قطاع النفط والغاز في إيران.. 3 سيناريوهات تطرحها الاحتجاجات المحلية (مقال)
أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

- قطاع النفط والغاز في إيران يُمثّل محور هذه الأزمة
- حقل بارس الجنوبي يُزوّد ما يقارب 75 إلى 80% من إنتاج الغاز الوطني
- الاضطرابات المحلية في مناطق إنتاج النفط قد تخفض الإنتاج بنسبة تتراوح بين 5 و15%
- الاحتجاجات وحدها تُضيف ما يُقدّر بـ5-15 دولارًا أميركيًا للبرميل علاوة مخاطرة
يُعدّ قطاع النفط والغاز في إيران عاملًا مهمًا في حسابات أزمة الاحتجاجات المحلية الراهنة، إذ تشهد إيران، بدءًا من يناير/كانون الثاني 2026، أشد موجة اضطرابات على مستوى البلاد منذ سنوات.
فمع دخولها يومها الـ13على التوالي، استمرت الاحتجاجات التي بدأت في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، على الرغم من انقطاع الإنترنت شبه التام، والانتشار الأمني المكثف، واستعمال مؤسسات الدولة للقوة المفرطة.
وما يميز هذه الموجة عن موجات الاحتجاجات السابقة هو تزامن الانهيار الاقتصادي الحادّ، وتآكل شرعية النظام، وتصاعد الضغط العسكري الخارجي، ما وضع الجمهورية الإسلامية تحت ضغوط متعددة الأبعاد.
وكان الانهيار الاقتصادي هو المحفّز المباشر، فقد أدى انخفاض قيمة الريال الإيراني إلى ما دون 1.5 مليون ريال للدولار الأميركي، بالإضافة إلى تضخم تجاوز 40-50%، إلى زيادة سرعة تفشّي الفقر بين الأسر وتدهور القدرة الشرائية.
العقوبات الدولية المتجددة على قطاع النفط والغاز في إيران
تفاقمت هذه الضغوط بفعل العقوبات الدولية المتجددة على قطاع النفط والغاز في إيران في أعقاب الهجمات الإسرائيلية والأميركية عام 2025، التي زادت من تقييد التجارة والوصول المالي وصادرات الطاقة.
وعلى عكس موجات الاضطرابات السابقة التي كانت مدفوعة بمظالم محددة، تعكس الاحتجاجات الحالية فقدانًا ممنهجًا للثقة في جدوى الدولة الاقتصادية.
وفي الوقت نفسه، فإن ما بدأ مظاهرات مدفوعة بارتفاع الأسعار سرعان ما تحول إلى تحديات مباشرة لشرعية النظام.
وتصاعدت شعارات الاحتجاج إلى دعوات صريحة للإطاحة بالمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، مع استحضار بعض المناطق لآخر نجل لشاه إيران، رضا بهلوي، المقيم في المنفى.
وتعكس هذه الشعارات التشرذم أكثر من كونها استجابة سياسية منسّقة، لكن ظهورها يؤكد عمق الشعور بالعزلة.
وقد سُجلت احتجاجات في ما بين 46 و156 مدينة موزعة على 21 إلى 27 محافظة، بما في ذلك طهران وأصفهان ومشهد، والعديد من المناطق المناوئة والموالية تقليديًا، ما يسلّط الضوء على اتّساع نطاق السخط.

ردّ الدولة
كان ردّ الدولة حازمًا لا هوادة فيه، فقد لجأت قوات الأمن، بما فيها الحرس الثوري الإيراني ووحدات الباسيج وجماعات مسلحة أخرى، إلى الاعتقالات الجماعية والذخيرة الحية وقطع الاتصالات على نطاق واسع.
وتراوحت أعداد القتلى المبلَّغ عنها بين 28 و42 قتيلًا، مع وجود أكثر من 2200 معتقل حتى أوائل يناير/كانون الثاني الجاري.
وقد أدى تدمير الممتلكات، بما في ذلك هجمات الحرق العمد على المباني العامة والمواقع التجارية، إلى تصعيد المواجهات.
في أول تصريح علني له منذ بدء الاضطرابات، وصف المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي المتظاهرين بأنهم "مخرّبون" يخدمون مصالح أجنبية، ورفض أيّ تنازلات رفضًا قاطعًا، ما ينذر بحملة قمع مطولة.
وتتكشف هذه الأزمة الداخلية في لحظة بالغة الحساسية الإستراتيجية، فقد كشفت حرب الأيام الـ12التي اندلعت في يونيو/حزيران 2025 مع إسرائيل عن نقاط ضعف في الدفاعات الجوية الإيرانية، والبنية التحتية الصاروخية، وأنظمة القيادة والسيطرة.
وأدت الخسائر في صفوف كبار ضباط الحرس الثوري الإيراني وتضرر المنشآت الإستراتيجية إلى تقويض مصداقية الردع وزيادة قلق النخب.
وتُشكّل هذه الثغرات الأمنية تصورات طهران للتهديدات، وتُفاقم المخاوف من اضطرابات داخلية مُنسّقة وهجوم خارجي.
وعلى الصعيد الخارجي، يتدهور الوضع بسرعة، فقد حذّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب مرارًا وتكرارًا من أن واشنطن ستردّ بقوة إذا قتلت قوات الأمن الإيرانية متظاهرين سلميين.
بدوره، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مجددًا استعداده لشنّ ضربات جديدة ضد البرامج النووية والصاروخية الإيرانية.
وردّ المسؤولون الإيرانيون بتهديدات باتخاذ إجراءات استباقية وتشكيل مجلس دفاع جديد، ما يعكس حالة تأهُّب قصوى وضغطًا مؤسسيًا.
أهمية قطاع النفط والغاز في إيران
يُمثّل قطاع النفط والغاز في إيران محور هذه الأزمة، فعلى الرغم من العقوبات، ظلّ إنتاج النفط الخام في أواخر عام 2025 عند مستوى يتراوح بين 3.2 و3.5 مليون برميل يوميًا، مع تصدير ما بين 1.9 و2.3 مليون برميل يوميًا، وُجّهت غالبيتها العظمى إلى الصين عبر شبكات الشحن غير الرسمية.
وقد درّت هذه التدفقات ما يُقدّر بنحو 50 إلى 65 مليار دولار سنويًا، مُشكّلةً بذلك الركيزة الأساسية لإيرادات الدولة.
ويُعاني النظام من هشاشة هيكلية كبيرة، إذ يمرّ ما يقارب 90% من صادرات النفط الخام عبر جزيرة خارج (خارك)، بينما يُزوّد حقل بارس الجنوبي ما يقارب 75 إلى 80% من إنتاج الغاز الوطني.
ويُفاقم تركيز البنية التحتية، وتقادم الأصول، ومحدودية البدائل، من مخاطر الاضطرابات، والإضرابات العمالية، وأعمال التخريب، أو الضربات العسكرية.

السيناريو الأول: بقاء النظام من خلال الإكراه
يبقى المسار الأرجح على المدى القريب هو بقاء النظام من خلال الإكراه.
ويدعم التاريخ هذا السيناريو: فالجهاز الأمني سليم، ولا تظهر على الحرس الثوري أيّ بوادر انشقاق جماعي، وتفتقر قوى المعارضة إلى قيادة موحدة أو تنسيق عملياتي.
ورغم وقوع إضرابات عمالية وإغلاق أسواق، فإنها لم تصل بعد إلى الحجم اللازم لشلّ الوظائف المالية أو الأمنية.
في ظل هذا السيناريو، يستمر إنتاج قطاع النفط والغاز في إيران إلى حدّ كبير.
وقد تؤدي الاضطرابات المحلية في مناطق إنتاج النفط، مثل خوزستان، أو الاضطرابات اللوجستية المؤقتة، إلى خفض الإنتاج بنسبة تتراوح بين 5 و15%، لكن القدرة التصديرية الأساسية تبقى سليمة.
وستُسعّر الأسواق العالمية علاوات مخاطر متواضعة، ما يُبقي سعر خام برنت ضمن نطاق 70-80 دولارًا للبرميل. يتحمل النظام الأعباء الاقتصادية مع إعطاء الأولوية لاستمرار الإيرادات على حساب الرفاه المحلي.
في المقابل، يزيد القمع المستمر من الحساسية للصدمات الخارجية، إذ يُضعف تحويل الموارد إلى الأمن الداخلي القدرة على الصمود في وجه ضغوط عسكرية أو اقتصادية إضافية، ما يُضيّق هامش الخطأ.
السيناريو الثاني: خفض جزئي للتصعيد عبر إصلاحات تكتيكية
يتضمن مسارٌ أقل ترجيحًا -ولكنه وارد- تقديم تنازلات محدودة تهدف إلى تخفيف حدّة الاحتجاجات دون تغيير هياكل السلطة الأساسية.
وقد تشمل هذه التنازلات دعمًا موجهًا، أو تعديلات وزارية في عهد الرئيس مسعود بزشكيان، أو تدابير انتقائية لمكافحة الفساد مصممة لتفتيت تحالفات الاحتجاج بدلًا من معالجة المظالم الهيكلية.
وقد يجذب الاستقرار النسبي في ظل هذا السيناريو استثمارات صينية أو روسية إضافية في الحقول الناضجة، ما يرفع الإنتاج إلى ما بين 3.8 و4 ملايين برميل يوميًا بحلول أواخر عام 2026.
ويمكن تحقيق نمو في الصادرات بنسبة تتراوح بين 10 و20% إذا خفت حدّة التوترات قليلًا، في حين إن جهود التنويع، مثل التوسع في استعمال محطة جاسك، قد تقلل الاعتماد على جزيرة خارج.
وقد تنخفض الأسعار العالمية إلى ما بين 65 و75 دولارًا للبرميل وسط استقرار مُتوقع.
ويبقى هذا المسار هشًا، فمقاومة المتشددين، وتشكيك المحتجين، وغياب إصلاحات سياسية حقيقية، كلّها عوامل تحدّ من استدامته.
ومن المرجّح أن يؤدي أيّ عمل عسكري خارجي كبير خلال هذه المرحلة إلى انهيار العملية وإلغاء المكاسب.

السيناريو الثالث: التصعيد إلى الانهيار أو التصدع
يحمل هذا السيناريو، الأقل ترجيحًا على المدى القريب، أشد العواقب، إذ قد يؤدي تضافر الاحتجاجات المستمرة، والإضرابات العمالية الجماعية، وانشقاقات النخب، والتمردات العرقية، إلى تصدُّع أجهزة الدولة، في تكرار لإضرابات عمال النفط عام 1979 التي شلّت حكومة الشاه.
في مثل هذا السيناريو، قد ينخفض إنتاج النفط والغاز بنسبة تتراوح بين 50 و80%.
وستتوقف الصادرات، وستتدهور البنية التحتية بسرعة نتيجة الإهمال، وسيستغرق التعافي سنوات، حتى في ظل ظروف سياسية مواتية.
من جهتها، ستواجه الأسواق العالمية اضطرابًا شديدًا، مع تجاوز أسعار النفط الخام 110-150 دولارًا للبرميل، وانتشار الصدمات التضخمية في مختلف الاقتصادات.
في جميع السيناريوهات، يعمل التصعيد العسكري الخارجي مضاعفًا للقوة، وليس متغيرًا مستقلًا.
وقد تتوسع الضربات الأميركية الإسرائيلية المتجددة، التي كانت تستهدف في البداية منشآت الصواريخ أو المنشآت النووية، بسرعة في نطاقها بفعل مسارات التصعيد.
تدفقات النفط العالمية المنقولة بحرًا
من شأن رد إيران عبر هجمات بالوكالة، أو تعطيل الملاحة البحرية، أو زرع الألغام في مضيق هرمز، أن يهدد ما بين 20 و30% من تدفقات النفط العالمية المنقولة بحرًا.
وحتى التعطيل قصير الأجل سيكون له آثار بالغة في تكاليف الشحن، وأقساط التأمين، وسلاسل التوريد، لا سيما بالنسبة للمستوردين الآسيويين والأوروبيين.
وتمتلك إيران ما يقارب 9-10% من احتياطيات النفط العالمية المؤكدة، ما يجعل استقرارها ذا أهمية هيكلية بالغة لأمن الطاقة.
وتُضيف الاحتجاجات وحدها ما يُقدّر بـ5-15 دولارًا أميركيًا للبرميل كعلاوة مخاطرة، وإذا ما اقترنت بتصعيد عسكري، فقد تصل هذه العلاوات إلى 20-40 دولارًا.
تغيير مسارات الشحن
من شأن النزاعات بالوكالة في البحر الأحمر والخليج العربي أن تُفاقم التكاليف من خلال تغيير مسارات الشحن وارتفاع أسعاره.
وتواجه الصين، التي تستوعب نحو 90% من الصادرات الإيرانية، مخاطر متزايدة للتقلبات والعقوبات، بينما ستواجه أوروبا والهند ضغوطًا تضخمية فورية.
وتُمثّل احتجاجات إيران في يناير/كانون الثاني 2026 أكثر من مجرد جولة أخرى من الاضطرابات، فهي تعكس تضافر الانهيار الاقتصادي، وتآكل الشرعية، والمواجهة الجيوسياسية، ما يضع الدولة تحت ضغط متعدد الاتجاهات غير مسبوق.
وعلى الرغم من أن القمع يبقى النتيجة الأرجح على المدى القريب، فإن حجم الاضطرابات واستمرارها، إلى جانب التشدد الخارجي، يزيد من خطر حدوث اضطراب حاد في قطاع الطاقة.
ويُعدّ قطاع النفط والغاز الإيراني جوهر هذا الضعف، إذ يربط بقاء إيران الداخلي باستقرار الطاقة العالمي. وفي غياب مخرجات دبلوماسية موثوقة، فإن سوء التقدير من جانب أيّ طرف قد يحول الأزمة الداخلية إلى صدمة عالمية منهجية ذات عواقب دائمة.
الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- مواقع النفط والغاز في إيران تحت القصف الإسرائيلي (تقرير)
- مواقع النفط والغاز في إيران لم تُستهدف "حتى الآن".. ما القصة؟
- حقول النفط والغاز في إيران.. أهم بيانات الاحتياطيات والإنتاج (ملف خاص)
اقرأ أيضًا..
- توقعات أسواق النفط في 2026 ودور أوبك+.. 10 خبراء يتحدثون
- رسالة من كلمتين.. رد إيران على العراق بخصوص قطع الغاز
- أكبر صفقات الهيدروجين في 2025.. مسح لـ"الطاقة": 3 دول عربية بالصدارة





