المقالاترئيسيةمقالات النفطنفط

فنزويلا.. بين المرض الهولندي ولعنة الموارد (مقال)

المهندس تركي حمش

يمكن النظر إلى فنزويلا بوصفها مختبرًا عالميًا بارزًا لدراسة الأثر السياسي والاقتصادي للثروة النفطية في بناء الدولة، فمنذ اللحظة التاريخية في عام 1922 التي شهدت اندفاع بئر "باروسو 2" في حقل لا روزا، لم يعد النفط مجرد سلعة تجارية في كاراكاس، بل أصبح العقد الاجتماعي الذي يربط الدولة بالشعب.

كان اندفاع تلك البئر ظاهرةً استثنائيةً سلّطت الضوء عالميًا على أهمية الموارد الفنزويلية، إذ اندفع النفط بمعدل بلغ 100 ألف برميل يوميًا لمدة 9 أيام متواصلة، ما جذب كبرى الشركات العالمية.

ومع انجذاب الشركات العالمية إلى قطاع النفط في فنزويلا، تحولت الدولة من بلد زراعي بسيط يعتمد على تصدير القهوة إلى لاعب محوري في سوق الطاقة العالمية.

لكن رحلة الريادة -وحتى الوصول إلى التحديات الراهنة في مطلع عام 2026- تكشف عن صراع مرير بين طموحات التنمية الاجتماعية وبين قوانين الاقتصاد الكلي الصارمة.

المرض الهولندي

يعود أصل تسمية (المرض الهولندي) إلى عام 1977، عندما صاغت مجلة ذي إيكونوميست (The Economist) هذا المصطلح لوصف الأزمة الاقتصادية التي أصابت هولندا عقب اكتشاف حقول ضخمة من الغاز الطبيعي في بحر الشمال في أواخر الخمسينيات.

لاحظ الاقتصاديون حينها أن زيادة صادرات الغاز أدت إلى ارتفاع حادّ في قيمة (الجيلدر الهولندي)، مما جعل الصادرات غير النفطية مثل المنتجات الصناعية والزراعية أغلى ثمنًا، ولم تعد قادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.

من الناحية العلمية، يصف هذا المصطلح مفارقة اقتصادية تنشأ عندما يؤدي اكتشاف مورد طبيعي كبير إلى تدفُّق ضخم للعملات الأجنبية، مما يرفع القيمة الحقيقية للعملة المحلية.

والنتيجة النهائية هي عملية إلغاء التصنيع (De-industrialization) وتآكل القطاع الزراعي، مما يترك الاقتصاد مرتهنًا كليًا لقطاع الموارد فقط.

في فنزويلا، كان هذا المرض حاضرًا منذ عقود، حيث أدى الاعتماد على النفط إلى إضعاف القدرة الإنتاجية في الريف والمناطق الصناعية، مما جعل البلاد تستورد أبسط احتياجاتها الغذائية من الخارج.

وبينما يُعدّ المرض الهولندي ظاهرة تقنية تتعلق بأسعار الصرف والتوازنات القطاعية، فإن (لعنة الموارد) -أو ما يسمى مفارقة الوفرة- هي مفهوم أوسع يمتدّ ليشمل الأبعاد السياسية والمؤسسية.

إذ تُعرّف لعنة الموارد بأنها الحالة التي تنجح فيها الدول الغنية بالموارد غير المتجددة في تحقيق نمو اقتصادي يوازي ثرواتها. وتحدث هذه اللعنة نتيجة السلوك الريعي، حيث تركّز السلطة على توزيع عوائد المورد لضمان الاستقرار والولاء بدلًا من بناء قاعدة إنتاجية صلبة.

وتؤدي هذه اللعنة غالبًا إلى إضعاف المؤسسات الرقابية، وتفشّي الفساد الإداري، وارتباط ميزانية الدولة كليًا بأسعار السلع المتقلبة عالميًا، مما يجعل الدولة عرضةً لهزّات اقتصادية عنيفة عند هبوط الأسعار.

ويُلحَظ من تحليل مسار الإنتاج الفنزويلي أن الدولة مرّت بمراحل متباينة تعكس الرؤية السياسية لكل حقبة. ويوضح الجدول التالي الفجوة المتنامية بين الالتزام الدولي (الحصة) والقدرة الفنية (الإنتاج الفعلي).

السنة حصة الإنتاج ضمن أوبك الإنتاج الفعلي (مليون برميل يوميًا) وصف المرحلة
1960 لا يوجد نظام حصص 2.85 التأسيس والنمو التقني المستقل
1976 لا يوجد نظام حصص 2.30 عام التأميم وبدء السيادة الوطنية على الموارد
1982 1.50 1.89 اختبار نظام الحصص الأول لمواجهة التخمة
1990 1.94 2.13 دور فنزويلا بصفتها موازنًا للاستقرار العالمي
1998 2.58 3.45 ذروة الانفتاح النفطي والتدفقات الرأسمالية
2005 3.10 2.63 بداية نشوء "فجوة العجز" الفنية
2010 3.01 2.35 تحوّل التدفقات النقدية نحو الإنفاق الاجتماعي
2015 3.01 2.32 صدمة أسعار النفط وبداية الأزمة الهيكلية
2019 معفاة 1.01 أثر العقوبات الاقتصادية والقيود المالية
2023 معفاة 0.78 استنزاف البنية التحتية والإنتاج الحدي
2025 معفاة 1.93 تأثير تجميد العقوبات

سياسة انفتاح النفط في فنزويلا

بدأت فنزويلا في أوائل التسعينيات بتطبيق سياسة الانفتاح النفطي، في استجابة إستراتيجية لتدنّي الإنتاج ونقص السيولة.

لم يكن الهدف من هذه السياسة جلب رؤوس الأموال فحسب، بل تَمثَّل هدفها الجوهري بتأمين التكنولوجيا المعقّدة اللازمة لاستغلال مكامن النفط الثقيل جدًا في حزام أورينوكو.

تطلبت هذه المكامن تقنيات متقدمةً تتضمن بناء معامل التحسين العملاقة لتحويل الخام الثقيل إلى نفط يمكن نقله وتصديره، بالإضافة إلى استعمال طرق الرفع الاصطناعي المتطورة.

وبحلول عام 1998، أثمرت هذه الشراكات التقنية بوصول الإنتاج لمستويات قياسية بلغت قرابة 3.5 مليون برميل يوميًا، حيث كانت شركة “PDVSA” تدار حينها بعقلية تكنوقراطية مستقلة تضع الاستثمار التقني وصيانة الحقول في مقدمة أولوياتها.

ومع وصول الرئيس هوغو تشافيز إلى السلطة، حدث تحولٌ جذريٌ في فلسفة إدارة الموارد النفطية، إذ تبنّت الإدارة رؤيةً تهدف إلى استعمال ريع النفط أداةً أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية ومعالجة التفاوت الطبقي التاريخي في فنزويلا.

وأُطلِقَت المهمات الاجتماعية التي موّلت الصحة والتعليم والإسكان مباشرةً من عوائد شركة PDVSA، وأدت هذه السياسة من الناحية الاقتصادية إلى زيادة الإنفاق العام بشكل كبير.

ومع ارتفاع أسعار النفط عالميًا خلال العقد الأول من القرن 21، تمكنت فنزويلا من تحقيق قفزات في المؤشرات الاجتماعية، إلّا أن هذا التوجّه صاحَبَته تحدياتٌ هيكلية، فبعد إضراب قطاع النفط (2002-2003)، سُرِّحَ آلاف الخبراء والمهندسين، مما أدى إلى فقدان (الذاكرة المؤسسية) للشركة.

وبدأت ميزانيات الصيانة والتنقيب تتقلص لصالح بنود الإنفاق الاجتماعي، مما خلق فجوة عجز فنية بدأت تظهر في تراجع القدرة الإنتاجية عن بلوغ حصص أوبك المقررة، كما هو موضح في الجدول عند عام 2010.

إحدى مصافي النفط التابعة لشركة بتروليوس دي فنزويلا
إحدى مصافي النفط التابعة لشركة بتروليوس دي فنزويلا - الصورة من وكالة رويترز

رئاسة مادورو وانهيار أسعار النفط

تولّى الرئيس نيكولاس مادورو السلطة بعد وفاة الرئيس تشافيز عام 2013 في لحظة حرِجة اتّسمت بانهيار حادّ في أسعار النفط العالمية.

وواجهت إدارته ضغوطًا اقتصاديةً مزدوجة، فمن جهة، تراجعت الإيرادات النفطية بسبب هبوط الأسعار وتقادم المنشآت، ومن جهة أخرى، بدأت القيود الدولية والعقوبات الاقتصادية الصارمة في عام 2017 و2019 تضيّق الخناق على قدرة الدولة على التصدير.

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو
الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو- الصورة من مجلة فورتشن

في هذه المرحلة، مثّلت فنزويلا حالةً قصوى من لعنة الموارد، فبسبب الاعتماد الأحادي على النفط وعدم نجاح خطط التنويع الاقتصادي السابقة، وجد الاقتصاد نفسه مكشوفًا تمامًا.

أدت العقوبات إلى حرمان شركة “PDVSA” من الوصول إلى التكنولوجيا الأميركية وقطع الغيار والمخففات (المذيبات) الضرورية لمعالجة النفط الثقيل، فتراجع الإنتاج إلى ما دون 1.5 مليون برميل يوميًا.

ودخلت البلاد في دوامة التضخم المفرط، مما جعل الإدارة تركّز على إستراتيجيات البقاء الاقتصادي وإدارة الأزمات، وصولًا إلى المتغيرات السياسية الكبرى في مطلع عام 2026.

في عام 2008، أعلنت فنزويلا قفزة هائلة في احتياطياتها المؤكدة لتتجاوز 300 مليار برميل، وكان هذا ناتجًا عن إعادة تصنيف النفط غير التقليدي في حزام أورينوكو ليصبح احتياطيًا مؤكدًا جيولوجيًا.

وهنا برزت لعنة الموارد ثانية في أوضح صورها، فبينما كانت الاحتياطيات الورقية تنمو، كان الإنتاج الفعلي ينهار.

وربما يشير هذا التناقض إلى أن الثروة في باطن الأرض لا قيمة لها دون وجود استقرار مؤسسي وبيئة استثمارية تضمن تحويلها إلى تيار نقدي مستدام.

إن الفرق بين البرميل في المكمن والبرميل في الناقلة هو ترجمة فعلية للقدرة الجيولوجية والكفاءة الإدارية.

منعطف تاريخي جديد

ثم شهدت فنزويلا منعطفًا تاريخيًا جديدًا بعد الأحداث المتسارعة في يناير 2026، حيث ألقت الولايات المتحدة القبض على الرئيس مادورو باتّهامات تتعلق بالاتّجار في المخدرات.

وبغضّ النظر عن الآلية التي سوف تُدار البلاد فيها أو الجهة التي ستديرها، فإن أيّ خطة قادمة لإعادة الإعمار النفطي يجب أن تأخذ في الحسبان معالجة آثار العقوبات الدولية وإعادة بناء البنية التحتية المتهالكة.

وربما لن يكون التحدي الأكبر في حفر الآبار، بقدر ما سيكون في ترميم المؤسسات واستعادة الثقة العالمية لجذب الاستثمارات اللازمة لتطوير حزام أورينوكو من جديد.

أسعار النفط
منصة بأحد حقول النفط في فنزويلا - الصورة من رويترز

لا شك أن المشهد الحالي في فنزويلا في غاية التعقيد، فلم يعد السؤال يتمحور حول حجم الاحتياطيات الفعلي ونوعية النفط، بل حول من يملك القدرة على إنتاج هذا النفط.

إن رحيل مادورو عن المشهد أو بقاء هيكل السلطة الحالي في حالة من السيولة السياسية يضع البلاد أمام مسارين:

الأول: أن تتولى زمام القطاع النفطي إدارة تكنوقراطية مدعومة دوليًا تضع نصب أعينها خصخصة أجزاء واسعة من قطاع الطاقة لتوفير السيولة العاجلة.

الثاني: أن تنزلق البلاد نحو صراع نفوذ طويل الأمد بين قوى إقليمية ودولية تحاول وضع يدها على أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم.

ويبدو أن تجربة فنزويلا أثبتت أن الثروة الطبيعية حين تدار بعقلية سياسية صرفة تعمل على تسييس القرار النفطي، قد تتحول من نعمة إلى أداة للهدم المؤسسي.

وسواء كانت القيادة القادمة في كاراكاس تمثّل امتدادًا للتيار الاشتراكي بوجوه جديدة، أو كانت حكومة مدعومة من الغرب، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في الخطابات السياسية، بل في القدرة على إعادة بناء القطاع النفطي بصفته كيانًا مؤسسيًا مستقلًا لا يتنفس فقط من خلال أسعار النفط في الأسواق العالمية.

*المهندس تركي حمش.. خبير بترول/استكشاف وإنتاج

*هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق