من يُروج لإغلاق مضيق هرمز.. وهل تعطله إيران بالفعل؟ (تقرير)
أحمد بدر

تَصدّر مضيق هرمز المشهد الجيوسياسي مجددًا مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، وسط سيل من التقارير والتحليلات التي تحدثت عن احتمال إغلاقه، الأمر الذي أثار قلقًا واسعًا في أسواق الطاقة العالمية، وفتح باب التساؤلات حول حقيقة ما يجري وخلفياته السياسية.
وفي هذا السياق، أوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، أن ما حدث يُعدّ تطورًا جللًا يتطلب توضيحًا دقيقًا، خاصةً مع انتشار أخبار غير صحيحة ومُبالَغ فيها في وسائل إعلام دولية بشأن نيات إيرانية مزعومة لإغلاق الممر البحري الحيوي.
وأشار إلى أن العودة إلى أحداث حرب الأيام الـ12 في يونيو/حزيران 2025 تكشف جذور السردية المتداولة حول إغلاق مضيق هرمز، موضحًا أن الضربة الإسرائيلية لإيران كانت متوقعة من منظور صيني، لكنّ تدخُّل إدارة ترمب المفاجئ غيّرَ طبيعة التغطيات الإعلامية بصورة لافتة.
وأضاف أن وسائل إعلام محترمة تداولت تصريحات منسوبة لمسؤولين إيرانيين حول نية إغلاق الممر، غير أن تحقيقاته الشخصية أظهرت أن هذه التصريحات صدرت عن شخصيات سابقة أو محلية لا تملك أيّ صفة تنفيذية، ما يُضعف الأساس الذي بُنيت عليه تلك التحليلات.
جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة -واستثنائية- من برنامج "أنسيات الطاقة"، الذي يقدّمه أنس الحجي عبر مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس"، وكانت بعنوان: "إيران ومضيق هرمز.. كيف يهدد ترمب أسواق النفط والغاز العالمية؟".
إغلاق مضيق هرمز
قال أنس الحجي، إن الحديث المكثّف عن إغلاق مضيق هرمز لم يكن عفويًا كما بدا في ظاهره، بل تزامن مع نشر تقارير متشابهة في ترتيب الأفكار والنقاط الأساسية، ما عَدَّه دليلًا على وجود تنسيق تقوده جهة علاقات عامة تسعى لترسيخ رواية محددة في أذهان المتابعين.
وأوضح أنه أجرى بحثًا استقصائيًا دقيقًا حول اسم مسؤول إيراني تكرر في عدد من التغطيات بوصفه المصرح بشأن الإغلاق، ليكتشف أنه مسؤول حكومي سابق متقاعد، لا يتمتع بأيّ منصب رسمي أو تأثير فعلي في دوائر صنع القرار السياسي أو العسكري داخل إيران.
وأضاف أن مقطع فيديو جرى تداوله على نطاق واسع أظهر عضو مجلس بلدي في مدينة صغيرة يتحدث بحماسة عن إغلاق مضيق هرمز، مؤكدًا أن الرجل لا يملك أيّ صلاحيات سيادية، وأن تضخيم حديثه إعلاميًا كان جزءًا من صناعة انطباع عامّ بوجود تهديد وشيك.

وأكد أنس الحجي أن التهديدات الإيرانية بإغلاق الممر البحري قديمة، وتتكرر في كل مناسبة وفي أزمات سابقة، لكنها خلال حرب يونيو/حزيران 2025 استُعمِلَت بصورة مكثفة ومنظمة، ما منحَها زخمًا استثنائيًا وجعلها تبدو وكأنها موقف رسمي مدروس من أعلى المستويات.
وأشار إلى أن التشابه اللافت بين التقارير المنشورة في عدد من الصحف والمواقع المختلفة، من حيث ترتيب النقاط واللغة المستعمَلة، كشف عن وجود "قائمة رسائل" جرى تعميمها، وهو ما يعزز فرضية وجود حملة إعلامية منظمة حول مضيق هرمز.
وبيّنَ أن بعض المروّجين على منصة التواصل الاجتماعي "إكس" (تويتر سابقًا) أعادوا نشر المزاعم نفسها دون تحقُّق أو تدقيق، ما أسهم في تضخيم الرواية وترسيخها في أذهان المستثمرين والمتابعين، وهو ما انعكس سريعًا على توقعات الأسواق وتحركات الأسعار.
وشدد مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة على أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بقدرة إيران على إغلاق المضيق، بل يتعلق بالجهة التي تستفيد من إشاعة فكرة أن مضيق هرمز مهدد فعليًا، إذ يرى أن تحليل المصالح يكشف أبعادًا أعمق من مجرد توتُّر عسكري عابر.

الإغلاق يضر حلفاء إيران قبل خصومها
أكد أنس الحجي أن إغلاق مضيق هرمز لا يخدم المصالح الإيرانية تحت أيّ ظرف، لأن الدول التي ستتكبد الخسائر الأكبر هي شركاء إيران التجاريون في آسيا، وفي مقدّمتهم الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان، وهي اقتصادات تعتمد بشدة على إمدادات الخليج.
وأوضح أن الولايات المتحدة لن تتأثر إلّا بصورة محدودة نسبيًا من إغلاق المضيق، في حين ستتكبد الاقتصادات الآسيوية خسائر ضخمة إذا تعطلت الإمدادات، ما يجعل فكرة الإغلاق قرارًا غير عقلاني من منظور إستراتيجي إيراني بعيد المدى.
وأضاف أن الصين فهمت اللعبة مبكرًا، إذ رأت أن احتمال تعطيل مضيق هرمز قد يُستعمَل بوصفه أداة ضغط جيوسياسية لخنق إمدادات الطاقة المتجهة شرقًا، وليس بالضرورة نتيجة قرار إيراني منفرد أو ردّ فعل عسكري تقليدي.

وأشار خبير اقتصادات الطاقة إلى أن بكين تحركت سريعًا وأعادت إحياء مشروع أنابيب غاز قديم بالتنسيق مع موسكو، في محاولة لبناء بدائل تقلل اعتمادها على الغاز المسال المار عبر الخليج، تحسبًا لأيّ سيناريو اضطراب طويل الأمد.
ولفت إلى أن ما وصفه بـ"حرب الغاز المسال" بدأ فعليًا منذ عام 2014، عندما وُضعت خطط أميركية لتوسيع إنتاج وتصدير الغاز المسال بهدف السيطرة على الأسواق الأوروبية وتقليص نفوذ الغاز الروسي تدريجيًا.
واستشهد بتصريحات كونداليزا رايس عام 2014، موضحًا أنّ توافُق الجمهوريين والديمقراطيين حول سياسات الطاقة يعكس ما يُعرف بالدولة العميقة، إذ تستمر الإستراتيجيات الكبرى بغضّ النظر عن هوية الرئيس في البيت الأبيض.
وختم الحجي تصريحاته بأن إدارة ترمب الأولى أدت دور المسوّق العالمي للغاز المسال الأميركي، في حين واصلت الإدارات اللاحقة النهج ذاته بأدوات مختلفة، ما يعني أن الجدل الدائر حول مضيق هرمز يرتبط بصراع أوسع على أسواق الطاقة العالمية، وليس مجرد تهديد عسكري آني.
موضوعات متعلقة..
- أنس الحجي: أسعار النفط سترتفع إذا هوجمت إيران.. وهذا مصير مضيق هرمز
- ما بدائل مضيق هرمز.. وهل تحقق أمن الطاقة للخليج؟ أنس الحجي يجيب
- أنس الحجي: إغلاق مضيق هرمز مستحيل.. والإعلام العربي يروّج دون قصد لنفوط منافسة
اقرأ أيضًا..
- أكبر 10 دول عربية في سعة محطات الكهرباء العاملة بالنفط والغاز
- إنتاج مصر من الغاز.. بين الاكتشافات الجديدة والثقة بإدارة الملف (مقال)
- تحول الطاقة في الشرق الأوسط يطرح فرصًا استثمارية تتخطى 5 تريليونات دولار
المصدر:





