مأزق النفط الروسي.. انكماش في الهند وتوسع صيني حذر (مقال)
فيلينا تشاكاروفا* – ترجمة: نوار صبح

- ريستاد إنرجي تتوقع انخفاضًا بنسبة 40% في واردات الهند من النفط الروسي
- في النصف الأول من فبراير الجاري ارتفعت شحنات النفط الروسي إلى الصين بنسبة 20%
- الحكومة الروسية تُسرّع خططها لتشديد قواعد الموازنة عن طريق خفض سقف سعر النفط
- تخلي الهند الدائم عن النفط الروسي أمر غير وارد اقتصاديًا
يشهد قطاع النفط الروسي تحديات كبيرة متلاحقة، إذ تتراجع مشتريات الهند وتتجه الأنظار نحو المشترين الصينيين للبيع بأسعار مخفضة.
وتدور رحى حرب أسعار هادئة، لكنها ذات عواقب وخيمة، في ممرات ناقلات النفط في المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي.
ونتيجة تراجع الهند الحاد عن مشترياتها من النفط الروسي -إذ تتوقع شركة "ريستاد إنرجي Rystad Energy" انخفاضًا بنسبة 40% في واردات الهند من النفط الروسي- باتت موسكو وطهران تتنافسان بشراسة متزايدة على الشريحة المتضائلة نفسها من المشترين الصينيين.
والنتيجة هي سباق نحو أدنى مستويات الأسعار، وتكدس النفط في عرض البحر، وسلسلة من التصدعات الجيوسياسية التي تتجاوز بكثير أسواق الطاقة.
شحنات النفط الروسي إلى الصين
في النصف الأول من فبراير/شباط الجاري ارتفعت شحنات النفط الروسي إلى الصين بنسبة 20% لتصل إلى 2.09 مليون برميل يوميًا، في حين انخفضت الصادرات الإيرانية إلى السوق نفسها بنسبة 12% لتصل إلى 1.2 مليون برميل يوميًا.
وتُظهر مؤشرات الأسعار تباينًا حادًا، إذ يُباع خام الأورال الروسي الآن بخصم يقارب 12 دولارًا للبرميل مقارنةً بخام برنت، بعد أن كان 10 دولارات سابقًا، في حين يُتداول النفط الإيراني الخفيف بخصم 11 دولارًا عن السعر المرجعي.
وهذه ليست تعديلات طفيفة، بل هي إعادة تسعير هيكلية للنفط الخاضع للعقوبات في سوق يتناقص فيها عدد المشترين الراغبين والمؤهلين بسرعة.

وتؤكد أرقام المخزونات العائمة مدى إلحاح الوضع، فقد ارتفع مخزون النفط الإيراني في عرض البحر من 33 مليون برميل في بداية فبراير/شباط الجاري إلى ما يقارب 48 مليون برميل، أي بزيادة قدرها 45% خلال أسابيع، ويبلغ مخزون النفط الروسي العائم نحو 9.5 مليون برميل.
بدورها، تُسرّع طهران وتيرة الشحنات، مدفوعةً بمخاوف من ضربة عسكرية أميركية أو إغلاق مضيق هرمز.
وواجهت مصافي التكرير الصينية الخاصة -المستهلك الرئيس لكل من نوعَي النفط الخام الخاضع للعقوبات- قيودًا على الحصص الإنتاجية وحدودًا في القدرة الإنتاجية، في حين تواصل الشركات الصينية الكبيرة المملوكة للدولة تجنّب الإمدادات الخاضعة للعقوبات تمامًا.
والنتيجة هي سوق للمشترين لا تملك فيها موسكو ولا طهران أي نفوذ يُذكر.
روسيا تُكيّف عملياتها اللوجستية بتكلفة باهظة
للتعويض عن انخفاض حجم الشحنات الهندية وتوجيه الإمدادات شرقًا، أعادت الشركات الروسية المصدرة هيكلة عملياتها البحرية بصورة جذرية.
وتستعمل الشركات الآن ناقلات النفط العملاقة -ناقلات من الدرجة الثالثة قادرة على استيعاب كميات أكبر بكثير- بدلًا من السفن الأصغر حجمًا التي كانت تُستعمل سابقًا على الطرق الأقصر المؤدية إلى الهند.
ويتيح التحول زيادة كبيرة في حجم الشحنات من مواني بحر البلطيق والبحر الأسود إلى المحطات الصينية، مع استعمال الشحن العابر في البحر الأحمر بوصفه حلًا مؤقتًا.
إلا أن طول مدة الرحلات البحرية يُضيّق الخناق على سوق ناقلات النفط العالمية، وتُستعمل الأكبر حجمًا بوصفها مخازن عائمة عندما يتعذر تأمين مشترين على الفور.
بعبارة أخرى، تُشترى المرونة اللوجستية على حساب كفاءة رأس المال.

الضغوط المالية تتزايد داخل روسيا
ينعكس التراجع التجاري في خطوط نقل النفط مباشرةً على ضائقة مالية في موسكو.
ولا تزال أسعار خام الأورال -على الرغم من تعافيها من أدنى مستوى لها في 7 يناير/كانون الثاني المنصرم عند 36.5 دولارًا للبرميل إلى 45.1 دولارًا للبرميل بحلول 18 فبراير/شباط الجاري- منخفضةً للغاية مقارنةً بالسنوات السابقة.
ويُعدّ سعر خام الأورال بالروبل، الذي يبلغ حاليًا نحو 3500 روبل (45.53 دولارًا) للبرميل، أقل بكثير من متوسط سعره في عام 2024 البالغ 6 آلاف و300 روبل، ومتوسط سعره في عام 2025 البالغ 4 آلاف و700 روبل.
وانخفض إنتاج النفط الروسي 4 أشهر متتالية، إذ يقل الإنتاج الفعلي نحو 0.5 مليون برميل يوميًا عن حصة أوبك+ المحددة، البالغة 9.57 مليون برميل يوميًا.
(الروبل الروسي = 0.013 دولارًا أميركيًا)
وتُعدّ العواقب المالية وخيمة، ففي يناير/كانون الثاني 2026 انخفضت إيرادات الموازنة الفيدرالية بنسبة 11.6% على أساس سنوي لتصل إلى 2.362 تريليون روبل، مع انهيار إيرادات النفط والغاز للنصف لتصل إلى 393 مليار روبل.
وهذا الرقم أقل بكثير من الرقم الأساسي البالغ 576 مليار روبل المُدرج في خطة الموازنة.
وبلغ العجز الفيدرالي في يناير/كانون الثاني المنصرم وحده 1.72 تريليون روبل، أي ما يعادل 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي.
من جانبه، أكد وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف أن الحكومة تُسرّع خططها لتشديد قواعد الموازنة عن طريق خفض سقف سعر النفط، ومن المتوقع صدور القرار في غضون أسابيع.
وفي سياق منفصل، كشف رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين عن اجتماع مطوّل وغير مُعلن مع الرئيس بوتين لتحديد طريقة تمويل العجز المُتزايد، حيث شارك البنك المركزي في مناقشات تناولت بالضرورة السياسة النقدية.
وفي عام 2025 بلغ العجز الفعلي لروسيا 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل هدف أولي قدره 0.5%، ويتوقع قلة من المحللين أن يكون عام 2026 مختلفًا.
تعقيدات خط أنابيب دروجبا
يُضيف خط أنابيب دروجبا -الشريان الحيوي الذي يتدفق عبره النفط الروسي إلى أوروبا الوسطى- جبهة ثانية إلى تحديات دبلوماسية الطاقة الروسية، إذ لا يزال مُعطّلًا.
وحذّر رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو في فبراير/شباط الجاري من أن براتيسلافا ستتخذ "إجراءات أخرى" ضد أوكرانيا إذا استمرت كييف في منع وصول الشحنات، مُشيرًا إلى أن كميات فبراير/شباط الجاري لن تُسلّم، وأن استئنافها قبل أوائل مارس/آذار المقبل أمرٌ مستبعد.

وصعّد رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان الموقف، مُهددًا بقطع إمدادات الديزل عن أوكرانيا، ومنع القروض المُقدّمة لكييف، ومعارضة فرض المزيد من العقوبات على روسيا.
وانضمت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى الضغط على كييف، لتسريع إصلاح خط الأنابيب.
وتُبيّن الحادثة كيف تستمر علاقات روسيا في مجال الطاقة داخل أوروبا -حتى تلك المُتضائلة والمُتنازع عليها- في توليد نفوذ سياسي باتجاهات غير متوقعة.
تقليص مشتريات الهند من النفط الروسي
لا يُعد قرار الهند بتقليص مشترياتها من النفط الروسي قرارًا أيديولوجيًا في المقام الأول، بل يعكس مزيجًا من ضغوط العقوبات الغربية، بما في ذلك خفض الرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الهندية من 25% إلى 10%.
ويعكس القرار حاجة مصافي التكرير إلى إدارة مخاطر الامتثال للعقوبات، مع تشديد القيود المفروضة على شركتي "روسنفط Rosneft" و"لوك أويل Lukoil".
في المقابل لا تزال العوامل الهيكلية المحركة للطلب الهندي على الواردات قائمة.
وتتوقع أوبك أن ينمو استهلاك الهند من النفط بمقدار 0.22 مليون برميل يوميًا في عام 2026، ليصل إلى 5.87 مليون برميل يوميًا، وهو أسرع معدل نمو في العالم، بعد أن تجاوز حاليًا معدل نمو الطلب الصيني في عام 2025.
واحتفظت روسيا بحصة سوقية تزيد على 30% من إجمالي واردات الهند لعام 2025، حيث بلغت 84.86 مليون طن، على الرغم من انخفاض حجم الواردات بنسبة 5%.
إنّ جاذبية النفط الروسي المخفّض، إلى جانب توقعات ارتفاع الطلب الهندي لـ7 ملايين برميل يوميًا بحلول أوائل العقد الثالث من القرن الحالي، تجعل تخلي الهند الدائم عن النفط الروسي أمرًا غير وارد اقتصاديًا.
وأفادت وكالة بلومبرغ، في فبراير/شباط الجاري، بأنّ 4 من أكبر 7 مصافي تكرير في الهند قد استأنفت شراء النفط الروسي بفضل الخصومات المتاحة.
الخلاصة..
تُسلط بيانات النفط لشهر فبراير/شباط الجاري الضوء مجتمعةً على توجهات جيوسياسية ذات أهمية هيكلية أكبر مما توحي به أي أسعار منفردة أو إحصاءات ناقلات النفط.
وروسيا لا تخسر حرب الطاقة، بل تُعيد هيكلتها، بتكلفة باهظة وتحت ضغط مالي حقيقي.
وتكشف الإزاحة المتزامنة للنفط الإيراني من الأسواق الصينية عن أن المنتجَين الخاضعين للعقوبات ليسا حليفين طبيعيين بالمعنى التراكمي، بل هما منافسان تجاريان تنتهي شراكتهما الإستراتيجية عند نقطة تنافس صادراتهما على المنصات نفسها.




وفي الوقت نفسه تستغل الصين هذه المنافسة إلى أقصى حد دون تحمل أي من مخاطرها، إذ تعمل بوصفها صانع أسعار سلبيًا بدلًا من شريك جيوسياسي فاعل.
وبالنسبة إلى العواصم الأوروبية تُعد أزمة خط أنابيب دروجبا تذكيرًا بأن الاعتماد على الطاقة -حتى إن كان متبقيًا أو محل نزاع- يُولّد التزامات سياسية يصعب الوفاء بها بصورة كاملة، حسب ما يتضح من ردود فعل بودابست وبراتيسلافا على قرارات خط الأنابيب الأوكراني.
وبالنسبة إلى واشنطن يكشف الوضع في الهند عن قصور استعمال الرسوم الجمركية بوصفها أداة لإعادة تشكيل مشتريات الطاقة من أطراف ثالثة، في حين أن مسار الطلب الهيكلي يسير في الاتجاه المعاكس.
وبالنسبة إلى موسكو فإن تزامن انخفاض إيرادات النفط، وتراجع قيمة الروبل مقابل خام الأورال، وانخفاض الإنتاج، وعجزًا في الموازنة الفيدرالية يتجاوز الهدف المحدد في الشهر الأول من العام؛ يشير إلى أن الاستدامة الاقتصادية للحرب تعتمد على افتراضات لم تُسهم بيانات فبراير/شباط الجاري في تعزيز أي منها.
* فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.
*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- واردات الهند من النفط الروسي.. هل تتوقف أم تنخفض وسط الضغوط والبدائل؟ (مقال)
- صادرات النفط الروسي في العام الرابع للحرب.. مستويات مرتفعة وسوق عربية جديدة
- إيرادات صادرات النفط الروسي في 2025 تهبط 29 مليار دولار
اقرأ أيضًا..
- قفزات قياسية بالطاقة الشمسية في أفريقيا.. و4 دول عربية تقود النمو خلال 2025
- إنتاج مصر من الغاز.. بين الاكتشافات الجديدة والثقة بإدارة الملف (مقال)
- وزير الطاقة الموريتاني: نتحرك للاستفادة من الحقول المكتشفة.. وهذا حجم الاحتياطيات (حوار)





