أنس الحجي: ترمب أدخل الغاز المسال الأميركي إلى أوروبا على حساب قطر وروسيا
وهذا سلاحه ضد كندا
أحمد بدر

أعادت الولايات المتحدة، تحت رئاسة دونالد ترمب، رسم خريطة إمدادات الغاز إلى أوروبا، مستفيدة من العقوبات والاضطرابات الجيوسياسية لإقصاء منافسين رئيسين وفتح الطريق أمام صادراتها من الغاز المسال إلى القارة العجوز وتعزيز نفوذها الطاقوي هناك.
وفي هذا السياق، أوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي أن ما جرى في أسواق الغاز الأوروبية لم يكن تطورًا عفويًا، بل نتيجة سياسات ممنهجة أعادت ترتيب المنافسة وأقصت لاعبين رئيسين من المشهد تدريجيًا.
وأشار إلى أن ترمب استفاد من غطاء الحرب في أوكرانيا لفرض عقوبات واسعة على محطات الغاز الروسية وسفنها، ما أدى فعليًا إلى تحييد موسكو عن جزء كبير من السوق الأوروبية وإعادة توجيه شحناتها نحو دول قارة آسيا.
وأضاف أن قطر -المنافس الثاني في سوق الغاز المسال الأوروبية- واجهت تحديًا مختلفًا تمثَّل في ارتفاع تكاليف الشحن بعد اضطرابات البحر الأحمر، ما أضعف قدرتها التنافسية مقارنة بالإمدادات الأميركية الأقرب جغرافيًا والأسرع وصولًا للمواني الأوروبية.
جاءت تلك التصريحات خلال إحدى حلقات برنامج "أنسيّات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي على مساحات منصة "إكس" (تويتر سابقًا) بعنوان: "من غرينلاند إلى قناتَي السويس وبنما: كيف يعيد الممر الشمالي وترمب رسم أسواق الطاقة؟".
إقصاء روسيا وفتح الطريق أمام واشنطن
قال أنس الحجي إن ترمب استغل ملف أوكرانيا لفرض عقوبات واسعة على مشروعات ومحطات الغاز المسال الروسية، رغم أن استهداف قطاع الغاز لم يكن مرتبطًا مباشرة بسير العمليات العسكرية، بل بخطط إعادة هيكلة سوق الطاقة الأوروبية.
وأوضح أن العقوبات طالت السفن الروسية الحاملة للغاز المسال، ما صعّب وصول الشحنات إلى أوروبا، وأجبر موسكو على البحث عن أسواق بديلة، في مقدمتها الصين وبعض الدول الآسيوية التي قبلت الإمدادات المخفضة.
وأشار إلى أن الأوروبيين أعلنوا خططًا للتوقف الكامل عن استيراد الغاز الروسي بحلول عام 2027، وهو ما منح الولايات المتحدة فرصة إستراتيجية لتعزيز حصتها السوقية بسرعة، مستفيدة من حاجة القارة إلى إمدادات مستقرة وفورية.

وأكد أنس الحجي أن ترمب نجح في تقليص المنافسة الروسية داخل أوروبا، ما جعل السوق شبه مفتوحة أمام الغاز الأميركي، خاصة خلال فترات الطلب المرتفع في الشتاء والصيف، حين تصبح البدائل محدودة والخيارات السياسية أكثر تعقيدًا.
وأضاف أن ارتفاع تكاليف الشحن القطري حول أفريقيا، بسبب توقف المرور في البحر الأحمر، أدى إلى زيادة سعر الغاز القطري في أوروبا مقارنة بالإمدادات الأميركية، التي تتمتع بمسارات أقصر واستقرار ملاحي أكبر.
ولفت إلى أن هذه التطورات منحت واشنطن موقعًا مهيمنًا في السوق الأوروبية، بعدما جرى عمليًا إبعاد روسيا وإضعاف تنافسية قطر، فباتت الولايات المتحدة المورد الأكثر قدرة على تلبية الطلب الأوروبي سريعًا.
ردود فعل أوروبية غير متوقعة
قال أنس الحجي إن ترمب واجه لاحقًا ردود فعل أوروبية وكندية على قرارات لم تكن محسوبة بدقة، خاصة مع تصاعد الجدل حول غرينلاند والتهديدات المتكررة بفرض رسوم جمركية، ما أثار قلق الحلفاء بشأن مستقبل العلاقات الاقتصادية.
وأوضح أن القادة الأوروبيين أدركوا حجم اعتمادهم المتزايد على الغاز الأميركي، لا سيما خلال فترات الذروة المناخية، ما دفعهم إلى البحث عن بدائل الإمدادات وتنويعها، لتقليل المخاطر السياسية والاقتصادية المحتملة.
وأشار إلى أن أوروبا أعلنت، تحت غطاء التخلّص من الغاز الروسي، خططًا أوسع للتخلي التدريجي عن الوقود الأحفوري وتنويع واردات الغاز المسال، في خطوة هدفت ضمنيًا إلى تخفيف الاعتماد على الولايات المتحدة.

وأكد أنس الحجي أن الخطاب الأوروبي بدا متناقضًا، إذ تطلب الدول عقودًا مرنة وقصيرة، في حين تؤكد نيتها التخلص من الغاز خلال سنوات محدودة، ما يجعل الشركات الموردة مترددة في الاستثمار طويل الأمد.
وشدّد مستشار تحرير منصة الطاقة على أن هذا الارتباك الأوروبي قد يفاقم التوتر مع الولايات المتحدة مستقبلًا، خصوصًا إذا تحولت سياسات التنويع إلى مسار دائم يقلص الهيمنة الأميركية على سوق الغاز الأوروبية.
كندا وسلاح الطاقة في معادلة النفوذ
قال أنس الحجي إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب استعمل سلاح الطاقة -أيضًا- في علاقته بكندا، التي تُعد من أكبر موردي النفط إلى الولايات المتحدة، إذ تستورد واشنطن منها أكثر من 4 ملايين برميل يوميًا بصورة منتظمة.
وأوضح أن اعتماد كندا شبه الكامل على السوق الأميركية وضعها في موقف تفاوضي ضعيف، وذلك على الرغم من امتلاكها احتياطيات ضخمة، ما جعل أي توتر سياسي يحمل انعكاسات مباشرة على قطاعها النفطي.
وأشار خبير اقتصادات الطاقة إلى أن إنشاء خط أنابيب "ترانس ماونتن" نحو الساحل الغربي أتاح تصدير النفط الكندي إلى آسيا، خاصة الصين، لكنه لم يُنهِ الاعتماد الكبير على السوق الأميركية بوصفها مشتريًا رئيسًا للخام الكندي.

وأكد الحجي أن ترمب لوّح بإجراءات قد تؤثر في تدفقات النفط الكندي، مستفيدًا من تشابه نوعية الخام الكندي مع الفنزويلي، ما يمنحه هامش مناورة داخل المصافي الأميركية في حالات التصعيد السياسي.
وأضاف أن هذه السياسات تعكس استعداد واشنطن لاستعمال أدواتها الاقتصادية والبحرية لحماية مصالحها في الطاقة والمعادن، خاصة مع تصاعد الطلب العالمي المرتبط بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
واختتم أنس الحجي تصريحاته بالقول إن ترمب لم يغيّر جوهر إستراتيجية الدولة العميقة في تأمين الموارد وخطوط الإمداد، بل أعاد توظيفها بأسلوب أكثر صراحة، ما جعل أسواق الغاز الأوروبية ساحة اختبار واضحة لهذا النهج.
موضوعات متعلقة..
- طموحات ترمب لزيادة إنتاج النفط الفنزويلي تصطدم بـ5 تحديات (تقرير)
- طاقة الرياح في أوروبا تخالف ترمب.. اتفاق مُلزم لتوليد 100 غيغاواط
- شحن السيارات الكهربائية في أميركا.. حكم ينصر بايدن على ترمب
اقرأ أيضًا..
- الحرب على إيران.. الهجمات الأميركية والإسرائيلية تهدد فرص الاستثمار في النفط والغاز (مقال)
- الغاز المسال القطري يختبر فائض المعروض.. هل يحدث السيناريو الأسوأ؟
- وزير الطاقة الموريتاني: نتحرك للاستفادة من الحقول المكتشفة.. وهذا حجم الاحتياطيات (حوار)
المصدر..





