مقالات الطاقة النوويةالمقالاترئيسيةطاقة نووية

الطاقة النووية في تركيا.. توسع مرتقب يمهد لتحقيق توازن جيوسياسي (مقال)

أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • تركيا تتحول من الاعتماد على شريك واحد إلى إستراتيجية نووية متعددة الأطراف.
  • مسيرة الطاقة النووية في تركيا تعود إلى ستينيات القرن الماضي.
  • إنتاج الطاقة النووية الأساسية يُعزز دور تركيا كمركز رئيس للطاقة.
  • الطاقة النووية تدعم أهداف تركيا لخفض الانبعاثات الكربونية والتزاماتها باتفاق باريس للمناخ.

تتطلع الطاقة النووية في تركيا إلى التوسعة وسط مفاوضات لبناء محطتين جديدتين، ما يمهد لمرحلة مهمة بسياسة الطاقة في البلاد.

في مقابلة حديثة مع قناة "تي آر تي هايبر TRT Haber" التليفزيونية، أكد وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار أن المفاوضات جارية مع ما يصل إلى 5 دول -روسيا والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية والصين وفرنسا- لبناء محطتين جديدتين للطاقة النووية.

وتقع إحدى هاتين المحطتين في مدينة سينوب على ساحل البحر الأسود والأخرى في مدينة أدرنة بمنطقة تراقيا.

ويمثل هذا الإعلان خطوة بالغة الأهمية في مساعي أنقرة طويلة الأمد لتنويع مزيج الطاقة لديها، والحد من اعتمادها على مصادر خارجية وتحقيق التوازن في علاقاتها الجيوسياسية.

ومع اقتراب محطة أكويو للطاقة النووية -التي بنتها روسيا- من الاكتمال، تُشير تركيا الآن إلى تحولها من الاعتماد على شريك واحد إلى إستراتيجية نووية متعددة الأطراف أكثر تنافسية.

في هذا الإطار تُعد الطاقة النووية حلًا تقنيًا لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء، وأداة إستراتيجية تُشكل السياسة الخارجية التركية، والتنمية الصناعية، وآفاق أمن الطاقة.

مسيرة الطاقة النووية في تركيا

تعود مسيرة الطاقة النووية في تركيا إلى ستينيات القرن الماضي، إلا أن التقدم تعثر مرارًا وتكرارًا بسبب عدم الاستقرار السياسي، والقيود المالية، ومخاوف المخاطر الزلزالية، وتغير الأولويات الجيوسياسية.

وقد أدت هذه التأخيرات إلى اعتماد البلاد بشكل كبير على واردات الطاقة، إذ تستورد تركيا حاليًا أكثر من 90% من احتياجاتها من الطاقة الأولية، ما يعرضها لتقلبات الأسعار وانقطاعات الإمداد.

وتمثل محطة أكويو للطاقة النووية في منطقة مرسين أول إنجاز ملموس في هذا المجال.

وقد طُوّرت المحطة -التي تبلغ تكلفتها 20 مليار دولار أميركي، وفق نموذج البناء والتملك والتشغيل (BOO) من قبل شركة "روساتوم Rosatom" الروسية، وتتكون من 4 مفاعلات من طراز في في إي آر-1200 بقدرة إجمالية تبلغ 4.8 غيغاواط.

محطة أكويو للطاقة النووية قيد الإنشاء في تركيا
محطة أكويو للطاقة النووية قيد الإنشاء في تركيا - الصورة من وكالة الصحافة الفرنسية

عند تشغيلها بالكامل بحلول عام 2028 من المتوقع أن تُغطي المحطة ما يقرب من 10% من احتياجات تركيا من الكهرباء.

وعلى الرغم من أن محطة أكويو النووية كان من المقرر تشغيلها في عام 2023، فإن تأخيرات البناء أدت إلى تأجيل بدء تشغيل الوحدة الأولى إلى عام 2026.

وقد أسهم ضخ تمويل روسي حديث بقيمة 9 مليارات دولار، خُصص منها ما بين 4 و5 مليارات دولار لعام 2026 وحده، في استقرار المشروع.

يؤكد هذا الدعم التزام موسكو، ولكنه يُسلط الضوء على نقطة ضعف هيكلية: الاعتماد الكامل على مورد واحد للتكنولوجيا والوقود والتمويل، وهذا تحديدًا ما دفع أنقرة نحو اتباع نهج متنوع وتنافسي لمنشآتها النووية المستقبلية.

محطتا سينوب وأدرنة: مواقع توسع إستراتيجية

تستند المحطتان المقترحتان في سينوب وأدرنة مباشرةً إلى تجربة محطة أكويو.

وكانت سينوب، الواقعة على ساحل البحر الأسود، مُخصصة سابقًا لتكون ثاني موقع نووي في تركيا، وكانت موضوع اتفاقية فاشلة عام 2013 مع تحالف ياباني فرنسي، انهارت بسبب تجاوزات في التكاليف وإعادة تقييمات السلامة بعد كارثة فوكوشيما.

أما أدرنة، الواقعة في منطقة تراقيا الأوسع قرب الحدود الأوروبية لتركيا، فمن المتوقع أن تكون ثالث منشأة نووية.

وتجري حاليًا دراسات ميدانية وتقييمات تقنية، ويُنظر إلى الموقع على نطاق واسع على أنه مناسب لتصاميم مفاعلات أكثر تطورًا.

من ناحية ثانية يمكن للمشروعين معًا إضافة ما يُقدر بـ8-10 غيغاواط من القدرة المركبة، ما يدعم هدف خطة الطاقة الوطنية في تركيا المتمثل في الوصول إلى 20 غيغاواط من القدرة النووية بحلول عام 2050.

يتماشى هذا التوسع مع تعهد أنقرة بتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2053، مع الحفاظ على القدرة التنافسية الصناعية وتوفير كهرباء أساسية موثوقة.

مسارات التفاوض والمتنافسون

يعكس انخراط 5 دول أساسية إستراتيجية تركيا المدروسة المتمثلة في "التحوط التنافسي".

وبدلًا من الالتزام بشريك واحد تستغل أنقرة التنافس بين الموردين للحصول على شروط أفضل فيما يتعلق بالتمويل والتوطين ونقل التكنولوجيا واتفاقيات الوقود طويلة الأجل.

روسيا

بصفتها الشريك الحالي في مشروع أكويو أبدت روسيا اهتمامًا كبيرًا بمشروع سينوب، مقترحةً نموذجًا مماثلًا للبناء والتملك والتشغيل باستعمال تكنولوجيا مفاعلات (في في إي آر).

وقد أقرّ وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار بميزة الخبرة الروسية، لا سيما في البيئات المعرضة للزلازل.

وعلى الرغم من ذلك فإن أنقرة لا تزال حذرة بشأن تعميق اعتمادها على إمدادات الوقود والتمويل الروسيين، خصوصًا في ظل العقوبات الغربية والغموض الجيوسياسي الأوسع نطاقًا.

أميركا وكوريا الجنوبية

ازداد الزخم عقب توقيع مذكرة تفاهم بشأن التعاون النووي المدني في سبتمبر/أيلول 2025 خلال زيارة الرئيس أردوغان إلى واشنطن.

وتُروّج شركة وستنغهاوس لمفاعلاتها من طراز (إيه بي 1000)، مُركّزةً على أنظمة السلامة السلبية، والشفافية التنظيمية والتوافق مع معايير حلف شمال الأطلسي (الناتو).

من ناحيتها، تدرس تركيا إطار عمل ثلاثي بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وتركيا، يجمع بين التكنولوجيا الأميركية والخبرة الكورية الجنوبية في مجال الإنشاءات.

محطة فوغتل النووية بالقرب من مدينة واينسبورو بولاية جورجيا الأميركية
محطة فوغتل النووية بالقرب من مدينة واينسبورو بولاية جورجيا الأميركية – الصورة من بلومبرغ

ويستند هذا النموذج إلى سجل كوريا الجنوبية الحافل بالنجاح مع مفاعلات إيه بي آر-1400 في محطة براكة النووية بدولة الإمارات العربية المتحدة، التي أُنجزت في الموعد المحدد وضمن الموازنة المرصودة.

وقد عززت مذكرة تفاهم وُقّعت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بين شركة الطاقة النووية التركية "Türkiye Nükleer Enerji AŞ" وشركة الطاقة الكهربائية الكورية "كيبكو KEPCO" هذا المسار، بما في ذلك التزامات بشأن تدريب القوى العاملة وتبادل التكنولوجيا.

الصين

تُعد الصين من أبرز المرشحين لموقع أدرنة/تراقيا، حيث تُقدّم مفاعل هوالونغ وان المدعوم بتمويل من مبادرة الحزام والطريق.

وتشير التقارير إلى أن المفاوضات قد قطعت شوطًا كبيرًا، ما قد يجعل هذا المشروع أكبر استثمار نووي صيني في الخارج.

وعلى الرغم من جاذبية القدرة التنافسية لبكين من حيث التكلفة ومرونة التمويل، فإن المخاوف لا تزال قائمة بشأن مخاطر الديون، وحماية الملكية الفكرية، واحتمالية حدوث احتكاكات مع شركاء تركيا الغربيين.

فرنسا

عادت فرنسا إلى الساحة بعد انهيار عرض مشروع سينوب السابق، وتشمل المناقشات الحالية بحسب التقارير مفاعلات (إيه بي آر) أو (إيه بي آر 2) واسعة النطاق، والتعاون في مجال المفاعلات المعيارية الصغيرة.

وتؤكد فرنسا معايير السلامة الأوروبية والتوافق مع الأنظمة، على الرغم من أن تجاوزات التكاليف في مشروعات مثل فلامانفيل لا تزال تُخفف من الحماس.

وقد أشار وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار إلى إمكانية الانتهاء من اتخاذ القرارات بشأن المرحلة الأولى من مشروع سينوب، بقدرة 2 غيغاواط، في أوائل عام 2026.

يأتي ذلك بعد عملية شبيهة بالمزاد تهدف إلى زيادة التوطين إلى أقصى حد، بنسبة 30% أو أكثر، مع تحسين شروط التمويل ونقل المعرفة.

محطة فلامانفيل للطاقة النووية في فرنسا
محطة فلامانفيل للطاقة النووية في فرنسا – الصورة من رويترز

الآثار الإستراتيجية والجيوسياسية

تتجاوز هذه المحادثات مجرد توليد الكهرباء فهي تجسد إستراتيجية تركيا في موازنة القوى الشرقية والغربية للحفاظ على استقلالها الإستراتيجي.

ويمكن لمشروع سينوب المدعوم غربيًا (بقيادة الولايات المتحدة أو كوريا الجنوبية) أن يُصلح العلاقات المتوترة مع حلف الناتو بعد صفقة شراء منظومة صواريخ إس-400، بينما تضمن العلاقات المستمرة مع روسيا والصين أمن الإمدادات في ظل التوترات في البحر الأسود والتنافسات العالمية.

بدوره يُعزز إنتاج الطاقة النووية الأساسية دور تركيا كمركز رئيس للطاقة.

وبالتكامل مع خطوط الأنابيب -مثل خط أنابيب الغاز العابر للأناضول "تاناب TANAP" وخط أنابيب "ترك ستريم TurkStream"- يُمكن أن يُحوّل الإنتاج النووي الموثوق تركيا إلى مُصدّر صافٍ للكهرباء، ما يُعزز موقفها في نزاعات الطاقة الإقليمية وفي شرق المتوسط.

الأبعاد الاقتصادية والبيئية والاجتماعية

من الناحية الاقتصادية تُحقق هذه المشروعات مكاسب كبيرة، إذ يدعم مشروع أكويو حاليًا نحو 25 ألف وظيفة، ومن شأن المحطات الجديدة أن تُوسع سلسلة الإمداد النووي، وتُخفض فاتورة استيراد الطاقة السنوية لتركيا البالغة 50 مليار دولار، وتُحفز التحديثات الصناعية.

ومن المتوقع أن تُؤدي المناقصات التنافسية إلى خفض التعريفات الجمركية إلى ما دون مستوى 12.35 سنتًا/كيلوواط/ساعة المُعتمد في مشروع أكويو.

من الناحية البيئية يدعم استعمال الطاقة النووية أهداف تركيا المتعلقة بخفض الانبعاثات الكربونية والتزاماتها باتفاق باريس للمناخ، إلا أن المخاطر الزلزالية وإدارة النفايات وتأثيرات محطة سينوب في البيئة البحرية لا تزال تشكل مصدر قلق.

بالمثل، لا يزال انعدام ثقة الجمهور المتجذر في كارثتي تشيرنوبيل وفوكوشيما قائمًا، على الرغم من تأكيد وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار على الالتزام بمعايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية والشفافية لبناء الثقة.

وتمثل المفاعلات النووية الصغيرة طموحًا إضافيًا، مع هدف إنتاج 5 غيغاواط بحلول عام 2050، وتحديثات تنظيمية بحلول عام 2026، ومشاركة القطاع الخاص (مثل شركة بايكار).

وعلى المدى البعيد تُعد احتياطيات الثوريوم باستقلال أكبر في مجال الوقود وتصاميم متطورة.

التوقعات والمخاطر

يمثل مسار الطاقة النووية في تركيا نقطة تحول إستراتيجية في مجال الطاقة والسياسة الخارجية.

وستحدد قرارات عام 2026 بشأن المرحلة الأولى من مشروع سينوب وشركائه مسارات طويلة الأمد في مجالات التكنولوجيا والتنظيم والجغرافيا السياسية، ما سيؤثر في الصناعة وشبكات الكهرباء والمهارات بما يتجاوز الطاقة النووية وحدها.

وفي الوقت نفسه يستمر التقلب؛ حيث تهدد المنافسة بين الدول الكبرى والعقوبات وعدم استقرار السوق الالتزامات.

ويقلل التحوط من الاعتماد على الطاقة النووية، ولكنه يزيد من تحديات التنسيق، ما يتطلب مؤسسات قوية ووضوحًا تنظيميًا.

على الصعيد المحلي تتطلب المخاوف من الزلازل والحساسيات البيئية وتوسيع نطاق القوى العاملة حوكمة شفافة وتخطيطًا للطوارئ ومشاركة عامة لتجنب معوقات المعارضة.

آفاق خطط الطاقة النووية في تركيا

تحول خطط الطاقة النووية في تركيا هشاشة الطاقة إلى قوة دافعة، ومن خلال وضع روسيا والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية والصين وفرنسا في مواجهة بعضها بعضًا، تسعى أنقرة إلى نظام متنوع ومرن يوفر خيارات بديلة عن التحالفات.

وقد يُسفر النجاح عن تعزيز الأمن، وخفض الواردات، وزيادة النفوذ في الأسواق الإقليمية، وترسيخ دور محوري في أوروبا والشرق الأوسط ومنطقة أوراسيا، ما يجعل الطاقة النووية في تركيا ركيزة أساسية للاستقلال.

أما الفشل، سواءً كان ذلك بسبب التأخير أم تجاوز الموازنة أم الشراكات المحدودة، فيُهدد بترسيخ التبعية، ولا يتوقف النجاح على شركات بناء المفاعلات، وإنما على إدارة أنقرة الفعّالة لهذا التداخل المعقد بين الطاقة والصناعة والدبلوماسية.

الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".

* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق