التقاريرتقارير منوعةرئيسيةمنوعات

كيف تحولّت المعادن الحرجة من مدخلات صناعية إلى أصول إستراتيجية؟ (تقرير)

حمدي شعبان

يواجه قطاع الطاقة العالمي صعوبة في التأقلم مع التغيّرات الهيكلية لسلسلة إمداد المعادن الحرجة، تحديدًا الليثيوم، والنيكل، والكوبالت.

إذ لم تعد مجرد مدخلات صناعية، بل تحولت إلى أصول إستراتيجية تصاغ حولها السياسات الوطنية للدول الغنية بالموارد، وتبنى على أساسها التحالفات الأمنية للاقتصادات الكبرى.

وفي ظل اتساع الفجوة بين طموحات الحياد الكربوني وواقع التنافس الجيوسياسي تبرز معضلة التوفيق بين كفاءة الأسواق وأمن الإمدادات.

وبحسب دراسة صادرة عن مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك)، فإن السنوات القليلة الماضية شهدت تحولًا كبيرًا في فلسفة التعامل مع الثروات المعدنية في دول الجنوب العالمي.

وأوضحت الدراسة، التي اطلعت عليها وحدة أبحاث الطاقة، أنه بعد عقود من الاعتماد على تصدير المواد الخام، بدأت دول مثل تشيلي وإندونيسيا والكونغو الديمقراطية في تبني ما يعرف اصطلاحًا بـ"قومية الموارد"، بصفتها أداة اقتصادية لزيادة العائد المحلي وترسيخ المكانة الإستراتيجية.

إستراتيجيات دول الجنوب لتعظيم القيمة المضافة

في تشيلي -التي تستأثر بنصيب الأسد من احتياطيات الليثيوم- لم تعد "الإستراتيجية الوطنية لليثيوم" مجرد حبر على ورق؛ إذ أدى تأسيس الشركة الوطنية للليثيوم إلى فرض نموذج "الشراكة الإلزامية"، حيث تسيطر الدولة على الحصة الأكبر في المشروعات الإستراتيجية مثل (سالار دي أتاكاما).

ويهدف هذا التوجه إلى الموازنة بين جذب التقنيات العالمية -عبر شركتي "سوسييداد كيميكا إي مينيرا دي تشيلي"SQM  و"ألبيمارلي"- وضمان السيادة الوطنية على المورد الذي يُعرف بـ"الذهب الأبيض".

موقع لاستخراج الليثيوم - الصورة من شركة Pilbara Minerals
موقع لاستخراج الليثيوم - الصورة من شركة Pilbara Minerals

وقدمت إندونيسيا النموذج الأكثر جرأة عبر سياسة "التصنيع المحلي" وحظر تصدير خام النيكل غير المعالج؛ حيث نجحت جاكرتا في جذب استثمارات ضخمة بلغت 47.36 مليار دولار، لتحول البلاد من مجرد مصدر للمواد الأولية إلى قطب عالمي لمعالجة نيكل الفئة الأولى المخصص للبطاريات.

وإندونيسيا هي أكبر منتج للنيكل في العالم، بحصة تتجاوز 50% من الإمدادات العالمية، وفق ما رصدته وحدة أبحاث الطاقة.

وبصفتها المنتج لأكثر من 75% من الكوبالت العالمي، انتقلت جمهورية الكونغو الديمقراطية من مجرد الاستخراج إلى التدخل المباشر لضبط استقرار السوق.

ففي بداية عام 2025 ومع تراجع الأسعار لمستويات قياسية نتيجة فائض المعروض، لجأت كينشاسا إلى فرض حظر مؤقت على الصادرات لتقييد المعروض ورفع الأسعار، ما يعكس استعداد الدول المنتجة لاستعمال نفوذها لضبط العائدات المالية.

الهيمنة الصينية على سلسلة إمدادات المعادن الحرجة

على الجهة الأخرى، تواصل الصين إحكام قبضتها على سلاسل إمداد المعادن الحرجة عبر نهج يوفق بين الاكتفاء الذاتي المحلي وتأمين الموارد من خلال الاستثمار الخارجي.

وسجلت الاستثمارات الصينية المباشرة في قطاع المعادن خارجيًا مستويات قياسية، حيث بلغت في النصف الأول من عام 2025 نحو 24.9 مليار دولار.

ووجهت البلاد 60% من الاستثمارات نحو التعدين، في حين خصصت 40% لعمليات معالجة المعادن.

وهذا التكامل الرأسي جعل الصين طرفًا حاسمًا لا يمكن تجاوزه، ليس فقط كونها منتجًا، بل بصفتها صاحبة براءات اختراع لمعظم تقنيات تكرير أو معالجة المعادن.

وانتقلت بكين من الهيمنة الكمية إلى "الحمائية التقنية"، ففي يوليو/تموز 2025 فرضت وزارة التجارة الصينية قيودًا على تصدير تقنيات استخراج وتكرير الليثيوم، بما في ذلك أساليب الاستخراج من "الإسبودومين" والمحاليل الملحية.

ووضع هذا الإجراء المشروعات العالمية في مأزق، إذ بات لزامًا على أي شراكة دولية تعتمد على تقنيات صينية الحصول على رخصة تصدير.

كما أنه جاء ردًا على السياسات الغربية الرامية لكسر الهيمنة الصينية، ما أدى إلى زيادة حالة عدم اليقين في جداول تنفيذ مشروعات البطاريات الكبرى في أوروبا وأميركا الشمالية.

التنافس الإستراتيجي بين أكبر المستهلكين

إلى جانب سياسات المنتجين (تشيلي وإندونيسيا والكونغو) وسيطرة الصين على عمليات المعالجة، تسعى الدول المستهلكة للمعادن الحرجة -بقيادة الولايات المتحدة وأوروبا- إلى كسر هيمنة بكين.

وأدت التطورات الأخيرة في واشنطن -تحديدًا إقرار ما يُعرف بـ"القانون الكبير الجميل" في مارس/آذار 2025- إلى تسريع مسار "فك الارتباط الهيكلي".

وهذا القانون الذي وسع نطاق تعريف "الكيانات الأجنبية المثيرة للقلق" جعل الشركات الصينية التي تمتلك حصة تزيد على 25% مهددة بفقدان الوصول إلى الحوافز الضريبية الأميركية.

المعادن الحيوية

وعلى الجانب الآخر، ترتكز سياسة الاتحاد الأوروبي على "قانون المواد الخام الحرجة"، ليكون حائط صد ضد تقلبات سلاسل الإمداد العالمية، إذ يحدد القانون قائمة دقيقة تضم 34 مادة حرجة و17 مادة إستراتيجية، واضعًا مستهدفات طموحة لعام 2030.

وتضم هذه المستهدفات؛ تأمين ما لا يقل عن 10% من الاستهلاك للمعادن الحرجة من الاستخراج المحلي، إلى جانب 40% من عمليات المعالجة داخل الاتحاد الأوروبي.

وفي مقابل هذه السياسات، يشير الواقع الاقتصادي إلى أن فك الارتباط الكامل قد يكون خيارًا مكلفًا للغاية؛ فاستبعاد الصين من النقاش العالمي لا يعني بالضرورة زيادة الأمن بل قد يعني إبطاء وتيرة التحول الأخضر وزيادة التكاليف على المستهلك النهائي.

وحذر مركز كابسارك من أن تسييس سلاسل إمداد المعادن الحرجة قد يؤدي إلى ظهور تكتلات متنافرة.

فبينما تسعى شراكة أمن المعادن -التي تقودها الولايات المتحدة- إلى بناء سلاسل إمداد صديقة، تظل هذه المبادرات تواجه عقبات تمويلية وتقنية.

كما أن الضغط الذي تمارسه الدول المستهلكة لتقليل كثافة الكوبالت أو البحث عن بدائل خالية من الليثيوم قد يدفع الدول المنتجة (مثل الكونغو) إلى مزيد من التدخل في السوق عبر "حظر التصدير المؤقت" لضبط الأسعار، كما حدث في بداية عام 2025 عندما تراجعت الأسعار لمستويات قياسية.

الخلاصة

الدروس المستفادة من دراسة حالات تشيلي وإندونيسيا والصين تشير إلى أن قطاع المعادن الحرجة بات أمام حقبة "إدارة الدولة للأسواق"، فالتوازن بين الطموحات الوطنية للدول المنتجة واحتياجات الأمن القومي للدول المستهلكة بات هشًا للغاية.

كما أن سلاسل إمداد المعادن الحرجة تمر بحالة من إعادة الهيكلة القسرية، فبينما تواصل الصين استغلال تفوقها التقني والاستثماري، تسعى الولايات المتحدة وأوروبا إلى بناء استقلال ذاتي مُكلف.

موضوعات متعلقة..

نرشح لكم..

المصدر:

تحولات سلسلة إمداد المعادن الحيوية، من مركز "كابسارك"

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق