هل تخفف الطاقة المتجددة اعتماد الهند وجنوب أفريقيا على الفحم؟ تقرير يجيب
نوار صبح
من المأمول أن تخفف الطاقة المتجددة من اعتماد الهند وجنوب أفريقيا على الفحم، إذ يواجه البلَدان أحد أصعب تحديات القرن الـ21: تحويل أنظمة الكهرباء لديهما بعيدًا عن محطات التوليد القديمة العاملة بالفحم، مع ضمان حصول السكان على كهرباء موثوقة بأسعار مناسبة.
وتُنتج جنوب أفريقيا نحو 74% من كهربائها من الفحم، وهي من أعلى النسب في العالم، وتُعدّ محطات الكهرباء قديمة، والصيانة متأخرة، ويُعدّ قطاع الكهرباء مركزيًا للغاية، وتهيمن عليه شركة إسكوم (Eskom) المملوكة للدولة، وقد أدت هذه العوامل إلى انقطاع التيار الكهربائي في الماضي.
وعلى الرغم من أن الفحم يمثّل نحو 70% من إنتاج الكهرباء في الهند، حققت البلاد تحسينات أسرع في الوصول إلى الكهرباء ودمج الطاقة المتجددة، وفق ما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
وتفتقر كلتا الدولتين إلى شبكات كهرباء وطنية موثوقة، ولا تملكان أموالًا عامة كافية للتحول بسرعة إلى الطاقة الخضراء (المتجددة).
التحول إلى الطاقة الخضراء
يبحث أكاديميون متخصصون في مجال الهندسة مسألة التحول إلى الطاقة الخضراء، وقد حددت دراستهم نقاط القوة والضعف في نهج كلتا الدولتين.
ووجدوا دروسًا من شأنها تسريع وتيرة التقدم في كلا البلدين.
وتوصلوا إلى أنه يمكن لجنوب أفريقيا أن تستفيد من تجربة الهند لتعزيز التصنيع المحلي لأنظمة الطاقة المتجددة، ويمكن للهند أن تستفيد من نماذج جنوب أفريقيا الشفافة في مجال شراء الطاقة المتجددة ونماذج تحقيق الفائدة للمجتمعات المحلية.
الطاقة المتجددة في الهند
على مدى العقد الماضي، طبّقت الهند مجموعة من سياسات الطاقة المنسقة بعناية، التي ربطت كهربة المناطق الريفية بالطاقة المتجددة وإصلاحات القطاع الزراعي.
وقد مكّنت خطوط الكهرباء الريفية الجديدة من تنفيذ المزيد من مشروعات الطاقة الشمسية، وقللت الكهرباء النظيفة المستعملة في المزارع الضغط على شبكة الكهرباء الوطنية.
نتيجة لذلك، انتقلت الهند من نقص مزمن في الكهرباء إلى توفير الكهرباء لجميع السكان تقريبًا، على الرغم من كثافة سكانها ومساحاتها الريفية الشاسعة.

ويأتي نحو 25% إلى 30% من كهرباء الهند الآن من الطاقة المتجددة، وهي كمية كافية لتزويد 70 إلى 80 مليون منزل هندي بالكهرباء سنويًا، حسب تحديثات تابعتها منصة الطاقة المتخصصة.
وقد تحقق هذا النمو بفضل مزارع الطاقة الشمسية الضخمة، وتركيبات الطاقة الشمسية على الأسطح، ومشروعات الطاقة الشمسية والرياح الهجينة.
وقد اجتذبت الهند مليارات الدولارات من استثمارات القطاع الخاص، ويوجد لدى البلاد إطار سياسات وطني يسهل عمل شركات الطاقة ويعزز ربط الكهرباء النظيفة بالشبكة الوطنية.
وأحرزت الهند تقدمًا هائلًا في كفاءة الطاقة من خلال خفض استهلاكها للكهرباء بنحو 3.5%، وتهدف إلى خفض انبعاثات الكربون بنسبة 10% إضافية.
التقدم والتحديات في جنوب أفريقيا
حققت جنوب أفريقيا تقدمًا ملحوظًا في مجال شراء الطاقة المتجددة.
ويُعدّ برنامج شراء الطاقة المتجددة من المنتجين المستقلين عملية مناقصة تنافسية مصممة لتسهيل استثمارات القطاع الخاص في الطاقة المتجددة التي يمكن تغذيتها في الشبكة الوطنية.
بدورها، استثمرت شركات الطاقة الخاصة 256 مليار راند (17.3 مليار دولار أميركي) في الطاقة المتجددة، لكنها ما تزال تُزوّد أقل من 10% من احتياجات جنوب أفريقيا من الكهرباء.
ويعوق التوسع المستقبلي عدم قدرة الشبكة على استيعاب المزيد من الطاقة في بعض المناطق.
من ناحية ثانية، يُؤخّر بطء عملية اتخاذ القرارات المركزية، بالإضافة إلى تأخُّر إجراءات المناقصات، المشروعات الجديدة.
في جنوب أفريقيا، ما تزال المجتمعات النائية وذات الدخل المنخفض تعتمد على مصادر طاقة مكلفة أو غير رسمية، مثل الكيروسين ومولدات الديزل والحطب وخطوط الربط غير القانونية بالشبكة.
إزاء ذلك، يجب أن يوازن التحول بين الأهداف البيئية واستقرار إمدادات الكهرباء، إذ يوجد 91 ألف عامل في مناجم الفحم ومجتمعات محلية تكسب رزقها من العمل بالقرب من هذه المناجم ومحطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم.
ما يمكن أن تتعلمه جنوب أفريقيا من الهند
تتبلور عدّة دروس من تجربة الهند:
أولًا: بدلًا من التعامل مع التنمية الريفية، وتحديث شبكة الكهرباء، وشراء الطاقة المتجددة بمهامّ منفصلة، ينبغي لجنوب أفريقيا إدارتها بشكل متكامل، بحيث تعود التحسينات في أحد المجالات بالنفع على المجالات الأخرى.
ثانيًا: تحتاج جنوب أفريقيا إلى مؤسسة متخصصة في كفاءة الطاقة، على غرار مكتب كفاءة الطاقة في الهند.
وستضع هذه المؤسسة قوانين للحدّ من هدر الطاقة، ويمكنها تعزيز معايير الأجهزة والمباني، وإطلاق حملات توعية وطنية بشأن توفير الكهرباء وخفض التكاليف، ودعم الصناعات من خلال عمليات التدقيق وتقديم إرشادات بشأن أفضل الممارسات.
ثالثًا: سمح النظام الفيدرالي في الهند للولايات بإنشاء أنظمة كهرباء تلبي الاحتياجات المحلية.
أمّا جنوب أفريقيا، فتعتمد نظام حكومة مركزية، ويمكنها الاستفادة من منح المقاطعات والحكومات المحلية صلاحيات أوسع لتسريع مشروعاتها الخاصة بالطاقة المتجددة ومبادراتها على مستوى المجتمعات المحلية.
رابعًا: تدعم سياسات الحوافز المرتبطة بالإنتاج ومبادرة "صنع في الهند" في الهند التصنيع المحلي القوي للطاقة الشمسية والبطاريات.
وعلى النقيض من ذلك، ما تزال جنوب أفريقيا تستورد معظم ألواحها الشمسية ومحولات الطاقة ومكونات تخزين الكهرباء بالبطاريات.

ما يمكن للهند أن تتعلمه من جنوب أفريقيا
تقدّم جنوب أفريقيا للهند رؤى قيّمة:
أولًا: يُعدّ برنامج جنوب أفريقيا لشراء الطاقة المتجددة من المنتجين المستقلين نموذجًا عالميًا جيدًا للشراء العادل والشفاف، فهو يستعمل قوانين واضحة للمناقصات، ويضم لجان تقييم مستقلة، ويبيّن الأسعار الفائزة علنًا.
ثانيًا: يضمن هذا البرنامج توجيه جزء من أرباح مشروعات الطاقة المتجددة إلى صناديق استثمارية مجتمعية، ويمتلك العديد من هذه الصناديق ما بين 8% و12% من أسهم مبادرات الطاقة الخضراء المحلية.
رغم ذلك، لا تستفيد المجتمعات دائمًا بالقدر الكافي إذا مُوِّلَت أسهمها عن طريق الديون، وتُستعمل الأرباح لسداد القروض، ويمكن للهند تبنّي نموذج مجتمعي مُحسّن يُحقق فوائد حقيقية.
الفحم سيظل جزءًا من أنظمة الكهرباء في البلدين
خلصَ باحثون إلى أن الفحم سيظل جزءًا من أنظمة الكهرباء في كلا البلدين لبعض الوقت، ولكن ينبغي استعماله استعمالًا رشيدًا.
على سبيل المثال، يجب جعل محطات توليد الكهرباء بالفحم أنظف، وينبغي على كلا البلدين تجنُّب إنشاء محطات جديدة تعمل بالفحم إلّا في الحالات الضرورية القصوى.
ودعا الباحثون إلى تبنّي الطاقة المتجددة، وتخزين الكهرباء بالبطاريات، وتحديث شبكات الكهرباء، وسيؤدي هذا التوسع تدريجيًا إلى تقليل الاعتماد على الفحم.
وتتبنى الهند وجنوب أفريقيا أهدافًا طموحة في مجال المناخ، وتواجهان ضغوطًا مماثلة للتنمية.
وبإمكانهما التحول إلى طاقة أنظف بسرعة دون التأثير سلبًا في موثوقية الكهرباء أو تكلفتها أو عدالة توزيعها، ويمكن للبلدين الاستفادة من تجارب بعضهما من خلال مجموعة البريكس (المنظمة الحكومية الدولية التي تنتميان إليها)، ومجموعة الـ20، والشراكات الثنائية المباشرة.
من جهتها، أيّدت رئاسة جنوب أفريقيا لمجموعة الـ20 عام 2025 الاستثمار بشكل أسرع في الطاقة المتجددة. ودعت إلى التعاون بين الدول لربط شبكات الكهرباء وتحسينها، إلّا أنها فوّتت فرصة تقديم وعود صريحة وأكثر قوة لخفض الاعتماد على الفحم والنفط والغاز.
تجدر الإشارة إلى أن التحولات المستدامة بالتخلّي عن الأنظمة القديمة لا تتحقق بين عشية وضحاها، ويُعدّ تحويلها بعناية ومسؤولية وشمولية السبيل الأمثل.
موضوعات متعلقة..
- الطاقة المتجددة في الهند تغزو صناعة النسيج (تقرير)
- الطاقة المتجددة في الهند تضغط على الشبكة
- سعة الطاقة المتجددة في الهند تقفز 123% خلال 5 أشهر
اقرأ أيضًا..
- الذكاء الاصطناعي بقطاع الطاقة في 2025.. 5 دول عربية تتصدر التحول
- ارتفاع احتياطيات الغاز العالمية في 2025.. وهؤلاء الـ10 الكبار
- الطلب على الغاز الطبيعي في 2025.. أوروبا تقود النمو وسط ضغوط الأسعار
المصدر:





