4 خبراء: توطين صناعة الطاقة المتجددة في مصر يعزّز صدارتها إقليميًا
داليا الهمشري

يشهد قطاع الطاقة المتجددة في مصر تحولات متسارعة، في إطار توجه الدولة إلى تعميق التصنيع المحلي وتوطين التقنية النظيفة؛ كونها أحد أعمدة أمن الطاقة ودعامة رئيسة لتحقيق أهداف التحول الأخضر، تماشيًا مع رؤية مصر 2030 التي تستهدف رفع إسهامات الطاقة المتجددة إلى 42% من مزيج الكهرباء.
وفي هذا السياق، افتُتح في يناير/كانون الثاني الجاري 2026 مجمع مصانع "إيليت سولار" لتكنولوجيا الطاقة الشمسية في المنطقة الصناعية بالسخنة، ضمن نطاق المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، برعاية رئيس مجلس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، بإجمالي استثمارات يبلغ نحو 116 مليون دولار.
ويضم المجمع مشروعَيْن لإنتاج الخلايا الشمسية والألواح بقدرات تصل إلى 5 غيغاواط، في خطوة تستهدف دعم التصنيع المحلي وتعزيز سلاسل القيمة للطاقة المتجددة وتحويل مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والتصدير.
وأجمع عدد من الخبراء -في تصريحات إلى منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- على أن افتتاح مجمع "إيليت سولار" يمثّل نقطة تحول مهمة في مسار توطين صناعة الخلايا الشمسية والبطاريات، مؤكدين أن امتلاك مكونات المنظومة محليًا يُسهم في خفض تكلفة مشروعات الطاقة الشمسية، ويحدّ من الاعتماد على استيراد المعدات وما يترتب عليه من ضغوط على العملة الصعبة.
وأشار الخبراء إلى أن التصنيع المحلي، المدعوم بالشراكات الإستراتيجية ونقل التقنية، لا يعزّز فقط قدرة مصر على تحقيق مستهدفات الطاقة المتجددة بحلول 2030، وإنما يؤهلها -أيضًا- لتكون بوابة لتصنيع مكونات محطات الطاقة الشمسية وتصديرها إلى الأسواق الأفريقية؛ ما يعزّز دور مصر الإقليمي في قيادة تحول الطاقة.
توطين صناعات الطاقة المتجددة
قال رئيس قطاع الدراسات والبحوث في هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة (نريا)، المهندس أمجد الحويحي، إن الدولة المصرية تبذل جهودًا مكثفة منذ أعوام طويلة لتوطين صناعة الخلايا الكهروضوئية، موضحًا أن هذه الجهود بدأت فعليًا منذ فترة وزارة الدكتور محمد العصار، وزير الإنتاج الحربي الأسبق، الذي شكّل لجنة عليا متخصصة لتوطين صناعة الخلايا الشمسية في مصر.
وأضاف الحويحي -في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن العمل استمر على مدار نحو 10 أعوام، حتى تُوّجت هذه الجهود بنجاح في منتصف عام 2025، من خلال توقيع عقد إنشاء مصنعَيْن، أحدهما لإنتاج الخلايا الكهروضوئية (فوتو سيلز) بقدرة إجمالية تقارب 2 غيغاواط سنويًا، والآخر لإنتاج الوحدات أو النماذج الشمسية بقدرة مماثلة تبلغ 2 غيغاواط سنويًا.

وأوضح أن الافتتاح المرحلي الذي تم مطلع هذا الشهر لهذَيْن المشروعَيْن يعكس حجم المجهود الكبير الذي بذلته الدولة لتشغيل هذه المصانع، مشيرًا إلى أن الإنتاج يستهدف دورَيْن رئيسَيْن، يتمثّل الأول في التصدير إلى الخارج لتلبية احتياجات الدول الراغبة في التوسع بمشروعات الطاقة الشمسية، إلى جانب تلبية احتياجات السوق المحلية.
وأشار الحويحي إلى أن وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة أدخلت تعديلات على قواعد طرح المناقصات، بحيث يكون المتقدم لتنفيذ مشروعات محطات الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح على دراية بأن جزءًا من مكونات المشروع يجب أن يكون من الإنتاج المحلي، مؤكدًا أن هذه النسبة لا تقتصر على الأعمال المدنية مثل تمهيد الأراضي أو المباني أو الخطوط الكهربائية، بل تشمل مكونات ومعدات الطاقة المتجددة نفسها.
وأعرب عن أمله في أن يكون سعر الواط المنتج محليًا من هذه الألواح منافسًا لسعر الواط المستورد من الصين، ولا سيما أن الشركات القائمة على التصنيع شركات صينية، موضحًا أن التصنيع المحلي يُسهم في خفض التكلفة من خلال توفير مصروفات الشحن والجمارك والضرائب المفروضة على المعدات المستوردة.
جذب الاستثمارات
أكد الحويحي أن هذه الخطوة تمثّل بادرة خير لجذب المزيد من المستثمرين لإنشاء مصانع أخرى لمكونات منظومات الطاقة المتجددة، مثل البطاريات ومغيرات التيار (الإنفرترات)، فضلًا عن الحاجة إلى إنشاء مصانع متخصصة في طاقة الرياح لتصنيع مكونات التوربينات.
وشدّد الحويحي على أهمية توطين التقنية في المقام الأول، داعيًا إلى عقد اتفاقيات وشراكات داعمة لنقل التقنية وتعميق التصنيع المحلي، بما يعزّز من قدرة مصر على بناء صناعة متكاملة ومستدامة في مجال الطاقة المتجددة.
من جانبه، قال خبير الكهرباء والطاقة الجديدة والمتجددة، الدكتور أحمد الشناوي، إن اللوح الشمسي يمثّل نحو 60% من تكلفة المنظومة الشمسية، وكان يُستورد بالكامل من الخارج؛ مما أدى إلى ارتفاع تكلفة إنشاء محطات الطاقة الشمسية، وأسهم في عزوف كثير من الأفراد عن تركيبها وارتفاع سعر الكيلوواط المنتج.
وأضاف -في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن الحكومة اتخذت خطوات مهمة لتصنيع الألواح الشمسية محليًا ضمن إستراتيجية الأمن القومي لتأمين مصادر الطاقة وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة، خاصة مع توافر الرمال البيضاء الغنية بالسيليكون في سيناء، وهي المادة الأساسية لصناعة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم.

وأوضح أن توافر الخامات محليًا يدعم توطين التقنية وإنشاء مصانع للألواح الشمسية والبطاريات، بما يُسهم في التوسع بمحطات الطاقة الشمسية، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وخفض فاتورة الاستيراد، وتوجيه الغاز الطبيعي لصناعات ذات قيمة مضافة، إلى جانب خلق فرص عمل.
خفض التكلفة
أكد الشناوي أن التصنيع المحلي سيؤدي إلى خفض تكلفة إنشاء المحطات وانخفاض سعر الكيلوواط، ما ينعكس على انخفاض أسعار الطاقة وتشجيع الاستثمارات الصناعية، مشيرًا إلى امتلاك مصر مقومات جذب قوية، تشمل التسهيلات الحكومية، والبنية التحتية، والعمالة المدربة، والتعاون مع دول رائدة مثل الصين والولايات المتحدة واليابان.
ولفت إلى أن هذه الجهود أسفرت عن نتائج ملموسة، من بينها افتتاح مجمع مصانع "إيليت سولار"، بقدرات إنتاجية تصل إلى 5 غيغاواط، ونسبة مكون محلي تقارب 50%، إلى جانب مشروعات وطنية تقودها الهيئة العربية للتصنيع ووزارة الإنتاج الحربي لتوطين كامل سلسلة التصنيع، مع نقل الخبرة الصينية وتدريب الكوادر المصرية.
وشدّد الشناوي على أن التكنولوجيا الصينية تظلّ عنصرًا محوريًا في هذه الصناعة، وأن التعاون معها يدعم تحويل مصر إلى مركز إقليمي لتصنيع مكونات محطات الطاقة الشمسية وتصديرها، ويُسهم في خفض أسعار الكهرباء، وتحسين أداء الشبكة، وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام وزيادة صادرات الطاقة النظيفة.
بدوره، أكد استشاري الطاقة الجديدة والمتجددة، الدكتور محمد سليم، أن توطين صناعة الخلايا الشمسية والبطاريات لم يعد خيارًا اقتصاديًا أو بيئيًا، بل أصبح ملفًا سياديًا مرتبطًا بأمن الطاقة واستقرار الشبكة، خاصة مع التزام مصر برفع إسهامات الطاقة المتجددة إلى 42% من مزيج الكهرباء بحلول عام 2030.
وأوضح سليم -في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن التوسع في الطاقة المتجددة دون توطين الصناعة قد ينقل مصر من الاعتماد على استيراد الوقود إلى الاعتماد على استيراد المعدات، بما يحمله ذلك من ضغوط على العملة الصعبة، وتأخير التنفيذ، وضياع فرص حقيقية للقيمة المضافة والتشغيل المحلي.

وأشار إلى أن تحقيق مستهدف 2030 يتطلّب توسعًا ضخمًا في القدرات المركبة من الشمس والرياح، قد يصل إلى نحو 80 غيغاواط خلال الأعوام الـ4 المقبلة، في ظل معدل نمو أحمال يقترب من 6% سنويًا، وهو ما يجعل التصنيع المحلي ركيزة أساسية للتنفيذ السريع والمستدام.
ضمان استقرار الشبكة
أكد الدكتور محمد سليم أن توطين الصناعة لا يقتصر على الألواح الشمسية فقط، بل يشمل منظومة متكاملة تضم الخلايا، والهياكل المعدنية، والإنفرترات، والخطوط الكهربائية، وأنظمة الحماية، إلى جانب منظومات تخزين الطاقة بالبطاريات (BESS)، التي تمثّل عنصرًا حاسمًا لاستقرار الشبكة واستيعاب الطاقات المتجددة.
وشدد على أن توطين صناعة البطاريات لا يعني التجميع فقط، بل يمتد إلى امتلاك التقنية وسلاسل التصنيع وأنظمة الإدارة والتحكم، مدعومًا ببرامج بحث وتطوير تضمن رفع الكفاءة والاستمرارية التنافسية.
ولفت سليم إلى أن الشراكة الإستراتيجية مع الصين تمثّل فرصة مهمة لنقل التقنية وبناء قاعدة صناعية بمعايير عالمية، مؤكدًا أن مصر تمتلك مقومات تؤهلها لتصبح مركزًا إقليميًا لتصنيع مكونات محطات الطاقة الشمسية وتصديرها إلى الأسواق الأفريقية.
واختتم تصريحاته بتأكيد أن مستقبل الطاقة يبدأ من المصنع ومن البحث والتطوير، وأن توطين صناعة الخلايا الشمسية والبطاريات يمثّل مشروع سيادة اقتصادية يتسق مع رؤية مصر 2030، ويعزز دورها الإقليمي في قيادة التحول الطاقي.
من جهته، قال خبير الطاقة الشمسية، رئيس مجلس إدارة مؤسسة أونيرا سيستمز، المهندس وائل النشار، إن افتتاح مجمع مصانع "إيليت سولار" في المنطقة الصناعية بالسخنة يُعد خطوة إيجابية نحو توطين صناعة الطاقة الشمسية في مصر، لكنه يحتاج إلى استكمال بمنظومة متكاملة من السياسات الداعمة والمحفّزة للسوق.
وأضاف -في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن منظومات الطاقة الشمسية لا تقتصر على الألواح فقط، إذ تشمل الخلايا والزجاج والهياكل، وتسبقها مرحلة تصنيع البولي كريستالين، ما يجعل توطين الصناعة مسارًا طويلًا وليس خطوة واحدة، لافتًا إلى أن الخلايا تمثّل حاليًا نحو 30-35% من إجمالي المنظومة.
التوسع في المنظومات الصغيرة
أوضح النشار أن التصنيع المحلي، رغم أهميته، لن يحقّق أهدافه دون سياسات مستقرة، مشيرًا إلى أن الصين تنتج قرابة 1000 غيغاواط سنويًا، في حين تمثّل قدرة 2 غيغاواط نسبة هامشية، ما يؤكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الإنتاج بقدر ما يكمن في الإجراءات المنظمة والمحفزة للسوق.
وأشار النشار إلى أن مصر بدأت تنظيم سوق الطاقة الشمسية منذ عام 2014 عبر تعرفة التغذية التي أُنشئت على أساسها محطة بنبان بقدرة 1465 ميغاواط، ثم تطبيق نظام صافي القياس في 2017، إلا أن اضطراب السياسات لاحقًا، مثل فرض مقابل الدمج في 2020، ووقف تصاريح إنشاء المنظومات منذ نحو 6 أشهر، خلق حالة عدم استقرار للشركات العاملة.

وأكد أن السياسات تظل التحدي الأكبر أمام نمو القطاع، مشددًا على أن التركيز الحالي ينصب على المحطات الكبرى على حساب المنظومات الصغيرة، التي تمتلك قدرة كبيرة على خفض استهلاك الغاز الطبيعي، وتعمل على شبكات الضغط المنخفض دون الحاجة إلى تطويرها، ما يجعلها حلًا سريعًا وفعّالًا لدعم التحول الطاقي في مصر.
موضوعات متعلقة..
- صفقة لتوطين صناعة بطاريات تخزين الكهرباء في مصر بشراكة صينية
- مصر تدرس توطين صناعة المعدات الكهربائية ذات الجهد العالي
- مصر تتوسّع في أنظمة تخزين الكهرباء وتوطين صناعة البطاريات
اقرأ أيضًا..
- إنتاج الجزائر من الغاز الطبيعي يرتفع لأعلى مستوى في 8 أشهر
- حقول النفط والغاز في سوريا تدخل مرحلة جديدة.. وهذا حجم الاحتياطيات المتبقية
- واردات الكويت من الغاز المسال في 2025.. ظهور عربي بارز ضمن المصدرين
- كيف يؤثر ترمب في أسواق النفط والغاز المسال العالمية؟ أنس الحجي يجيب





