التقاريرتقارير الغازرئيسيةغاز

حقل دراغون البحري.. هل يعيد رسم معادلة الغاز في أميركا اللاتينية؟

الطاقة

اقرأ في هذا المقال

  • حقل دراغون يعود إلى صدارة النقاشات الإقليمية مع قرب بدء الإنتاج.
  • شركتا شل وبي بي تخططان لتطوير الحقول البحرية في فنزويلا وترينيداد وتوباغو.
  • فنزويلا تشهد ضعفًا في استغلال احتياطياتها البالغة 195 تريليون قدم مكعبة من الغاز.
  • شل تستهدف إنتاج أولي من حقل دراغون بنحو 200 مليون قدم مكعبة يوميًا.
  • حقل دراغون قد يسهم في تعزيز الأمن الطاقي الإقليمي ودعم صادرات ترينيداد وفنزويلا.

عاد حقل دراغون إلى صدارة النقاشات الإقليمية والدولية مع تجدّد الحديث عن قرب بدء الإنتاج، وسعي شركتي شل وبي بي إلى الحصول على تراخيص أميركية تتيح لهما تطوير حقول الغاز الطبيعي في فنزويلا وعلى حدودها البحرية مع ترينيداد وتوباغو.

ويأتي هذا التطور في لحظة حسّاسة تشهد فيها أميركا اللاتينية عجزًا متزايدًا بإمدادات الغاز، مقابل امتلاك فنزويلا أحد أكبر مخزونات الغاز غير المستغلة عالميًا، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول فرص التصدير، وتأثيرها المحتمل في أسواق الغاز الإقليمية.

ووفقًا لبيانات وحدة أبحاث الطاقة (مقرّها واشنطن)، تمتلك فنزويلا أكثر من 195 تريليون قدم مكعبة، ما يقارب 70% من احتياطيات الغاز الطبيعي في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، على الرغم من أن حصة المنطقة مجتمعة لا تتجاوز 4% من الإجمالي العالمي.

هذا التناقض بين وفرة الموارد وضعف الاستغلال يفسّر لماذا أصبح حقل دراغون وغيره من المشروعات البحرية محورًا لاهتمام الشركات الدولية والدول المجاورة الساعية إلى تأمين إمدادات مستقرة من الغاز.

سياق سياسي معقّد ومصالح متشابكة

في 28 يناير/كانون الثاني 2026 أعلن وزير الطاقة في ترينيداد وتوباغو رودال مونيلال، أن شركتي شل وبي بي تسعيان إلى الحصول على تراخيص أميركية لاستخراج الغاز الطبيعي من حقول في ترينيداد وتوباغو وفنزويلا.

وأوضح أن شل تستحوذ حاليًا على الترخيص، الذي يتيح لها المعاملات والمفاوضات المتعلقة بمشروع تطوير حقل غاز دراغون، لكنها تحتاج إلى الحصول على تراخيص إضافية من أجل إنجاز أعمال التطوير والإنتاج.

بالإضافة إلى ذلك، تسعى شل وبي بي إلى الحصول على تراخيص أخرى تتعلق بحقل لوران-ماناتي، الذي يحتوي على نحو 10 تريليونات قدم مكعبة من الغاز، منها 7.3 تريليون قدم مكعبة في الجانب الفنزويلي، و2.7 تريليون قدم مكعبة المتبقية في ترينيداد.

وأضاف أن شركة بي بي تسعى إلى الحصول على ترخيص لتطوير حقل كوكوينا-ماناكين، الذي ينتمي الجزء الفنزويلي منه إلى مشروع بلاتافورما دلتانا البحري، والذي يحتوي على تريليون قدم مكعبة من احتياطيات الغاز المؤكدة.

وتكمن أهمية هذا التصريح في أنه يعكس تسارع التحركات بعد سنوات من الجمود، فرضتها العقوبات الأميركية على قطاع الطاقة الفنزويلي، وما رافقها من تغيّر متكرر في السياسة الأميركية تجاه كاراكاس.
شعار شركة شل
شعار شركة شل - الصورة من موقعها الرسمي

وترينيداد، التي تُعدّ أكبر مصدّر للغاز الطبيعي المسال في أميركا اللاتينية وواحدة من كبار مصدّري الأمونيا والميثانول عالميًا، تواجه تراجعًا في احتياطياتها.

ونتيجة لذلك بات الاعتماد على الغاز الفنزويلي خيارًا إستراتيجيًا للحفاظ على صناعاتها المدرة للدخل، من إسالة الغاز إلى البتروكيماويات.

وهنا يبرز حقل دراغون بوصفه أحد أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي غير المطورة في فنزويلا، وقادرًا على سد فجوة الإمدادات الترينيدادية.

مسار مشروع حقل دراغون

تعود أولى المناقشات الرسمية حول حقل دراغون إلى عام 2016، عندما اجتمعت سلطات الطاقة في فنزويلا وترينيداد وتوباغو لمناقشة تطوير الحقول البحرية العابرة للحدود، وعلى رأسها لوران-ماناتي ودراغون.

آنذاك، كانت أولوية فنزويلا موجّهة نحو تلبية الطلب المحلي على الغاز لمحطات الكهرباء، في ظل تراجع التوليد الكهرومائي بسبب ظاهرة النينو.

في عام 2017، أحرز المشروع تقدمًا مع توقيع اتفاقية مبدئية بين شركة النفط الفنزويلية (PDVSA) وشركة شل لتصدير غاز حقل دراغون إلى ترينيداد، تلتها في 2018 اتفاقية إطارية بين الدولتين لاستكشاف وإنتاج الغاز.

غير أن العقوبات الأميركية لاحقًا أعاقت التنفيذ، وأدّت في 2020 إلى اعتماد التطوير المنفصل لمشروع لوران-ماناتي، وتقليص أعمال حقل دراغون.

تراخيص أميركية مؤقتة

في ديسمبر/كانون الأول 2023، حصل المشروع على دفعة جديدة بعد إعفاء صادر عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية (OFAC)، سمح بتوقيع ترخيص بين شركة الغاز الوطنية في ترينيداد (NGC) وشل وفنزويلا لتطوير حقل دراغون.

لكن هذا الزخم اصطدم مجددًا بعقبة سياسية في أبريل/نيسان 2025، مع عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، واعتماد نهج متشدد تجاه كاراكاس، شمل سحب الترخيص المتعلق بالمشروع.

كما علقت فنزويلا في عهد الرئيس السابق نيكولاس مادورو، العام الماضي، التعاون في مجال تطوير الطاقة مع ترينيداد وتوباغو، بما في ذلك مشروعات الغاز الطبيعي المشتركة قيد الإعداد.

وفي سبتمبر/أيلول 2025، وخلال اجتماع سياسي-أمني رفيع المستوى، تلقت ترينيداد تعهدًا أميركيًا بدعم حقل دراغون ضمن إستراتيجية مشتركة للطاقة والأمن الاقتصادي.

وأسفر ذلك عن إعفاء جديد من واشنطن، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، يمنح نافذة زمنية مدتها 6 أشهر للتعامل مع فنزويلا، على أن تنتهي في أبريل/نيسان 2026، وسط ترقّب لمصير العقوبات الأميركية على فنزويلا، التي بدأ الرئيس ترمب في تخفيفها منذ الإطاحة بنظام نيكولاس مادورو أوائل العام الجاري.

وفي أحدث التطورات، قررت الولايات المتحدة السماح إلى 5 شركات نفط كبرى، منها شل وبي بي، باستئناف عملياتها في فنزويلا.

احتياطيات حقل دراغون

تشير التقديرات إلى أن احتياطيات حقل دراغون تتراوح ما بين 3.5 و4 تريليونات قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، ما يجعله من أبرز الاكتشافات البحرية في منطقة الكاريبي خلال السنوات الأخيرة.

وتخطط شل لإنتاج أولي بنحو 200 مليون قدم مكعبة يوميًا، يرتفع تدريجيًا إلى 350 مليونًا، مع بدء الإنتاج التجاري المتوقع في الربع الأخير من 2027.

هذه الكميات كفيلة برفع صادرات ترينيداد من الغاز الطبيعي المسال بنحو 35%، مستفيدة من طاقة إسالة قائمة تبلغ 11.4 مليون طن سنويًا، لكنها تعمل -حاليًا- بنحو نصف طاقتها فقط.

وبالنسبة لفنزويلا، قد يدر حقل دراغون إيرادات تقارب 500 مليون دولار سنويًا في مراحله الأولى، مع إمكان الزيادة لاحقًا.

حقل غاز
حقل غاز دراغون - الصورة من موقع شركة النفط الوطنية الفنزويلية

الغاز الفنزويلي وسد فجوة الإمدادات الإقليمية

توضح الباحثة بمركز أبحاث الطاقة العالمية لويزا بالاسيوس، أن أميركا اللاتينية تشهد اختلالًا متزايدًا في ميزان الغاز، إذ تراجعت صادرات بوليفيا عبر الأنابيب بسبب ارتفاع الاستهلاك المحلي، وانخفضت صادرات ترينيداد بنحو 40% منذ جائحة كورونا نتيجة تراجع الاحتياطيات.

في المقابل، استوردت 9 دول في المنطقة الغاز الطبيعي المسال خلال 2025، بقيادة البرازيل وتشيلي وكولومبيا، التي استوردت 2 مليون و1.9 مليونًا و1.3 مليون طن على التوالي، بحسب بيانات وحدة أبحاث الطاقة.

في هذا السياق، يمكن لغاز حقل دراغون أن يؤدي دورًا محوريًا في تعزيز أمن الطاقة الإقليمي، لا سيما مع توقع نمو الطلب على الغاز بنسبة 40% خلال العقد المقبل، كما أن ربط الحقل بالبنية التحتية في ترينيداد يختصر الزمن والتكلفة مقارنة بتطوير مرافق إسالة جديدة.

ولا يقتصر تأثير حقل دراغون في أميركا اللاتينية فقط، إذ يمكن لجزء من إنتاجه، عبر ترينيداد، أن يصل إلى الأسواق الأوروبية في صورة غاز طبيعي مسال.

وعلى الرغم من أن الكميات ليست ضخمة مقارنة بالمنتجين الكبار، فإن توقيت دخولها السوق يمنحها أهمية نسبية، لا سيما في أوقات الشح الموسمي أو الاضطرابات الجيوسياسية.

ويمكن للغاز القادم من الكاريبي أن يشكّل عنصر موازنة يحدّ من تقلبات الأسعار، أو بديلًا جزئيًا للإمدادات الأميركية في بعض الأسواق، لا سيما إذا سُوّق جزء من إنتاج حقل دراغون بعقود متوسطة وطويلة الأجل.

حقل بيرلا للغاز في فنزويلا
حقل بيرلا للغاز في فنزويلا - الصورة من موقع شركة "ريبسول" الإسبانية

هل يتعارض التصدير مع احتياجات فنزويلا؟

على الرغم من ضخامة الاحتياطيات فإن إنتاج الغاز الفنزويلي تراجع بنحو 60% منذ 2015، نتيجة انخفاض إنتاج النفط، إذ إن معظم الإنتاج يكون غازًا مصاحبًا.

الأمر الأكثر خطورة أن أكثر من 40% من الإنتاج الحالي، البالغ نحو 3 مليارات قدم مكعبة يوميًا، يُهدر أو يُحرق، ما يكلّف البلاد قرابة مليار دولار سنويًا.

من هذا المنظور، ترى المحللة "بلويزا بالاسيوس" أن تصدير الغاز من حقل دراغون لا ينبغي أن يكون على حساب السوق المحلية، بل يمكن أن يشكّل رافعة لإصلاح قطاع الغاز، وتقليل الهدر، وجذب استثمارات تعيد بناء القدرات التشغيلية.

وبإمكان فنزويلا تصدير مواردها الهائلة من الغاز الطبيعي إلى كولومبيا وترينيداد، وهو ما سيكون ذا فائدة إستراتيجية لكلا البلدين، وسيساعد فنزويلا على زيادة عائدات صادراتها.

وفي هذا السياق، هناك مشروعان محتملان يمكن أن يجعلا صادرات الغاز الطبيعي الفنزويلي حقيقة واقعة، هما:

  • إعادة تشغيل وتوسيع خط أنابيب قائم لربط حقل كاردون الرابع الفنزويلي بكولومبيا: يربط بين كولومبيا وفنزويلا خط أنابيب غاز بطول 224 كيلومترًا، يُعرف باسم خط أنابيب ترانس-كاريبيان، بُني عام 2007، ونقل الغاز الكولومبي إلى فنزويلا بين عامي 2009 و2015، على أمل أن ينعكس اتجاه التجارة بعد ذلك، وهو ما لم يحدث.
  • خط أنابيب جديد يربط حقل دراغون البحري الفنزويلي بالبنية التحتية للغاز الطبيعي المسال في ترينيداد.

قراءة مستقبلية

في المحصلة، يمثّل حقل دراغون فرصة حقيقية لفنزويلا لإعادة إدماج مواردها الغازية في الأسواق الإقليمية والدولية، ولترينيداد للحفاظ على مكانتها مركزًا إقليميًا لإسالة الغاز.

وعلى الرغم من أن المشروع وحده لن يُحدث تحولًا جذريًا بأسواق الغاز العالمية، فإنه قد يسهم في تعزيز مرونة الإمدادات، وسد جزء من فجوة العرض في أميركا اللاتينية.

ويبقى العامل السياسي التحدي الأكبر أمام حقل دراغون، فاستمرارية التراخيص الأميركية، واستقرار العلاقة بين واشنطن وكاراكاس، ستحددان سرعة التنفيذ وجدوى الاستثمار.

كما تبرز تحديات لوجستية مرتبطة بمدّ خطوط الأنابيب البحرية، وضمان جاهزية مرافق المعالجة والإسالة في الوقت المحدد.

إلى جانب ذلك، تؤدي الأسعار العالمية دورًا حاسمًا في تحديد مسارات التصدير، إذ قد تقلّل التقلبات الحادة من تنافسية الإمدادات الجديدة، مقارنة بمصادر أقرب جغرافيًا إلى المستهلك النهائي.

ويبقى السؤال المفتوح: هل تنجح فنزويلا، عبر حقل دراغون، في تحويل احتياطياتها الضخمة إلى صادرات مستقرة، أم أن التعقيدات السياسية ستبقي هذه الإمكانات حبيسة الجغرافيا؟ الإجابة ستتضح مع اقتراب موعد انتهاء التراخيص الأميركية في أبريل/نيسان 2026، وما سيحمله من إشارات إلى مستقبل الغاز الفنزويلي في الأسواق العالمية.

موضوعات متعلقة..

نرشّح لكم..

المصادر:

  1. شركتا بي بي وشل تسعيان للحصول على تراخيص أميركية لحقول الغاز المشتركة بين فنزويلا وترينيداد وتوباغو، من "رويترز"
  2. إمكانات تصدير الغاز الطبيعي في فنزويلا، من مركز سياسات الطاقة العالمية (CGEP) التابع لجامعة كولومبيا.
إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق