كيف تتأثر استثمارات النفط والغاز باتفاقيات السلام؟.. سيناريوهات مستقبلية
أحمد بدر

تُثير اتفاقيات السلام المحتملة في عدد من الدول المنتجة للطاقة تساؤلات واسعة حول مستقبل استثمارات النفط والغاز، وما إذا كانت عودة الاستقرار ستقود إلى تخمة معروض أو انهيار في الأسعار، أم إلى إعادة توزيع رؤوس الأموال عالميًا ضمن مسارات أكثر تعقيدًا.
في هذا الإطار، أوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، أن الوصول إلى السلام في دول تعاني صراعات طويلة يفرض نقاشًا عميقًا حول انعكاساته على أسواق الطاقة، بعيدًا عن الانطباعات السطحية التي تروّج لانهيار وشيك للأسعار.
وقال، إن التحليلات المتداولة غالبًا ما تُغفل طبيعة دورة الاستثمار في قطاع الطاقة، مؤكدًا أن استثمارات النفط والغاز لا تتحرك بردود فعل فورية، بل تخضع لعوامل زمنية ومالية وتقنية معقّدة، تجعل أيّ تغيير جذري مسألة طويلة الأمد.
وأشار إلى أن الحديث عن إغراق الأسواق فور توقيع اتفاقيات سلام يتجاهل واقع البنية التحتية المتضررة، والحاجة إلى تمويل ضخم وتقنيات متقدمة، فضلًا عن محدودية قدرة الشركات العالمية على التوسع المتزامن في عدّة دول.
وجاءت تلك التصريحات خلال حلقة من برنامج "أنسيات الطاقة"، الذي يقدّمه أنس الحجي عبر مساحات منصة "إكس" (تويتر سابقًا)، وجاءت بعنوان "أثر السلام في إيران وفنزويلا وروسيا واليمن والسودان بأسواق النفط والغاز".
السلام في الدول المنتجة
تناول أنس الحجي فرضية التوصل إلى السلام في دول مثل اليمن والسودان، موضحًا أن هذه البلدان، رغم امتلاكها موارد نفطية وغازية، تحتاج إلى كامل إنتاجها تقريبًا لتغطية النمو الاقتصادي المتوقع بعد الاستقرار، ما ينفي سيناريو الإغراق السريع للأسواق.
وأضاف أن اليمن -على سبيل المثال- كان من مصدّري الغاز المسال قبل الحرب، إلّا أن أيّ عودة للإنتاج ستترافق مع طلب محلي مرتفع، تجعل تأثير استثمارات النفط والغاز هناك محدودًا على السوق العالمية في المدى المنظور.
وأشار إلى أن السودان يواجه وضعًا مشابهًا، إذ إن موارده الحالية لا تكفي إلّا بالكاد لدعم عملية إعادة الإعمار، ما يعني أن الفوائض التصديرية لن تكون بالحجم الذي يتخيّله بعضهم.

وأكد أنس الحجي أن الحديث عن انهيار أسعار النفط بسبب السلام في هذه الدول يفتقر إلى الدقة، لأن الكميات المحتملة لا تمثّل تهديدًا حقيقيًا لتوازن السوق، خصوصًا مع استمرار نمو الطلب العالمي.
وفي السياق نفسه، شدد على أن استثمارات النفط والغاز في بيئات خارجة من نزاعات تحتاج إلى سنوات حتى تصل إلى طاقتها القصوى، وهو ما يمنح الأسواق الوقت الكافي لامتصاص أيّ زيادات تدريجية.
وأوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة أن السلام في حدّ ذاته لا يُنتج نفطًا أو غازًا، بل يفتح الباب لمسار طويل من العمل والاستثمار، تحكمه اعتبارات اقتصادية لا سياسية فقط.
إيران وفنزويلا وروسيا.. معضلة التمويل والزمن
انتقل أنس الحجي إلى إيران وفنزويلا وروسيا، موضحًا أن هذه الدول تمتلك طاقات كبيرة، لكن المشكلة الأساسية لا تكمن في الموارد، بل في القدرة على جذب استثمارات النفط والغاز في وقت متزامن، في ظل محدودية السيولة العالمية.
وأوضح أن زيادة إنتاج النفط والغاز في إيران أو فنزويلا أو روسيا تحتاج إلى وقت طويل، حتى في حال الانفتاح الكامل، بسبب الحاجة إلى تقنيات غربية وتمويل ضخم وإعادة تأهيل الحقول والبنية التحتية.
وأشار إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في غياب الأموال الكافية لدى الشركات والبنوك للاستثمار بجميع هذه الدول في آن واحد، ما يعني نشوء منافسة بينها على جذب رأس المال المتاح.

وتطرَّق أنس الحجي إلى حالة فنزويلا، موضّحًا أن المشكلة التي واجهها ترمب تتمثل في الحاجة إلى نحو 20 مليار دولار خلال مدة قصيرة، متسائلًا عن مصادر هذا التمويل ومن سيتحمّل عبئه.
وبيّنَ أن أيّ تدفُّق نحو استثمارات النفط والغاز في فنزويلا سيقابله سحب لرؤوس أموال من مناطق أخرى مثل النفط الصخري الأميركي أو البرازيل أو نيجيريا، ما يجعل الزيادة في الإنتاج تعويضية لا إضافية.
وأكد خبير اقتصادات الطاقة العالمية أن هذا التحول في استثمارات النفط والغاز يعني أن أثر ارتفاع إنتاج دولة ما سيكون محدودًا بالأسعار، لأنه يأتي على حساب إنتاج مناطق أخرى، وليس إضافةً صافية للسوق.
الطلب العالمي والنضوب
أوضح أنس الحجي أن التركيز على جانب العرض فقط يُعدّ قراءة ناقصة، فالطلب العالمي على النفط سيواصل النمو خلال السنوات المقبلة، بالتوازي مع تراجع الإنتاج الطبيعي بسبب معدلات النضوب المرتفعة.
وأشار إلى أنه بعد 5 سنوات من الآن، قد ينمو الطلب العالمي على النفط الخام بأكثر من خمسة ملايين برميل يوميًا، في حين ستؤدي معدلات النضوب إلى فقدان أكثر من عشرين مليون برميل يوميًا من الإنتاج العالمي.

وأضاف خبير اقتصادات الطاقة أن السوق، في هذه الحالة، ستحتاج إلى نحو 25 مليون برميل جديدة يوميًا من النفط الخام، وهو ما يجعل أيّ زيادات محتملة من دول السلام ضرورية لتوازن السوق، لا سببًا لانهياره.
وأكد أن استثمارات النفط والغاز المرتقبة حتى في أفضل السيناريوهات لن تغطي سوى جزء محدود من هذا العجز المتوقع، ما يعزز فرضية استمرار قوة الأسعار مستقبلًا.
وتطرَّق إلى تقديرات أوبك التي تشير للحاجة إلى نحو 18 تريليون دولار من الاستثمارات في قطاع النفط حتى عام 2050، إذ يرى أن هذه الأرقام تكشف حجم الفجوة بين الطموحات والواقع.
وختم بتأكيد أن ما يُروَّج له حول تراجع أهمية النفط غير دقيق، فغياب الاستثمارات الكافية واستمرار الطلب لعقود مقبلة يعنيان أن استثمارات النفط والغاز ستبقى عنصرًا حاسمًا في معادلة الطاقة العالمية، مع أسعار مرشّحة للبقاء مرتفعة على المدى الطويل.
موضوعات متعلقة..
- أمين عام أوبك يناقش استثمارات النفط والغاز في أسبوع الطاقة الأفريقي 2025
- بعد تغيّر موقف وكالة الطاقة.. أوبك تؤكد: استثمارات النفط والغاز ضرورة حتمية
- صفقات الاندماج والاستحواذ تعزز مرونة استثمارات النفط والغاز في الشرق الأوسط
اقرأ أيضًا..
- ارتفاع واردات الأردن من النفط في 2025.. وظهور نادر لدولتين
- واردات المغرب من الغاز تنخفض 14%
- إدارة معلومات الطاقة تخفض توقعات الطلب على النفط في 2026.. وتُصدر أول تقديرات 2027
المصدر:





