مقالات التغير المناخيالتغير المناخيرئيسية

الوعود المناخية وسط تعالي أصوات طبول الحروب في 2026 (مقال)

حياة حسين

شهد عام 2025 الذي انتهى منذ أيام قليلة، تراجعًا عن العديد من الوعود المناخية، من قبل الشركات والدول على حدّ سواء، وقادت هذا الاتجاه أميركا، بسبب الرئيس دونالد ترمب، الذي لم يدّخر جهدًا في القضاء على كل ما يصبّ في صالح المناخ، حتى إن وصلت إلى دقِّ طبول حرب جديدة بثالث أيام 2026 في فنزويلا.

لم يُخفِ ترمب عداءه لكل مدافع عن جهود مكافحة تغير المناخ، منذ أن وطأت قدماه البيت الأبيض، لولاية ثانية في 20 يناير/كانون الثاني 2025.

ولم يتوقف عن التعدي اللفظي على مشروعات الطاقة المتجددة، لدرجة أنه وصف مزرعة رياح تطل على ملعب غولف تمتلكه عائلته في إسكتلندا بـ"القبيحة عديمة الجدوى".

ترمب لم يكتفِ بتشويه صورة الطاقة المتجددة التي يعوّل العالم عليها لتحقيق الوعود المناخية والحياد الكربوني مستقبلًا، لكنه سحب كل أنواع الدعم الذي قدّمه سلفه جو بايدن لمشروعات الطاقة الشمسية ومزارع الرياح، وحتى شراء السيارات الكهربائية، وهو ما أثار غضب حليفه السابق، مؤسس شركة تيسلا إيلون ماسك.

وبسبب ترمب ونظرته لقضية المناخ، غابت أميركا عن قمة المناخ كوب 30 التي عُقِدت في مدينة بيليم البرازيلية خلال نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، لأول مرة في تاريخ هذه القمم.

التسليح وتدمير الوعود المناخية

منذ عودة ترمب إلى السلطة مجددًا، لا يفوِّت مناسبة إلّا يكرر فيها الإشارة إلى نجاحه بوقف العديد من حروب العالم، لكن لا أحد يعلم ما هذه الحروب التي أوقفها، باستثناء اتفاق غزة، التي ما تزال تتعرض للضربات الإسرائيلية يوميًا، وتعاني من نقص المساعدات.

حقيقة الأمر أن ترمب استغل حروبًا قائمة مثل تلك المشتعلة في أوكرانيا منذ ما يقارب 4 سنوات، أو أشعل حروبًا مثلما فعله في فنزويلا بداية العام الجاري، لتحقيق مكاسب، وهو ما يثير قلق دول أخرى، قد يدفعها إلى توجيه رؤوس الأموال للتسليح أكثر من تحقيق الوعود المناخية.

كما دفع أوروبا، التي تقود العالم في مجال مكافحة تغير المناخ، إلى زيادة الانفاق العسكري لرقم هائل، ما سينعكس سلبًا -حتمًا- على استثمارات الصناعات النظيفة والطاقة الخضراء.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب - الصورة من ساكسفول فارمينغ

وكان مدير مؤسسة دعم التجارة والصادرات السويدية (إس إي كيه) جنز هيدار قد أشار في تصريحات صحفية إلى أن المؤسسة التي اعتادت تمويل المنتجات المتعلقة بقطاعات النقل والطاقة وصادرات الألبان السويدية، رفعت مؤخرًا تمويل مشروعات الدفاع، بعد تغير الظروف العالمية، خاصةً غزو روسيا أوكرانيا.

ترمب يخدع العالم

ترمب خدع العالم حول هدف تدخله لوقف الحرب الروسية في أوكرانيا، فلم يكن الأمر متعلقًا بوقف الحرب بقدر الحصول على معادن كييف النادرة، بدليل إعلانه عدم استجابة موسكو، فور نجاح ضغوطه على الرئيس فلوديمير زيلينسكي، الذي وافق على اتفاق مع واشنطن، في مايو/أيار الماضي.

عدّ ترمب هذا الاتفاق بمثابة ردّ ديون أوكرانيا لصالح بلاده التي أنفقتها لدعم كييف خلال حرب روسيا، وقال قبل توقيعه في فبراير/شباط 2025، إن على أوكرانيا تزويد الولايات المتحدة بـ"المعادن النادرة" لردّ الدين، الذي تجاوز 300 مليار دولار، مقابل 100 مليار دولار من أوروبا فقط.

وقبل أيام أشار الرئيس الأميركي إلى اعتقاده بأن بلاده ستستعيد كل ما أنفقته في أوكرانيا، قائلًا: "استعدتُ جزءًا كبيرًا من الأموال التي أُنفقت على أوكرانيا، باتفاق المعادن النادرة، وسنستعيد الكثير من تلك الأموال، ربما كلّها، وربما أكثر".

المعادن النادرة في أوكرانيا
جانب من لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب بنظيره الأوكراني فلاديمير زيلينسكي خلال الحملة الانتخابية في سبتمبر 2024 - الصورة من CNN

كما استغلّ ترمب حرب روسيا ضد أوكرانيا في الضغط على الهند، حيث زاد التعرفات الجمركية على الدولة الآسيوية صاحبة أكبر تعداد سكاني في العالم (نحو 1.4 مليار نسمة)، إلى 50% من 25% بسبب مشترياتها من نفط موسكو، وهدّد نيودلهي برفعها إلى 100% إذا لم تتوقف عن تلك المشتريات.

وقف شراء نفط موسكو لم يكن هدف ترمب أصلًا، لكنه وسيلة ضغط على الهند لفتح أسواقها الهائلة للسلع الزراعية الأميركية خصوصًا، والأمر نفسه يفعله مع البرازيل.

حرب فنزويلا

ردّ ما أنفقته أميركا في دول أخرى في صورة مساعدات أو مصادرة أصول شركات عبر التأميم، هو الهدف الأول للرئيس الأميركي منذ عودته إلى الحكم لولاية ثانية، حتى إن كان سيشنّ حربًا كما حدث في فنزويلا، حيث هاجم كاركاس في 3 يناير/كانون الثاني الجاري، وخطف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، وهما يخضعان للتحقيق حاليًا أمام محكمة فيدرالية في الولايات المتحدة بتهم تتعلق بالاتّجار في المخدرات والأسلحة.

أكد هذه الرؤية مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إذ قال: "الحكومة الفنزويلية مدينة بعشرات المليارات من الدولارات لشركات نفط أميركية.. وبما أن الحكومة مفلسة، ولا تستطيع الدفع، ترمب يريد بيع النفط لتحصيل ديون الشركات.. الأموال ستذهب لسداد الديون الأميركية، وإذا استبدلنا النفط بأيّ مادة أخرى، حصل الأمر نفسه، هذا يعني أن النفط ليس الهدف، تحصيل الديون هو الهدف".

الأضرار التي يتسبب فيها ترمب والتي تتمثل في عدم تحقيق الوعود المناخية، ليست بالتحقير من الجهود وإلغاء الدعم فحسب، ولكن بالإسهام في إشعال حروب وتوتر عالمي يبعد الأنظار عن القضايا الرئيسة المهمة لمستقبل الأرض، إذ تؤكد كل الدراسات أن الصراعات أشد خطرًا على البيئة من الكوارث المناخية.

وعلى سبيل المثال، أشارت دراسة صادرة عن مركز العلوم الأوروبي "إي يو ساينتست هب"، في أبريل/نيسان 2025، إلى أن الغزو الروسي لأوكرانيا أسهم في تفاقم التدهور البيئي نتيجة لإطلاق عناصر سامة ناجمة عن العمليات العسكرية، رغم انخفاض انبعاثات الأنشطة الصناعية، كما عاقت الحرب قدرة البلاد على رصد التغيرات البيئية والاستجابة لها.

* حياة حسين- صحفية مصرية متخصصة في قضايا الاقتصاد والمناخ.

* هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق