تتجه روسيا إلى استعمال إستراتيجية جديدة في إمدادات الطاقة، من خلال الاستعانة بناقلات النفط العملاقة بدلًا من السفن الصغيرة، لزيادة صادراتها إلى الصين.
وأعدّت موسكو -بحسب تفاصيل تابعتها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- مواني وتجهيزات بحرية جديدة لتحميل النفط على ناقلات عملاقة قادرة على حمل ما يصل إلى نحو مليوني برميل، وهو ما يشكّل تغييرًا ملموسًا في لوجستيات التصدير.
يأتي التحول الجديد في إطار تفاعل روسيا مع ضغوط العقوبات الغربية المتواصلة التي طالت كيانات وشركات نقل النفط، ما دفعها لاستعمال ناقلات النفط العملاقة لخفض تكلفة النقل المباشر عبر الطرق التقليدية، وتخفيف عبء القيود على أسواق الخام الآسيوية.
وجاءت الزيادة في الشحنات الروسية إلى بكين وسط تقلبات سوقية، مع ارتفاع كبير في أسعار استئجار الناقلات عالميًا، نتيجة ارتفاع الطلب من الشرق الأوسط وآسيا في ضوء التوترات الجيوسياسية وتأمين طرق الطاقة.
التوسع اللوجستي الروسي نحو الصين
شهدت الأسواق البحرية تحولًا لجأ خلاله المصدرون الروس إلى ناقلات النفط العملاقة بعد أن تقلّصت مشتريات الهند من الخام الروسي، ما أجبر موسكو على تركيز الشحنات الأكبر نحو الصين عبر سفن ضخمة توفّر اقتصاديات نقل أفضل لمسافات طويلة.
ويعكس التغيير في أسطول التصدير إعادة ترتيب أولويات روسيا في التعاملات الدولية للطاقة، إذ تمّت عمليات الترحيل من الناقلات الصغيرة إلى ناقلات النفط العملاقة في نقاط بحرية بعيدة لتعظيم الكميات المباشرة إلى منافذ الاستهلاك في آسيا.
وفق بيانات تعقُّب شحنات النفط، فإن أكثر من 6.3 إلى 6.9 مليون برميل من خام الأورال، خام التصدير الرئيس من روسيا، حُمِّلَت منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي، في ناقلات صغيرة عبرت المياه الأوروبية وقناة السويس وصولًا إلى البحر الأحمر، قبل تجميعها في 4 ناقلات نفط عملاقة.

وتعكس عمليات نقل الشحنات من سفن أصغر إلى أخرى أكبر في عرض البحر، تحوّلًا في خريطة المشترين، مع تصاعد حصة بكين مقابل تراجع الطلب من المصافي الهندية، وفق "فورتكسا" (Vortexa).
وقالت المحللة آنا جمينكو: إن ذلك "يشير إلى تنامي اعتماد روسيا على الصين منفذًا رئيسًا لخام الأورال".
وارتفعت صادرات النفط الروسي إلى المواني الصينية إلى 2.09 مليون برميل يوميًا خلال أول 18 يومًا من فبراير/شباط، مقارنة بـ1.72 مليون برميل يوميًا في جميع أيام شهر يناير/كانون الثاني و1.39 مليون برميل يوميًا في ديسمبر/كانون الأول، ما عوّض أكثر من إجمالي التراجع في الشحنات المتجهة إلى الهند.
ويصاحب الاتجاه نحو الناقلات العملاقة تحديث جزئي في البنية التحتية البحرية الروسية، رغم العقوبات الغربية التي تستهدف ناقلات وشركات بحرية، لتسهيل النقل الكبير عبر خطوط طويلة، بما يعزز مكانة موسكو في سوق الطاقة الأسيوية.
وأثّرت التغيرات في أسواق شهادات التأمين وتكاليف الملاحة البحرية في قرارات الشركات الروسية بشأن الاعتماد على ناقلات النفط العملاقة مقابل السفن الأصغر، مع ارتفاع معدلات التأمين على طرق المرور مثل مضيق هرمز وقناة السويس.
وتأتي هذه الخطوة كذلك ردّ فعل على العقوبات الغربية الجديدة التي تستهدف نحو 48 ناقلة ضمن أسطول "الأساطيل المظللة" المرتبطة بروسيا، ما دفعها إلى تعزيز أسطولها الأكبر عبر عقود وتأجيرات طويلة الأجل.
تأثير العقوبات والرهانات الجيوسياسية
في ظل الحرب الروسية على أوكرانيا، تعرّضت موسكو لعقوبات غربية تشمل قطاع الطاقة وأسطول النقل البحري، لكن استمرار صادرات النفط إلى الصين دفعها لتكييف استعمال ناقلات النفط العملاقة بصفتها آلية لتجاوز القيود وضمان تدفّق الخام إلى السوق الآسيوية.
وشملت العقوبات البريطانية والأوروبية على روسيا شركات نقل وأنابيب نفطية رئيسة، ما أثار نقاشات في أسواق الطاقة عن قدرة موسكو على مواصلة ضخ شحنات كبيرة.
وتعدّ الصين حاليًا أكبر مستورد للنفط الروسي، إذ تُظهر بيانات الشحن أن توجّهات موسكو تتماشى مع رغبة بكين في الحصول على إمدادات مستقرة وكميّات ضخمة من الخام الروسي، على الرغم من العقوبات.
بالتوازي مع ذلك، تعكس زيادات أسعار استئجار الناقلات عالميًا أن المنافسة على الناقلات العملاقة تشهد ضغوطًا من مصادر إمداد متعددة، بما في ذلك الشرق الأوسط والولايات المتحدة، ما يرفع كلف النقل ويعكس ديناميكيات الطلب في آسيا.
كما أن الاعتماد على ناقلات النفط العملاقة يعدّ خيارًا منطقيًا تجاريًا، في ظل المسافة الأطول بكثير بين روسيا والصين، كما توفر هذه السفن حلًا أكثر كفاءة للتخزين العائم عند غياب مشترٍ للشحنات.
وظهر البحر الأحمر موقعًا لعمليات النقل بين السفن عقب تشديد الرقابة في المواقع تقليدية، بما فيها شمال قناة السويس، أو أحيانًا قبالة سواحل اليونان ومالطا.
وفي الشرق الأوسط، يبدو أن وجود قوات البحرية الأميركية حدَّ من جاذبية تنفيذ عمليات النقل تلك قرب سواحل سلطنة عمان.
ونفّذت الناقلة العملاقة "ساهارا " (Sahara )، المبنية عام 2007 والخاضعة لعقوبات أميركية، مؤخرًا عملية نقل في المياه الدولية قبالة السواحل المصرية، تسلّمت خلالها شحنات من ناقلتي "سويزماكس" و"أفراماكس"، ثم فرّغت حمولة تُقدّر بنحو 1.7 مليون برميل قبالة ناخودكا في أقصى شرق روسيا إلى ناقلات أخرى، تولّت لاحقًا إيصال النفط إلى الصين.
واستغرقت الشحنة النفطية نحو 3 أشهر لإتمام رحلتها من ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود، مقارنةً بما يتراوح بين 5 و6 أسابيع في الظروف المعتادة.
موضوعات متعلقة..
- النفط والغاز في روسيا.. ضغوط الإيرادات تتفاقم وسط البحث عن مشترين جدد (مقال)
- دولة أوروبية تلجأ إلى احتياطي النفط الإستراتيجي بعد انقطاعات إمدادات روسيا
- اكتشاف نفط في روسيا باحتياطيات 400 مليون برميل.. الأكبر منذ 30 عامًا
اقرأ أيضًا..
- هل تنجح مصر في إنتاج مليون برميل نفط يوميًا؟.. 3 خبراء يتحدثون
- كشف أكبر موقع محتمل لتخزين الهيدروجين.. أقدم من الديناصورات
- لماذا ترتفع درجة حرارة الكوكب؟ دور مهم للظواهر المناخية والسياسات الحكومية (تقرير)
المصدر:





