واقع قطاع النفط والغاز في سوريا.. من بقايا الصراع نحو مسار التعافي (مقال)
نصر أبو نبوت*

لطالما كان قطاع النفط والغاز في سوريا أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الوطني قبل عام 2011، مسهمًا بنحو 400 ألف برميل يوميًا من النفط وبصفته موردًا مهمًا للغاز الطبيعي محليًا وإقليميًا.
لكن سنوات الحرب الممتدة وفقدان السيطرة على الحقول وعدم الاستقرار السياسي والأمني قلبت هذا الواقع رأسًا على عقب، لتصبح سوريا مستوردًا للطاقة أكثر من أن تكون مصدرًا لها.
وتبرز سوريا بصفتها حالة اختبار لمدى قدرة الاقتصادات التي أنهكتها الحروب على إعادة توظيف ثرواتها الطبيعية في خدمة التنمية والسلام.
التحديات الراهنة: إرث الحرب والعقوبات
- انهيار الإنتاج والبنية التحتية
منذ اندلاع النزاع في 2011، تقلّص إنتاج النفط السوري إلى مستويات تقل بكثير عن عُشر طاقته السابقة، مع سقوط الحقول الرئيسة في مناطق شرقية تحت سيطرة قوى غير حكومية لأوقات طويلة.
تعرضت البنية التحتية لحقول النفط والغاز في سوريا، إضافة إلى المصافي وشبكات التوزيع، لأضرار جسيمة ومنهكة، نزعت عنها قيمتها الإنتاجية والتصديرية.
- القيود الدولية والعقوبات الاقتصادية
العقوبات المفروضة على سوريا، وعلى رأسها قانون قيصر والتجميد الجزئي للتعاملات الاقتصادية مع الجهات السورية، حدّت من قدرة دمشق على جذب الاستثمارات الأجنبية والتقنيات الحديثة الضرورية لإعادة تشغيل الحقول وإعادة تأهيل المصافي.
- التحولات في السيطرة على الحقول
التداخلات الأمنية والسياسية بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" وسواها من الجهات المسلحة أثّرت بشكل كبير على استمرار الإنتاج والإدارة الفعّالة للموارد الحيوية في شرق البلاد.
- 4. نقص التمويل والتكنولوجيا
إعادة تأهيل ما يزيد على 2500 بئر منتجة تتطلب استثمارات تقُدَّر بعشرات المليارات من الدولارات، وهي أموال تحتاج إلى ضمانات سياسية، وبيئة استثمارية مستقرة، وإعفاءات أو تسهيلات من العقوبات الدولية.
فرص وإمكانات المستقبل
بالرغم من هذه التحديات، ثمة لوحة أكثر إشراقًا لقطاع النفط والغاز في سوريا، إذا ما التُقطت العناصر الإستراتيجية بشكل مدروس:
- إعادة دمج الحقول وإعادة السيطرة الحكومية
الاتفاقات الأخيرة بين الحكومة السورية والجهات المحلية حول السيطرة على حقول مثل العمر والرميلان تشكّل قاعدة لاستعادة الإيرادات والاستثمار التحدي بإنتاج النفط والغاز في سوريا.
- شراكات دولية جديدة
توقيع مذكرات تفاهم مع شركات كبرى مثل كونوكو فيليبس (ConocoPhillips) ونوفاتيرا (Novaterra) في مجال الغاز يشير إلى اهتمام عالمي مشروط بالاستثمار في القطاع، مع إمكان زيادة الإنتاج المحلي وتحسين أمن الطاقة.
كما تشير الخطوات التمهيدية للتعاون مع دول عربية مثل قطر والسعودية والإمارات في مجالات الغاز والتكرير إلى فرص ضخ رؤوس أموال وخبرات تقنية.
- تنويع مصادر الطاقة وربطها بشبكات إقليمية
يمكن أن تقلل مشروعات الغاز العربي عبر سوريا لتزويد الكهرباء، واتفاقيات توريد الغاز من الخارج (مثل الاتفاق القطري لتزويد محطات الكهرباء)، الضغط على قطاع النفط والغاز في سوريا وتفتح آفاق محورية للتكامل الإقليمي.
- تطوير البنية التحتية والتكرير
تمثّل إعادة بناء مصفاة بطاقة 150 ألف برميل يوميًا والعمل على استكشاف الغاز في الحقول البحرية مكونين مهمّين لعجلة النمو بقطاع النفط والغاز في سوريا على المدى المتوسط.

خريطة الطريق نحو تعافي مستدام
لكي ينهض قطاع النفط والغاز في سوريا بصورة تواكب تطورات الأسواق العالمية وتلبي حاجة الاقتصاد الوطني، لا بدّ من:
الأول — استقرار سياسي شامل
نجاح أيّ إستراتيجية تنموية مرهون باستقرار سياسي دون تهديدات أمنية تعيد إنتاج اللامركزية والصراعات على الموارد.
الثاني — بيئة استثمارية محفّزة
إصلاح قانوني واضح، وحوافز ضريبية، وضمانات للملكية والفصل بين السياسة والإدارة التقنية التشغيلية.
الثالث — التعاون الإقليمي والدولي
الانخراط في شراكات استراتيجية مع دول وشركات طاقية لديها رؤية طويلة المدى، وكذلك استفادة من تقنيات حديثة في التنقيب والإنتاج.
الرابع — دمج الطاقة التقليدية مع التحول الأخضر
الاستثمار في مشروعات الغاز والطاقة الكهربائية النظيفة يقلل الاعتماد على النفط الخام، ويزيد من مرونة البنية الإنتاجية
خاتمة..
قطاع النفط والغاز في سوريا يقف عند مفترق طرق بين إرث طويل من الدمار وفرصة لإعادة الهيكلة الاقتصادية والطاقة الوطنية.
والنجاح في هذا المسار لا يتأتّى فقط من إعادة تشغيل الآبار وحقول الغاز، بل من بناء بيئة مستقرة سياسيًا، وجذّابة للاستثمار، ومتكاملة مع التحولات الإقليمية والدولية في الطاقة.
* المهندس نصر أبو نبوت، رئيس مجلس إدارة شركة دجلة للنفط في سوريا.
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- حقول النفط والغاز في سوريا تدخل مرحلة جديدة.. وهذا حجم الاحتياطيات المتبقية
- تطورات حقول النفط والغاز في سوريا.. ودور مهم لـ4 شركات سعودية (حصري)
- النفط والغاز في سوريا.. خطط 3 شركات أميركية لتطوير القطاع بعد رفع العقوبات
اقرأ أيضًا..
- تحول الطاقة في أفريقيا.. خطوتان للاستفادة من الموارد الطبيعية الوفيرة (تقرير)
- واردات الكويت من الغاز المسال في 2025.. ظهور عربي بارز ضمن المصدرين
- واردات مصر من الغاز المسال في 2025 تقفز 220%.. وموريتانيا تظهر بالقائمة





