كيف يخفّض الاقتصاد الدائري الانبعاثات الكربونية في قطاع الزراعة؟.. خبير يجيب
داليا الهمشري

في وقت تتسارع فيه وتيرة التغيرات المناخية ويتزايد حجم الانبعاثات الكربونية، يبرز دور الاقتصاد الدائري في قطاع الزراعة الذي يمثّل أحد أكثر القطاعات تأثرًا بهذه التحولات، وفي الوقت نفسه أحد المساهمين الرئيسين فيها.
وتعتمد النظم الزراعية التقليدية على نموذج اقتصادي خطي قائم على استخراج الموارد واستعمالها ثم التخلص منها؛ ما أصبح يشكّل عبئًا بيئيًا متزايدًا، ويُسهم في تفاقم انبعاثات الاحتباس الحراري، واستنزاف الموارد الطبيعية.
ومن هنا، تبرز أهمية الاقتصاد الدائري في الزراعة بوصفه أحد الحلول الفاعلة لخفض الانبعاثات، عبر إعادة توظيف المخلفات الزراعية وتحويلها إلى موارد ذات قيمة اقتصادية، بما يدعم الأمن الغذائي ويُعزّز استدامة النظم الزراعية.
وفي هذا السياق، خلصت دراسة أجراها أستاذ اقتصادات التغيرات المناخية، رئيس قسم بحوث الأرصاد الجوية الزراعية في مركز البحوث الزراعية، الدكتور عاصم عبدالمنعم أحمد، واطلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- إلى أن التحول نحو الاقتصاد الدائري في قطاع الزراعة يمثّل أحد أهم المسارات لخفض الانبعاثات الكربونية وتحقيق الاستدامة البيئية والاقتصادية في آنٍ واحد.
خفض الانبعاثات الكربونية
أوضح الدكتور عاصم عبدالمنعم أن المزارعين يعتمدون -في سعيهم لزيادة إنتاجية المحاصيل- على ممارسات مكثفة ومواد كيميائية تُحقّق مكاسب قصيرة الأجل، لكنها تُخلّف آثارًا بيئية جسيمة، من تدهور التربة وتلوث المياه، إلى زيادة الانبعاثات الكربونية.
ولفت إلى أن الاقتصاد الدائري يُعد منهجًا انتقاليًا يهدف إلى تجاوز النموذج الاقتصادي الخطي غير المستدام، الذي يقوم على 4 خطوات: الاستخراج، والإنتاج، والاستهلاك، والنفايات، نحو نموذج أكثر كفاءة واستدامة، يعتمد على: تحسين الإنتاج وترشيد الاستهلاك وتقليل النفايات وتعظيم إعادة التدوير والحفاظ على الموارد الطبيعية.

ويُظهر هذا التحول أهميته بصفة خاصة في قطاع الزراعة، الذي ينتج سنويًا نحو 1.6 مليار طن من المخلفات الزراعية، ويُسهم بما يقرب من 3.3 مليار طن من الانبعاثات وفق نماذج الاقتصاد الخطي.
دور الاقتصاد الدائري
قال أستاذ اقتصادات التغيرات المناخية الدكتور عاصم عبدالمنعم -في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- إن استخراج المواد واستعمالها يمثّلان المحرك الرئيس لأزمات الكوكب الثلاث: تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، والتلوث.
وأوضح أن هذا الاتجاه يُسهم فيما يقرب من ثُلثي الانبعاثات الكربونية، وأكثر من 90% من فقدان التنوع البيولوجي، وتفاقم شح المياه على مستوى العالم.
وفي الزراعة، يتجسّد هذا النموذج الخطي في الاعتماد على مدخلات أولية جديدة، ثم التخلّص من المخلفات عبر الحرق أو الدفن، بما يفاقم الانبعاثات الكربونية ويهدر الموارد.
وتابع أن الاقتصاد الدائري يُقدّم إطارًا عمليًا لتحويل هذا التحدي إلى فرصة، عبر إعادة استعمال المنتجات وتقليل نفايات الزراعة وتوليد قيمة مضافة من المخلفات وخفض الانبعاثات الكربونية وتعزيز ربحية المزارعين.
كما يُسهم في دعم مفاهيم مترابطة مثل الاقتصاد الأخضر، والاقتصاد الأزرق، والاقتصاد الحيوي الدائري الذي يركز على تحويل الموارد البيولوجية المتجددة والنفايات إلى غذاء وأعلاف وطاقة حيوية ومنتجات ذات قيمة مضافة.
إدارة المخلفات
في إطار الاقتصاد الدائري، يمكن تحويل المخلفات الزراعية إلى: أسمدة عضوية (كمبوست)، وأعلاف حيوانية، وطاقة حيوية (بيوغاز)؛ ما يُسهم في تقليل الاعتماد على الأسمدة الكيماوية، وتحسين خصوبة التربة، وخفض الانبعاثات الناتجة عن الحرق العشوائي للمخلفات.
وأبرز الدكتور عاصم عبدالمنعم، في دراسته، أن تطبيق الاقتصاد الدائري في الزراعة ما زال يواجه عدة تحديات، أبرزها: نقص الوعي لدى بعض المزارعين، والحاجة إلى استثمارات أولية في التقنية، وغياب التشريعات والحوافز في بعض المناطق.
ولفت عبدالمنعم -في تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- إلى أن مواجهة هذه التحديات تتطلّب تعزيز التعاون بين مراكز البحوث والمزارعين، وتقديم حوافز مالية وتمويل أخضر، وتكثيف برامج التدريب وبناء القدرات.

وأشار إلى أن أثر الاقتصاد الدائري الزراعي لا يقتصر على حماية البيئة، بل يمتد ليشمل: توفير فرص عمل جديدة في المناطق الريفية، وفتح أسواق تصديرية للمنتجات المستدامة، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من بعض المدخلات الزراعية.
وأكد أن التحول نحو الاقتصاد الدائري في قطاع الزراعة أصبح يمثّل ضرورة ملحة وليس خيارًا، في ظل التحديات المناخية المتزايدة، لافتًا إلى أنه يُعد مسارًا متكاملًا لخفض الانبعاثات الكربونية، وتعزيز الأمن الغذائي، وحماية الموارد الطبيعية، بما يضمن استدامة النظم الزراعية وحقوق الأجيال القادمة.
موضوعات متعلقة..
- لخفض الانبعاثات الكربونية.. دراسة مصرية تدمج الزراعة دون تربة في المدن الذكية
- خفض انبعاثات قطاع الزراعة ضرورة ملحة للعمل المناخي.. وهذه أبرز الحلول
- فريق مصري يتوصل لتقنية تحقق الاستدامة في قطاع الزراعة
اقرأ أيضًا..
- قبل عودتها لمصر.. ناقلة غاز مسال في مهمة تاريخية
- الهيدروجين الطبيعي في الدول العربية.. مسح: الإمارات والمغرب بالصدارة
- أكبر 3 اكتشافات نفط عربية في 2025
- توقعات أسعار النفط في 2026.. "الطاقة" تنشر أكبر استطلاع عالميًا





