هل تُسقط المظاهرات في إيران النظام؟.. وحقائق تاريخية حول النفط
أحمد بدر

باتت المظاهرات في إيران محورًا متجددًا للجدل، إذ تتصاعد الأسئلة في الأوساط السياسية والإعلامية حول مستقبل النظام، وسط موجات احتجاج متكررة وضغوط خارجية متزايدة، ما يفتح الباب أمام نقاش أعمق حول جدوى الحراك الشعبي، وحدود تأثيره.
وفي هذا السياق، أوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي أن الحديث المتكرر عن إسقاط النظام عبر الشارع يتجاهل دروسًا تاريخية راسخة، مشددًا على ضرورة التمييز بين الضجيج الإعلامي والوقائع التي حكمت تغيّر الأنظمة فعليًا.
وقال، إن التركيز الإعلامي المكثف على الحراك الشعبي يُغفل سؤالًا جوهريًا يتعلق بمن يملك قرار التغيير الحقيقي، لافتًا إلى أن التجارب العالمية، ومنها تجارب الشرق الأوسط، تكشف أن ميزان القوة لا يُحسَم في الساحات وحدها، بل داخل مؤسسات أكثر تأثيرًا.
ومن هذا المنطلق، دعا إلى قراءة التطورات الجارية بعيون تاريخية، لا عاطفية، معتبرًا أن إسقاط الأنظمة مسألة أعقد من خروج تظاهرات، مهما كان حجمها أو اتّساعها الجغرافي، وهو ما ينطبق أيضًا على المظاهرات في إيران خلال العقود الماضية.
جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي عبر مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" بعنوان "أثر السلام في إيران وفنزويلا وروسيا واليمن والسودان بأسواق النفط والغاز".
هل تُغيّر المظاهرات الأنظمة سياسيًا؟
أجاب أنس الحجي عن سؤال: هل تغير المظاهرات الأنظمة سياسيًا؟ بالقول، إن النقاش الدائر حول قدرة المظاهرات في إيران على تغيير النظام يفتقر لأيّ دليل تاريخي موثوق، موضحًا أن العالم لم يشهد أيّ إسقاط لنظام سياسي راسخ بسبب الاحتجاجات وحدها دون عامل حاسم آخر.
وأشار إلى أن الأمثلة التي تُطرح عادةً، مثل تونس ومصر، تُوَظَّف بشكل مضلل، لأن الحسم لم يكن للشارع، بل لموقف الجيوش التي اختارت عدم الدفاع عن الأنظمة القائمة، وهو ما قلبَ موازين السلطة في تلك اللحظات.
وشدد على أن الجيوش، وليس الحشود، هي من تمتلك أدوات فرض التغيير أو منعه، معتبرًا أنّ تجاهُل هذا العامل يقود إلى تحليلات سطحية تتكرر في وسائل الإعلام ومساحات النقاش دون سند علمي أو تاريخي.

وفي هذا الإطار، أعاد أنس الحجي التذكير بأن المظاهرات في إيران خلال السبعينيات استمرت قرابة عامين، وشهدت إضرابات واسعة شلت قطاع النفط وأوقفت الصادرات، ومع ذلك لم يسقط النظام إلّا بعد أن أعلن الجيش موقفه الحاسم.
وأوضح أن ما حدث في إيران عام 1979 لم يكن انتصارًا للشارع بقدر ما كان نتيجة مباشرة لانقلاب ميزان القوة داخل المؤسسة العسكرية، مؤكدًا أن هذا الدرس يتكرر في كل تحولات الحكم الكبرى داخل البلاد وخارجها.
وانتقد الحجي ما وصفه بـ"السذاجة السياسية" في الرهان المطلق على المظاهرات في إيران، معتبرًا أن تكرار هذا الخطاب لا يخدم فهم الواقع، بل يزرع أوهامًا لدى المتلقّين حول طبيعة التغيير السياسي.
وأضاف مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة أنّ تجاهُل التاريخ عند تحليل المظاهرات في إيران يجعل أيّ استنتاجات مستقبلية عرضة للخطأ، مهما بدت الصورة الآنية مثيرة أو استثنائية.
الجيش الإيراني والتغييرات الحاسمة
استعرض أنس الحجي محطات تاريخية مفصلية تؤكد أن الجيش الإيراني كان العامل المشترك في جميع تغييرات الحكم في إيران، موضحًا أن نشأة سلالة الشاه نفسها قامت على انقلاب عسكري قاده جدّ الشاه ضد الحاكم القائم آنذاك.
وبيّن أن الروايات التي تروّج لفكرة السلالة المقدسة أو الاختيار الإلهي تفتقر لأيّ أساس تاريخي، مؤكدًا أن القوة المسلحة كانت الوسيلة الحقيقية لانتقال السلطة، وليس القبول الشعبي أو المظاهرات في إيران.
وأشار إلى أن التغيير الثاني في الحكم جاء عام 1941 عندما تدخلت بريطانيا والاتحاد السوفيتي عسكريًا، واحتلّتا إيران بالكامل، وأطاحتا بوالد الشاه بسبب تحالفه مع ألمانيا، ثم نصّبتا ابنه الشاب حاكمًا.
وأضاف خبير اقتصادات الطاقة أن هذه الحادثة تُمثّل نموذجًا واضحًا على أن التغيير فُرض بالقوة العسكرية الخارجية، وليس نتيجة ضغط داخلي، رغم وجود تململ شعبي واسع آنذاك.
وتطرَّق إلى مرحلة محمد مصدق، موضحًا أن وصوله للحكم لم يكن ثمرة مظاهرات أو انتخابات، بل نتيجة اصطفاف الجيش والملالي معه، ما يعزز فكرة أن مراكز القوة هي التي تحسم المسار السياسي.
وفي السياق نفسه، أشار إلى أن الانقلاب على مصدق في عام 1954 تمَّ بتوافق بين الاستخبارات الأميركية والجيش والملالي، في مشهد يعكس تعقيد موازين القوى بعيدًا عن الشارع والمظاهرات في إيران.
وخلص أنس الحجي إلى أن استعراض هذا التاريخ يكشف بوضوح أن الجيش ظل اللاعب الأبرز في كل تحولات الحكم، ما يجعل الرهان على الاحتجاجات وحدها قراءة قاصرة للواقع الإيراني.

انهيار النظام وتداعياته الإقليمية
حذّر أنس الحجي من أن النقاش حول انهيار النظام الإيراني غالبًا ما يتجاهل سؤال البديل، مشددًا على أن انهيار أيّ نظام دون وجود بديل قوي ومتماسك يشكّل خطرًا جسيمًا على المنطقة بأكملها، وليس على إيران وحدها.
وأوضح أن دول الجوار، مثل باكستان وأفغانستان وتركيا، تنظر بقلق بالغ إلى سيناريو الفوضى، خاصةً مع وجود جماعات مسلحة ونزعات انفصالية قد تجد في الفراغ السياسي بيئة خصبة للتمدد.
وأشار أنس الحجي إلى أن المظاهرات في إيران لا تمتلك حاليًا قيادة موحدة أو عقيدة جامعة، بعكس ما كان عليه الحال في ثورة 1979، ما يجعل احتمالات التحول المنظم محدودة للغاية.
وتوقفَ الحجي عند البعد الديموغرافي، موضحًا أن إيران تضم نحو 90 مليون نسمة بتنوّع عرقي وديني واسع، إضافة إلى انتشار السلاح بين الأقليات والحرس الثوري، وهو ما ينذر بصراعات داخلية واسعة في حال الانهيار.
وأكد أن أيّ تفكك مفاجئ قد يقود إلى موجات لجوء هائلة، مستشهدًا بتجارب سوريا وأوكرانيا وفنزويلا، إذ دفعت الأزمات ملايين الأشخاص إلى الهجرة، ما يفرض أعباء غير مسبوقة على دول الجوار.
وفي هذا السياق، شدّد على أن دول الخليج قد تواجه سيناريوهات شديدة التعقيد إذا أدت المظاهرات في إيران إلى فوضى شاملة، قد يتجاوز فيها عدد اللاجئين أعداد السكان في بعض الدول.
واختتم الحجي بتأكيد أن الخيار الأقل كلفة للمنطقة يتمثل في تغيير سلوك النظام وبوصلته الإستراتيجية دون انهياره الكامل، إذ يرى أن كل ما يُطرح حول إسقاط النظام عبر المظاهرات في إيران يبقى -وفق الوقائع التاريخية- مجرد وهم سياسي لا سند له.
موضوعات متعلقة..
- قطاع النفط والغاز في إيران.. 3 سيناريوهات تطرحها الاحتجاجات المحلية (مقال)
- عقد تصدير الغاز الإيراني إلى تركيا يقترب من نهايته.. ما خيارات البلدين؟ (مقال)
- رسالة من كلمتين.. رد إيران على العراق بخصوص قطع الغاز
اقرأ أيضًا..
- ارتفاع واردات الأردن من النفط في 2025.. وظهور نادر لدولتين
- واردات المغرب من الغاز تنخفض 14%
- إدارة معلومات الطاقة تخفض توقعات الطلب على النفط في 2026.. وتُصدر أول تقديرات 2027
المصدر:





