تشخيص أعطال محركات المركبات الكهربائية.. دراسة مصرية رائدة
داليا الهمشري

في ظل التحوّل العالمي المتسارع نحو وسائل نقل منخفضة الانبعاثات، تبرز المركبات الكهربائية بوصفها أحد أعمدة مستقبل الطاقة المستدامة، نظرًا إلى ما تمثّله من نقلة نوعية في تقليل الاعتماد على النفط والغاز وخفض البصمة الكربونية لقطاع النقل.
ولم تعد هذه المركبات مجرد خيار بيئي، وإنما أصبحت ركيزة إستراتيجية تدعم خطط التنمية الخضراء، من خلال ما توفره من كفاءة تشغيلية عالية، واعتماد متزايد على تقنيات تحكم متطورة تعزّز الأداء والسلامة في آن واحد.
ومع هذا التطور التقني المتسارع، تبرز تحديات جديدة تتعلق بموثوقية منظومة الدفع الكهربائي، خاصة فيما يتعلّق بأعطال المحركات الكهربائية التي قد تؤثر بصورة مباشرة في كفاءة المركبة وسلامة تشغيلها.
ومن هنا تتزايد أهمية تبني حلول ذكية تعتمد على تقنيات تعلّم الآلة والذكاء الاصطناعي، لتوفير أنظمة تشخيص مبكر قادرة على رصد الأعطال بدقة وفي الزمن الحقيقي، لتعزيز انتشار المركبات الكهربائية على نطاق أوسع داخل أسواق النقل الحديثة.
وفي هذا الإطار، قدّم المعيد في كلية الهندسة بشبرا التابعة لجامعة بنها (في مصر) المهندس عادل النحاس، رسالة لنيل درجة الماجستير -حصلت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- حول الطرق الحديثة لتشخيص أعطال المحركات الكهربائية المستعملة في المركبات الكهربائية.
وضمّت لجنة الحكم والمناقشة كلًا من الأستاذَين بالجامعة الدكتور محسن زكي الشريف (مقررًا وممتحنًا داخليًا)، والدكتور محمود أحمد الأحمر (ممتحنًا ومشرفًا)، بجانب أستاذ الآلات الكهربية بكلية الهندسة جامعة الأزهر بنين الدكتور حمدي عبدالحليم شتلة (ممتحنًا خارجيًا)، والأستاذ المساعد في قسم الهندسة الكهربائية بكلية الهندسة بشبرا الدكتور محمد صلاح سلمي (مشرفًا).
تطوّر منظومة المركبات الكهربائية
أوضح الدكتور حمدي شتلة أن المركبة الكهربائية تعتمد على 3 مكونات رئيسة وهي:
1- المحرك الكهربائي: المسؤول عن تحويل الطاقة الكهربائية إلى حركة ميكانيكية تدفع العجلات، وتتنوع أنواع المحركات من حيث الكفاءة والتكلفة وسهولة الصيانة، إلا أن جميعها يتميز بسرعة الاستجابة والعزم المرتفع الذي يمنح السيارة تسارعًا سلسًا.
2- دوائر التحكم الإلكترونية: وتشمل العواكس الإلكترونية (Inverters) التي تنظم تدفق الكهرباء إلى المحرك، وتتحكم في سرعته وعزمه بدقة عالية.
3- البطاريات: وهي العنصر الأهم والأعلى تكلفة؛ إذ تخزن الطاقة الكهربائية وتغذّي المحرك وباقي الأنظمة، وتعتمد كفاءة المركبة بصورة كبيرة على كفاءة إدارة الشحن والتفريغ.

ولفت شتلة -في تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- إلى أن هذه المنظومة قد شهدت تطورًا ملحوظًا خلال الأعوام الأخيرة، سواء في تحسين أداء المحركات أو في تقنيات إدارة البطاريات الذكية.
ورغم التطور التقني في أداء المركبات الكهربائية، أوضح أن المحركات الكهربائية ما تزال عرضة لبعض الأعطال نتيجة ظروف التشغيل القاسية، مثل: تغيرات الحرارة، والاهتزازات الميكانيكية، واختلاف الأحمال في أثناء التسارع والتباطؤ، وتقلّبات الجهد الكهربائي.
ولفت شتلة إلى أن عدم اكتشاف العطل مبكرًا قد يؤدي إلى انخفاض الكفاءة، أو توقف المركبة بصورة مفاجئة، أو حتى مخاطر تتعلّق بالسلامة.
وأضاف أن عمليات الصيانة التقليدية تعتمد على الفحص الدوري أو تحليل بسيط للإشارات الكهربائية، موضحًا أنها أساليب قد لا تكون كافية لمواكبة سرعة أنظمة السيارات الحديثة ودقتها، مما دعا إلى ضرورة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة لتطوير أنظمة تشخيص أكثر تطورًا.
نظام ذكي لرصد الأعطال
تناولت رسالة الماجستير المقدمة من الباحث عادل النحاس دراسة علمية حديثة لتطوير نظام يعتمد على تقنيات تعلم الآلة للكشف المبكر عن أعطال محركات المركبات الكهربائية.
واعتمدت الدراسة على بناء نموذج محاكاة دقيق للمحرك الكهربائي، بهدف تحليل سلوكه في الظروف الطبيعية، وكذلك عند تعرضه لـ5 أنواع مختلفة من الأعطال.
وراقب الباحث إشارات التشغيل الأساسية، مثل التيار الكهربائي والعزم والسرعة، وحلّلها لاستخراج ما يمكن وصفه بـ"البصمة" الخاصة بكل عطل، وهي الخصائص المميزة التي تتيح التفريق بين الأعطال المختلفة بدقة.
واستنادًا إلى هذه البيانات، جرى تدريب 5 نماذج متنوعة من خوارزميات تعلّم الآلة، ثم مقارنتها منهجيًا لاختيار النموذج الأعلى أداءً من حيث الدقة والقدرة على التمييز بين الحالات.
ولم تقتصر الاختبارات على ظروف تشغيل ثابتة، بل قيّم الباحث النظام تحت سيناريوهات تحميل متعددة لضمان موثوقيته في مختلف أوضاع التشغيل التي قد تواجهها المركبة الكهربائية فعليًا.
ولتعزيز دقة النتائج وتجنّب أي تحيّز في التنبؤات، أُنشئت قاعدة بيانات كبيرة ومتوازنة تمثّل جميع الحالات، سواء السليمة أو المصحوبة بأعطال.
وأظهرت النتائج النهائية نجاح النظام المقترح في التمييز بين الحالات الطبيعية والمعطوبة بدقة مرتفعة، مع قدرته على العمل في الزمن الحقيقي، ما يعزّز إمكان تطبيقه عمليًا داخل أنظمة المركبات الكهربائية الحديثة.
التطبيق العملي
لم تتوقف الدراسة عند حدود المحاكاة النظرية، وإنما انتقلت خطوة أبعد لاختبار النظام في ظروف أقرب ما تكون إلى التشغيل الحقيقي.
ولتحقيق ذلك، اعتمد الباحث على تقنية تُعرف باسم "المحاكاة في الزمن الحقيقي"، وهي طريقة تسمح بتجربة النظام كما لو كان يعمل داخل سيارة فعلية، مع استجابة فورية للبيانات والإشارات.
ونُفّذت هذه الاختبارات عبر منصة "Opal-RT" المتخصصة في هذا النوع من المحاكاة، ما أتاح التأكد من كفاءة النظام وجاهزيته للتطبيق العملي.
وأظهرت النتائج أن النماذج الذكية حافظت على كفاءتها العالية حتى في بيئة التشغيل الواقعية، ما يعزّز فرص تطبيقها صناعيًا داخل وحدات التحكم الإلكترونية للمركبات الكهربائية.

وأكد الدكتور حمدي شتلة -في تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن تطوير أنظمة تشخيص ذكية للمحركات الكهربائية يمثّل خطوة محورية في دعم مستقبل المركبات الكهربائية، موضحًا أن أهمية هذه الأنظمة لا تقتصر على الجانب التقني فحسب، بل تمتد إلى أبعاد تتعلق بالأمان والاقتصاد وثقة المستعملين.
وأوضح أن القدرة على اكتشاف الأعطال مبكرًا تُسهم بصورة مباشرة في رفع مستوى أمان المركبات الكهربائية، إذ تقلّل من احتمالات التوقف المفاجئ أو حدوث مشكلات في أثناء القيادة، لافتًا إلى أن التشخيص الدقيق يحدّ من الأعطال غير المتوقعة، ويمنح فرق الصيانة فرصة للتدخل قبل تفاقم المشكلة.
وأضاف أن هذه التقنيات تساعد -كذلك- في خفض تكاليف الصيانة، لأن معالجة الخلل في بدايته تكون أقل تكلفة من إصلاح تلف كبير بعد حدوثه، فضلًا عن إسهامها في إطالة العمر التشغيلي للمحركات عبر التشغيل تحت مراقبة ذكية ومستدامة.
وشدّد على أن تعزيز موثوقية الأداء ينعكس مباشرة على زيادة ثقة المستهلك في تقنيات النقل الكهربائي، وهو عامل حاسم في تسريع انتشار المركبات الكهربائية ودعم التحول نحو وسائل نقل أكثر استدامة.
موضوعات متعلقة..
- دراسة مصرية: المركبات الكهربائية أداة فاعلة لخفض أحمال شبكات الكهرباء
- رفع كفاءة المركبات الكهربائية لمواكبة الظروف البيئية.. تقنية مصرية مبتكرة
- شحن المركبات الكهربائية بتقنية مبتكرة لباحثة مصرية
اقرأ أيضًا..
- استثمارات الخليج النظيفة في أفريقيا.. 6 فرص بعيدًا عن الشمس والرياح والهيدروجين
- قطاع الطاقة المصري في 2026.. توسعات بمشروعات عملاقة متكاملة (تقرير)
- أسعار النفط تتباين.. وتسجل مكاسب أسبوعية - (تحديث)
- مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية في 2025 (ملف خاص)





