أنس الحجي: ترمب يستغل النفط الفنزويلي لدعاية كاذبة.. وموقف مهم للصين والهند
أحمد بدر

بدأت سيطرة الرئيس الأميركي ترمب على النفط الفنزويلي تهيمن على السردية الإعلامية، في ظل تضخيم واسع لنتائج قرارات واشنطن، وتحويل تحركات تجارية محدودة إلى ما يشبه "انتصارات إستراتيجية" في مواجهة الصين والهند.
وفي هذا السياق، أوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي أن التغطيات الغربية الأخيرة تعمدت تقديم رواية تمجّد خطوات الإدارة الأميركية، متجاهلة وقائع فنية وتجارية تثبت أن كثيرًا من الاستنتاجات تفتقر إلى الدقة والاكتمال.
وأضاف أن ترمب صُوّر إعلاميًا على أنه نجح في وقف إمدادات النفط الفنزويلي إلى الصين، واستندت التغطيات الغربية إلى تقارير تحدثت عن لجوء المصافي الصينية إلى النفط الإيراني بوصفه بديلًا، وهي رواية وصفها بأنها "كذب صريح" لأسباب فنية وتجارية متعددة.
وأشار إلى أن الفروقات النوعية بين الخام الإيراني والفنزويلي تمنع اعتباره بديلًا مباشرًا، فضلًا عن أن جزءًا كبيرًا من النفط الإيراني كان موجودًا أصلًا في المواني الصينية، ما ينفي فكرة التحول المفاجئ نتيجة قرارات سياسية.
وأكد أن ترمب استُخدم اسمه في سياق تضخيم نتائج السيطرة على شحنات فنزويلية، إذ جرى الحديث عن رفع أسعار بيعها بنسبة 30%، دون توضيح آلية البيع الفعلية أو الخصومات الكبيرة التي مُنحت للشركات الوسيطة.
جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيات الطاقة"، قدمها أنس الحجي على مساحات منصة "إكس" (تويتر سابقًا) بعنوان: "الإعلام الغربي وأسواق النفط.. صراع السرديات ومستقبل النفط".
رواية "بديل النفط الإيراني"
قال أنس الحجي إن تقارير دولية بارزة زعمت أن الصين استبدلت الخام الفنزويلي بإمدادات إيرانية بعد قرارات ترمب، معتبرة ذلك دليلًا على نجاح الضغوط الأميركية، غير أن هذه القراءة تجاهلت حقائق سوقية أساسية تتعلق بنوعية الخام وتوزيعه.
وأوضح أن الحكومة الأميركية نفسها عرضت النفط الفنزويلي على الصين لأكثر من شهر، لكن بكين رفضت الشراء، وهي معلومة علنية لم تتناولها التقارير التي تحدثت عن "نجاح" سياسي في قطع الإمدادات.
وأضاف أن ترمب لم يوقف تدفق الخام إلى الصين بالطريقة التي صُوّرت، لأن المصافي الصينية كانت تمتلك بدائل وخزنت كميات كبيرة تحسبًا لأي قرارات، ما أضعف أثر الخطوة على أرض الواقع.

وأشار أنس الحجي إلى أن الصين استوردت نحو 20 مليون برميل من النفط الفنزويلي قبل فرض الرسوم الجمركية الإضافية، وخزنتها في سفن قرب موانيها، إضافة إلى استيراد خام مماثل من غرب كندا لتقليل المخاطر.
وأكد أن ترمب رُوّج له إعلاميًا باعتباره وجّه "ضربة ضخمة" للصين، في حين أن البيانات الكاملة تظهر أن بكين أضافت أكثر من 100 مليون برميل إلى مخزونها منذ أغسطس/آب 2025، ما حدّ من أي تأثير محتمل.
واختتم خبير اقتصادات الطاقة هذا المحور بالتشديد على أن تناول جزء من الصورة وترك البقية خلق انطباعًا مضللًا لدى المتابعين، داعيًا إلى قراءة شاملة للأرقام قبل تبني استنتاجات سياسية متسرعة.
بيع 50 مليون برميل
قال أنس الحجي إن وزير الطاقة الأميركي أعلن أن أسعار النفط الفنزويلي ارتفعت 30% بعد سيطرة ترمب على ما يصل إلى نحو 50 مليون برميل، وهو تصريح تضخم إعلاميًا بوصفه إنجازًا اقتصاديًا لافتًا.
وأوضح أن الحكومة الأميركية أجبرت كاراكاس على التخلي عن تلك الكميات، ثم باعتها لشركتين داعمتين للإدارة الحالية بالسعر نفسه الذي كانت الصين تشتريه به، مع خصم يقارب 15 دولارًا للبرميل.
وأضاف أن ترمب لم يحقق سعرًا أعلى فعليًا، لأن الشركتين أعادتا عرض الخام في السوق بخصومات تراوحت بين 7 و8 دولارات، ما يعني أن الحديث عن قفزة سعرية لا يعكس الواقع التجاري الكامل.

وأشار أنس الحجي إلى أن الإعلام المؤيد تجاهل الفارق بين السعر الأصلي المخفض وسعر إعادة البيع، وركّز فقط على بيانات جزئية، ما أعطى انطباعًا بوجود مكاسب إضافية لم تتحقق فعليًا.
وبيّن أن ترمب لم يمنح فنزويلا سوى 500 مليون دولار من عائدات تقدّر بنحو 2.5 مليار دولار، متسائلًا عن مصير بقية المبلغ، في ظل غياب نقاش إعلامي معمق حول هذه الفجوة.
وأكد أن حتى المبلغ المُعلن لم يُسلّم مباشرة، بل وُضع في حساب مصرفي داخل الولايات المتحدة باسم الحكومة الفنزويلية، مع اشتراط موافقة أميركية مسبقة على أوجه الصرف، في آلية شبيهة ببرامج سابقة.
أثر العقوبات في الهند والصين
قال أنس الحجي إن تغطية فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على واردات النفط الروسي إلى الهند ربطتها وسائل إعلام بخلافات شخصية بين ترمب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، متجاهلة خلفيات تجارية أوسع تتعلق بملفات زراعية حساسة.
وأوضح أن خفض المصافي الهندية وارداتها من روسيا بنحو 600 ألف برميل يوميًا تزامن مع زيادة في شراء النفط الأميركي، لكنه وصف ذلك بأنه "انتعاش محدود" مقارنة بمستويات سابقة كانت أعلى.

وأضاف مستشار تحرير منصة الطاقة أن ترمب قُدّم باعتباره أجبر نيودلهي على تغيير استراتيجيتها، بينما الواقع يُظهر أن واردات بمليوني برميل تعادل حمولة ناقلة واحدة فقط، وهي كمية أقل بكثير مما كانت تستورده الهند في فترات سابقة.
وأشار إلى أن بعض المصافي الهندية اشترت شحنات من النفط الفنزويلي المعاد بيعه بخصومات كبيرة، مؤكدًا أن هذه المشتريات كانت ستحدث على أي حال بسبب انخفاض السعر، سواء تدخلت الإدارة الأميركية أم لا.
وأكد أن ترمب لم يؤثر فعليًا في قدرة الصين على التكيف؛ لأن بكين استعدت مسبقًا عبر التخزين وتنويع المصادر، ما جعل الحديث عن "ضربة إستراتيجية" أقرب إلى توصيف إعلامي منه إلى حقيقة سوقية.
واختتم أنس الحجي حديثه بالتشديد على أن القراءة المتأنية للأرقام تكشف فجوة بين الخطاب السياسي والوقائع الفعلية، داعيًا المتابعين إلى التمييز بين السرديات الإعلامية والبيانات الكاملة عند تقييم أي خطوة في أسواق النفط.
موضوعات متعلقة..
- بعد صفقة ترمب.. الهند قد تقلص مشتريات النفط الروسي لصالح فنزويلا
- طموحات ترمب لزيادة إنتاج النفط الفنزويلي تصطدم بـ5 تحديات (تقرير)
- العلاقة بين النفط والسياسة.. أنس الحجي يرصد "الدولة العميقة" من نيكسون إلى ترمب
اقرأ أيضًا..
- نتائج أعمال توتال إنرجي في الربع الرابع 2025 تهبط بالأرباح 13%
- العراق يستعد لزيادة صادرات النفط الأسود بأكثر من مليون برميل يوميًا
- كيف تحد تقنيات الطاقة النظيفة من تداعيات تغير المناخ؟ (تقرير)
المصدر:





