استخلاص المعادن الأرضية النادرة بتقنية حيوية قد تكسر احتكار الصين
محمد عبد السند
ما تزال أبحاث استخلاص المعادن الأرضية النادرة تتوالى بهدف تأمين إمدادات عالمية وفيرة من تلك العناصر الإستراتيجية، تضع حدًا لهيمنة الصين على سلاسل إمداداتها.
وأثبتت نتائج دراسة حديثة جدوى استعمال الخميرة في إنتاج حمض الأكساليك (حمض عضوي قوي) الذي يمكن استعماله لاستخلاص نسبة قياسية من العناصر الأرضية النادرة من المحاليل المعدنية، وفق متابعات منصة الطاقة المتخصصة.
ولا تنهي الدراسة هيمنة الصين على المعادن الأرضية النادرة بشكل كامل، لكنها قد تفتح الباب أمام تطوير مسار بديل غير مسبوق مثبَت علميًا للحصول على تلك العناصر الإستراتيجية المهمة لتصنيع بطاريات السيارات الكهربائية والهواتف الذكية ومعدات الدفاع والفضاء، من بين أخرى كثيرة.
وتساعد الدراسة على التحول من معالجة العناصر النادرة باستعمال الوقود الأحفوري، إلى إنجاز تلك العملية بيولوجيًا، ما يقلل بصمتها البيئية.
لكن نجاح تطوير تلك التقنية على أرض الواقع أو بقائها مجرد مفهوم نظري، سيعتمد على توافق السياسات، والانضباط المالي، والتنفيذ الصناعي.
الخميرة المعدلة وراثيًا
أظهرت الدراسة التي أجراها باحثون في جامعة إلينوي الأميركية بقيادة جنكسيا لو وهويمن تشاو، أن الخميرة المعدَّلة وراثيًا لديها القدرة على إنتاج حمض الأكساليك الحيوي القادر على استعادة أكثر من 99% من المعادن الأرضية النادرة من المحاليل المعدنية.
وتساعد الدراسة -المنجزَة بالتعاون مع معهد لورنس ليفرمور الوطني وجامعة كنتاكي- على مواجهة احتكار الصين سلسلة إمدادات العناصر الأرضية النادرة، وهي الهيمنة على المعالجة الكيميائية لتلك العناصر.
وتنتشر المعادن الأرضية النادرة جيولوجيًا على نطاق واسع، غير أن معالجتها وتحويلها إلى أشكال قابلة للاستعمال مسألة بالغة الصعوبة.
ولا تعتمد هيمنة الصين أساسًا على تلك العناصر في تقنية التعدين وحدها التي تستأثر بها عالميًا، لكن تلك الهيمنة تعززت عبر عقود بالاستثمارات في تقنية الفصل الكيميائي، بما في ذلك إنتاج حمض الأكساليك على نطاق واسع.
ويُستعمَل حمض الأكساليك بوصفه مادة كاشفة بالغة الأهمية لترسيب وتنقية العناصر الأرضية النادرة في أثناء عملية التكرير.
ويُشتَق حمض الأكساليك من الوقود الأحفوري، ويتطلب إنتاجه كميات كبيرة من الكهرباء، إلى جانب آثاره البيئية الواضحة.
ودفعت تلك العوامل مصافي النفط الغربية إلى الابتعاد عن بناء سعة معالجة تنافسية، ما ترك الساحة خالية أمام الصين في هذا الخصوص.
سؤال منطقي
تفرض الدراسة سؤالًا بسيطًا وإن كان منطقيًا: ماذا لو أُعيد تصميم الكيمياء نفسها لتصبح رخيصة التكلفة ونظيفة بل أقرب إلى مواقع معالجة المعادن الأرضية النادرة؟
وصمم الباحثون خميرة يمكن استعمالها مادة كاشفة منخفضة الحموضة يُطلَق عليها "إيساتشينكيا أوريانتاليس Issatchenkia orientalis"، لإنتاج حمض الأكساليك بيولوجيًا عبر التخمير.
وتشبه تلك الطريق عملية التخمير الصناعية، غير أن العلماء نجحوا في تحسينها عبر الهندسة الأيضية الحديثة، وهي تعديل متعمَّد للمسارات الكيميائية الحيوية داخل الخلايا لتعزيز إنتاج مركبات محددة.
واشتملت الإبداعات التي تضمنتها الدراسة ما يلي:
- إدخال مسارات أيضية جديدة تمكن من إنتاج حمض الأكساليك المؤثر.
- إجراء التخمير عند مستويات حمضية متوافقة مع ظروف معالجة المعادن الأرضية النادرة.
- استعمال التخمير الخام ينهي بشكل مباشر الحاجة إلى تنقية حمض الأكساليك المكلفة ماديًا.
ويكتسب هذا التكامل أهمية خاصة من كون عملية التنقية تمثل حصة كبيرة من تكلفة حمض الأكساليك وبصمته البيئية في العمليات التقليدية.

نتائج الدراسة
تُعد نتائج الدراسة مهمة تقنيًا وتتداخل مع قطاع التصنيع للأسباب الآتية:
- استخلاص 99% من عنصري النيوديميوم واللانثانوم.
- استخلاص أكثر من 98% من الديسبروسيوم من المحاليل الفردية.
- استخلاص أكثر من 99% من إجمالي المعادن الأرضية النادرة من مُرشَّح خام الألانايت -معدن سيليكاتي معقد غني بالعناصر الأرضية النادرة- منخفض الجودة حتى مع وجود الشوائب الشائعة.
النمذجة الاقتصادية والبيئية
أظهرت النمذجة الاقتصادية والبيئية المستعمَلة في الدراسة النتائج الإضافية الآتية:
- سعر بيع أدنى نحو 1.79 دولار أمريكي/كيلوغرام، ضمن نطاقات السوق العالمية الحالية.
- انخفاضات في كثافة الكربون تتجاوز 100% مقارنةً بحمض الأكساليك المستخرَج من الوقود الأحفوري.
ولذلك تعمل تلك الكيمياء الخاصة بتقنية استخراج المعادن الأرضية النادرة جيدًا، ويمكن أن تكون أرخص ثمنًا وأكثر نظافةً مقارنةً بنظيراتها التقليدية.
تأثيرات إستراتيجية
يستهدف هذا البحث معالجة أي أوجه قصور في سلسلة إمدادات المعادن الأرضية النادرة وكيمياء المعالجة، وليس وفرة الخام.
وإذا حُدِّثت بنجاح فيمكن لتقنية حمض الأكساليك الحيوية:
- خفض الاعتماد على المدخلات الكيميائية الصينية.
- تمكين معالجة المعادن الأرضية النادرة محليًا أو في الدول الحليفة.
- تقليل الآثار البيئية وتبسيط إصدار التراخيص وتخفيف القواعد التنظيمية للمصافي الغربية.
موضوعات متعلقة..
- استخلاص المعادن الأرضية النادرة من الأجهزة القديمة يشهد ثورة تقنية
- المعادن الأرضية النادرة.. مدينة أوروبية قد تكسر الاحتكار الصيني
- قائمة مصدري المعادن الأرضية النادرة في الشرق الأوسط.. الإمارات الأولى
اقرأ أيضًا..
- أكبر شبكة كهرباء معزولة في العالم تشهد حدثًا مهمًا
- مصيرة للنفط تتأهب لإطلاق برنامج حفر جديد في سلطنة عمان
- أكبر مزرعة رياح بحرية في الدنمارك تشهد حدثًا مهمًا
المصدر:
1.استعمال الخمير في استخلاص المعادن الأرضية النادرة من دراسة في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز".





