادلة الأكثر أمانًا، خاصةً إذ حمي وطيس الحروب وبات استقرار الأسواق والإمدادات مصدر قلق عميق.
فأسواق الطاقة عامة -وإمدادات الغاز خاصة- شديدة الحساسية للتقلبات الجيوسياسية، وسرعان ما تقفز الأسعار إلى مستويات قياسية، وفي بعض الأحيان تسجل أرقامًا جنونية.
وتعدّ الدول المستوردة بطبيعة الحال ضمن أكثر المتضررين من تداعيات الحرب الأميركية على إيران، التي اندلعت في 28 فبراير/شباط المنصرم.
وفي منطقتنا العربية، تتجه الأنظار إلى 4 دول تشكّل الواردات عنصرًا رئيسًا لمزيجها الطاقي، هي: مصر، والأردن، والكويت، والبحرين.
وحسب متابعة منصة الطاقة المتخصصة (الصادرة من واشنطن) لبيانات الاستيراد وقدرات الدول العربية المستوردة، فإن تخزين الغاز يشكّل مُنقذًا من هذه المعضلة، إذ يقلّص مخاطر الإمدادات المضطربة والأسعار المرتفعة.
وتبقى فرص هذه الدول في التوسع بالتخزين مستقبلًا محلّ تساؤل، إذ انصبّ التركيز المدة الماضية وحتى الآن على محاولة تأمين الإمدادات لتلبية الطلب، خاصةً أن عددًا منها تعرَّض إلى أزمات سابقة خلال فصل الصيف، واضطر إلى إجراءات قاسية في بعض الأحيان.
صدمة الأحداث
واجهت الدول العربية الـ4 المستوردة للغاز المسال مستجدّات مفصلية ومتسارعة خلال أيام قليلة منذ بدء الحرب، تضمنت:
- توقُّف الغاز الإسرائيلي
تعتمد كل من مصر والأردن بنسبة كبيرة على واردات الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاقيات موقَّعة، في حين تستورد الدولتان -بالإضافة إلى الكويت والبحرين- الغاز المسال.
وتعرضت القاهرة وعمّان إلى صدمة مفاجئة مع تصاعد الحرب على إيران، إذ سارعت تل أبيب بإغلاق حقل "ليفياثان" دون إخطار الدولتين مسبقًا، رغم عقود التوريد طويلة الأجل الموقّعة بين الأطراف ذات الصلة.
ورغم أن الهيئات المختصة في البلدين أعلنت آنذاك توافر البدائل، فإن التوقف المفاجئ لواردات الغاز دقّ ناقوس الخطر حول ضرورة تأمين إمدادات في معزل عن ظلال الحرب.
ويوضح الرسم البياني الآتي -من إعداد منصة الطاقة المتخصصة- واردات مصر من الغاز الإسرائيلي على مدار 4 سنوات:

- ضربة الغاز المسال
لم تُفصح الدول العربية الـ4 حتى الآن عن مشكلات في استيراد الغاز المسال، لكن لا توجد ضمانة لاستمرار حالة الاستقرار هذه، إذ تحمل الأحداث الجارية بجعبتها مؤثرات لحظية في أسواق الطاقة العالمية.
فخلال أيام قليلة من عمر الحرب الأميركية على إيران شهدت سوق الغاز العالمية متغيرات عدّة، وصعدت أسعار الغاز الأوروبية بنِسب تراوحت بين 40 وأقل قليلًا من 50%.
ولم يكن الأمر بعيدًا عن نطاق الدول العربية والخليجية، إذ تسبَّب استهداف بعض منشآت القطرية في "رأس لفان" و"مسيعيد" -يوم الإثنين 2 مارس/آذار الجاري- في توقُّف إنتاج الغاز المسال، ثم أعلنت شركة قطر للطاقة مساء الأربعاء 4 مارس، حالة القوة القاهرة رسميًا.
وفاقم ذلك من أزمة السوق العالمية، خاصةً أن الغاز المسال القطري يشكّل شريانًا رئيسًا لبعض الدول الآسيوية والأوروبية.
وتسببت هذه الخطوة في إرباك جديد للسوق، إذ ترتَّب عليها توقُّف الالتزام بعقود التوريد، بجانب دفعها ببعض المشترين نحو السوق الفورية باهظة التسعير.
ولتوضيح أهمية إمدادات الدوحة للسوق العالمية، حلّت قطر في المركز الثاني لأكبر مصدّري الغاز المسال في العالم العام الماضي.
وبلغت صادرات الغاز المسال من قطر 81.07 مليون طن، وفق بيانات أوردها تقرير "مستجدات الغاز المسال العربية والعالمية في 2025" الصادر عن وحدة أبحاث الطاقة.
وحتى إن لم يؤدِّ توقُّف إمدادات قطر إلى نتيجة مباشرة للدول الـ4 المستوردة، فإن تأثُّر السوق العالمية بهذا المتغير قد يربك الأسعار ويغيّر خريطة الموردين والإمدادات.
- إغلاق مضيق هرمز
يضاف إلى المتغيرات السابق ذكرها عامل إضافي يعدّ الأبرز من بين تداعيات الحرب، وهو إغلاق مضيق هرمز.
فهناك دول خليجية تصدّر الغاز المسال عبره (منها: قطر، سلطنة عمان، الإمارات)، وقد يؤدي فقدان الإمدادات مع الإغلاق إلى الإخلال بعقود التوريد خاصة إلى المشترين الآسيويين المعتمدين بقوة على تدفقات المنطقة.
ماذا تعني الحرب لقطاع الغاز في الدول الـ4؟
تُمثّل الحرب الأميركية على إيران مصدر خطر بالنسبة للدول العربية المستوردة للغاز، مع اتّساع نطاق تداعياتها على السوق العالمية والأسعار الفورية، وحركة الملاحة وعبور الشحنات في المضائق.
وفي الفقرات الآتية، نستعرض مدى اعتماد كل دولة منها على الواردات، وتداعيات الأزمة الحالية:
1) مصر
حلّت مصر في صدارة قائمة الدول العربية المستوردة للغاز المسال العام الماضي، بإمدادات بلغت 8.91 مليون طن، حسب بيانات التقرير السنوي لوحدة أبحاث الطاقة.
وسجلت القاهرة نموًا في حجم الواردات بنسبة وصلت إلى 220%، إذ زادت من 2.80 مليون طن عام 2024 إلى 8.90 مليون طن العام الماضي.
ودعمت البلاد وارداتها بالعمل على تعزيز قدرات إعادة التغويز، لتصل إلى 2.77 مليار قدم مكعبة يوميًا، ونشرت 4 وحدات عائمة في مواني العين السخنة.
وهيمنت الولايات المتحدة على الواردات المصرية، بنسبة وصلت إلى 91.3%.
ومن جانب آخر، دخلت أكبر صفقات الغاز الإسرائيلي مع مصر حيز التنفيذ رسميًا بعد موافقة تل أبيب عليها في 17 ديسمبر/كانون الأول نهاية العام الماضي.
وبموجب هذه الصفقة، تستورد القاهرة 130 مليار متر مكعب من غاز حقل "ليفياثان" حتى عام 2040، قبل أن توقف إسرائيل هذه الإمدادات فور بدء الحرب على إيران.
وتسعى القاهرة إلى تأمين إمدادات الغاز اللازمة، وبعد أن كانت دولة مُصدّرة عادت إلى الاستيراد مرة أخرى لتلبية طلب القطاعات الرئيسة في البلاد، وعلى رأسها الكهرباء، منعًا لتكرار أزمات انقطاع التيار صيفًا.
2) الأردن
يشترك الأردن مع مصر في تداعيات انقطاع الغاز الإسرائيلي، لكن الهيئات المختصة في البلاد سارعت بإعلان توافر بدائل.
وتعدّ المملكة ثالث أكبر مستورد للغاز المسال من الدول العربية العام الماضي بمعدل 0.75 مليون طن، بتراجع من 0.83 على أساس سنوي.
وبدأ العمل بالاتفاق الموقّع مع قطر، لتوريد كميات من الغاز المسال المعاد تغويزه في ميناء العقبة إلى سوريا عبر خط الغاز العربي، منتصف مارس/آذار العام الماضي.
3) الكويت
استوردت الكويت 6.88 مليون طن من الغاز المسال العام الماضي، وتراجعت من موقع صدارة أكبر مستوردي الدول العربية لصالح مصر.
وكثّفت البلاد من وتيرة الشراء في الربع الثالث، تزامنًا مع ذروة الطلب الصيفي ولمحاولة تجنّب انقطاعات الكهرباء ودعم الشبكة.
وتكمن الأزمة الحقيقية بالنسبة للكويت في إمكان تأثُّرها بالحرب على إيران، إلى حدّ قد يجعلها تواجه صيفًا ساخنًا يعيد للأذهان الانقطاعات المتكررة للتيار.
ويمكن تفسير ذلك بالنظر إلى مصادر التوريد إلى الكويت، التي تشمل في غالبيتها: قطر وسلطنة عمان، وفق ما يوضحه الرسم البياني الآتي، من إعداد منصة الطاقة المتخصصة:

فمن جهة، هيمن الغاز المسال القطري على الحصة الأكبر من واردات الكويت العام الماضي (بنسبة 70%)، ما يعادل 4.79 مليون طن.
وقد يجعلها هذا الاعتماد المفرط عُرضة لمخاطر انقطاع الإمدادات من الدوحة، بعد وقف الإنتاج نتيجة استهداف المنشآت.
ومن جهة أخرى، تواجه واردات الكويت من سلطنة عمان خطرًا مماثلًا مع استمرار إغلاق مضيق هرمز.
وسبق أن استوردت الكويت ما يصل إلى 0.90 مليون طن من الغاز المسال العماني العام الماضي، طبقًا لتقديرات التقرير السنوي الصادر عن وحدة أبحاث الطاقة.
4) البحرين
تُصنَّف البحرين بوصفها رابع أكبر مستورد للغاز المسال بين الدول العربية العام الماضي، بنحو 0.64 مليون طن.
ويبدو أنّ تأثُّر إمدادات الغاز في المنامة بالحرب على إيران لن يكون كبيرًا، خاصةً أنها من الأساس حديثة العهد بالقطاع، فهي بدأت الاستيراد العام الماضي فقط، بالإضافة إلى اعتمادها على واردات الغاز المسال الأميركي الآمنة نسبيًا من تداعيات الحرب.
ورغم ذلك ما تزال المخاطر قائمة، فالدولة الخليجية تحولت باتجاه الاستيراد نظرًا لاستهلاك إنتاجها المحلي بالكامل في قطاع الكهرباء.
تخزين الغاز.. صمام أمان المستقبل
في ظل كل المتغيرات التي سبق ذكرها (سواء التداعيات على السوق العالمية نتيجة الحرب، أو حجم الاعتماد على الواردات)، باتت الدول العربية الـ4 المستوردة للغاز في مواجهة مخاطر قوية.
ويبرز تخزين الغاز بوصفه حلًا مثاليًا لهذه المعضلة مستقبلًا، إذ قد يؤدي وظيفة مماثلة لـ"الذهب" في التحوط من المخاطر.
ويُقصَد بتخزين الغاز الاحتفاظ بالإمدادات في مواقع مخصصة، لتكون بمثابة "احتياطي" يمكن السحب منه في حالة زيادة الطلب لمستويات كبيرة، أو مواجهة مخاطر التقلبات الجيوسياسية، مثل الحرب الحالية على إيران.
ومن أبرز طُرقه "التخزين الجوفي"، عن طريق حقن الغاز في تكوينات جيولوجية تحت سطح الأرض، لحماية الإمدادات من التسرب.
ويمكن أن تنشط الدول الراغبة في التخزين خلال أوقات تراجع الطلب وانخفاض سعره، وإعادة سحبه لاحقًا حسب الحاجة.
وفي دراسة أصدرها خلال أغسطس/آب 2025، يرى خبير الغاز والهيدروجين لدى منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول "أوابك"، المهندس وائل حامد، أن التخزين يمكن أن يكون في 3 صور: في حقول النفط والغاز المستنفدة، أو الكهوف الملحية، أو طبقات المياه الجوفية العميقة.
أداة إستراتيجية لمواجهة الأزمات
لفت خبير "أوابك" إلى دور تخزين الغاز في تمكين الدول من التعامل مع التقلبات الخارجية أو الداخلية في أثناء الأزمات الاضطرابات.
وقال المهندس وائل حامد، إن تطوير منشآت تخزين جوفية قرب مواقع الغاز المحلية يعزز المرونة، ويدعم شبكات الكهرباء.
وضرب أمثلة استُعمِل فيها تخزين الغاز بوصفه مسارًا إستراتيجيًا ضامنًا لأمن الإمدادات، خاصة للدول المستوردة.
ومن بين هذه الاستعمالات:
- جائحة كورونا.
- الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022.
- الحرب التجارية بين أميركا والصين منذ عودة الرئيس دونالد ترمب للرئاسة.
واستفاض "حامد" بالشرح فيما يتعلق بتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، إذ اضطرت دول أوروبية (بوصفها دول مستوردة) إلى الشراء بأسعار باهظة، وتكبُّد أعباء مالية هائلة، نظرًا لضعف مستويات التخزين.
واستفادت هذه الدول من الدرس المرير خلال هذه الآونة، إذ خططت لبناء مخزونات كافية تضمن تراجع الأسعار.
تخزين الغاز في الدول العربية
يمثل تخزين الغاز في الدول العربية فرصةً إستراتيجية تضمن الحماية من تقلبات الأسعار في السوق الدولية، وكذلك توفير إمدادات آمنة حينما ينخفض المعروض العالمي، أو عندما تتعرض إحدى الدول المصدرة لمخاطر التوريد (مثل حالة قطر بعد اندلاع حرب إيران).
ويرى خبير أوابك، إن الدول العربية تملك فرصًا إستراتيجية لتخزين الغاز، من خلال الشراء بكميات كبيرة حال انخفاض الأسعار.
ويمكن أن تستفيد هذه الدول لاحقًا؛ إمّا باستعمال هذه الإمدادات في تلبية الطلب المحلي، أو إعادة تصديره مع ارتفاع سعره إذا كان فائضًا.
وأوضح المهندس وائل حامد -خلال مقابلة لمنصة الطاقة المتخصصة معه، مطلع سبتمبر/أيلول العام 2025- أن هذه السياسة تحقق وفورات مالية كبيرة لهذه الدول، وتمنحها مرونة محلية، فضلًا عن ضمان أمن الإمدادات.
وتطرَّق إلى دور التخزين الجوفي للغاز في توفير الإمدادات اللازمة، لحماية الدول المُستورِدة من تخفيف الأحمال وقطع الكهرباء عن المنازل والمصانع مع زيادة الطلب صيفًا، ومواجهة تشغيل محطات الكهرباء تحديات.
وكشفت دراسة أعدّتها منظمة الأقطار العربية المُصدرة للبترول (أوابك) أن هناك فرصًا لتخزين الغاز جوفيًا في بعض الدول العربية مثل: (الجزائر، وقطر، ومصر).
وأرجعت الدراسة اختيارها لهذه الدول إلى:
- توافر البنية التحتية.
- القرب بين مواقع الإنتاج والطلب.
ومن شأن التوسع في تخزين الغاز أن يشكّل حماية إستراتيجية لمنظومة الكهرباء، حسب الدراسة.
وما تزال مشروعات التخزين الجوفي محدودة في المنطقة العربية، رغم توافر الإمكانات الجيولوجية المطلوبة واحتياطيات الغاز.
موضوعات متعلقة..
- تخزين الغاز في الإمارات يمنح عقدًا مهمًا للحفر
- أول مشروع لتخزين الغاز في السعودية ينطلق رسميًا
- تداعيات حرب إيران على أسواق الغاز عالميًا.. وكيف تتأثر مصر وتركيا؟ (تقرير)
اقرأ أيضًا..
- متابعة لحظية لأسواق الطاقة بعد اندلاع الحرب على إيران
- تفاصيل إغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط والغاز.. ومعلومات غير متداولة
- صادرات دول الخليج من الغاز المسال.. أحدث البيانات وأبرز المتضررين جراء الحرب
- بدائل مضيق هرمز لدول الخليج.. خطوط الأنابيب غير كافية لاحتواء الاضطرابات






