هدف ترمب الحقيقي من السيطرة على النفط الفنزويلي (تقرير)
أحمد بدر

يتصدّر النفط الفنزويلي النقاشات السياسية والاقتصادية العالمية، مع تصاعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي أثارت جدلًا واسعًا حول الأهداف الحقيقية وراء حديثه المتكرر عن السيطرة والبيع والأسواق.
وقال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن فهم تصريحات ترمب يتطلّب العودة إلى تاريخ النفط العالمي، خاصة مفهوم الامتيازات النفطية، محذرًا من التفسيرات السطحية التي تختزل القضية في الإنتاج أو المصافي.
وأشار إلى أن الجدل الدائر يُعيد إلى الأذهان تحولات عميقة شهدتها دول منتجة خلال القرن الماضي، حين اصطدمت مصالح الشعوب مع أرباح الشركات الأجنبية، وهو سياق لا يمكن تجاهله عند تحليل ملف النفط الفنزويلي اليوم.
وأوضح أن ما يُطرح في الإعلام عن إغراق الأسواق أو السيطرة على الاحتياطيات يتجاهل التجربة التاريخية لفنزويلا، وطبيعة دستورها، ومسار التأميم، بالإضافة إلى النزاعات القانونية العالقة مع الشركات العالمية.
جاءت تصريحات أنس الحجي في حلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي "أنسيّات الطاقة"، الذي يقدّمه على مساحات منصة "إكس" (تويتر سابقًا) كل ثلاثاء، وجاءت بعنوان: "من فنزويلا إلى إيران.. كيف يعيد ترمب رسم خريطة النفط؟".
جذور الامتيازات وتأميم الثروة
قال أنس الحجي إن ما يريده ترمب لا يمكن فهمه دون العودة إلى مرحلة الامتيازات النفطية، حين كانت الشركات الأجنبية توقّع عقودًا تمنحها سيطرة شبه كاملة على الموارد، في حين تحصل الدول المنتجة على عوائد محدودة من النفط الفنزويلي.
وأوضح أن هذا النموذج كان سائدًا في الخليج وأميركا اللاتينية، قبل أن تدرك الشعوب حجم الأرباح المحققة مقابل ما تتلقاه، ما أدى إلى فرض أنظمة تقاسم الأرباح بنسبة 50%، ثم لاحقًا التوجه نحو التأميم الكامل.
وأشار إلى أن فنزويلا اتخذت خطوة حاسمة عام 1976 بتأميم قطاع النفط، وإقرار ملكية الدولة لجميع الهيدروكربونات، وتأسيس شركة النفط الوطنية، في مسار مشابه لما فعلته دول عربية عديدة.

ولفت أنس الحجي إلى أن فنزويلا شهدت تاريخًا طويلًا من الانقلابات، ما جعل تغيير الحكم أمرًا متكررًا، قبل أن تأتي حكومات التسعينيات التي عدّلت الدستور وفتحت الباب مجددًا أمام الشركات الأجنبية وزيادة الإنتاج.
وأكد أن إنتاج النفط الفنزويلي تجاوز، آنذاك، 3 ملايين برميل يوميًا، وكانت الولايات المتحدة تستورد نحو مليونَي برميل يوميًا من النفط، مقارنة بمستويات هامشية حاليًا، وهو فارق يعكس عمق التحولات السياسية.
وأضاف أن تلك المرحلة تزامنت مع توترات داخل أوبك، حين رفعت فنزويلا إنتاجها خلافًا للحصص، ما أسهم في قرارات تاريخية عام 1997 أدت لاحقًا إلى انهيار الأسعار، في رسالة واضحة للأسواق.
وشدّد خبير اقتصادات الطاقة على أن هذه التجربة التاريخية تُسقط مزاعم تكرار سيناريو إغراق الأسواق مستقبلًا، إذ أثبت الماضي أن أي تجاوزات تقابل بردود حاسمة من المنتجين الكبار.
صعود تشافيز وانهيار أسعار النفط
قال أنس الحجي إن انهيار أسعار النفط في عام 1998 كان لحظة مفصلية، إذ أدى إلى انهيار الاقتصاد الفنزويلي، وخلق فجوة اجتماعية واسعة، مهّدت الطريق نحو وصول هوغو تشافيز إلى رأس السلطة في البلاد.
وأوضح أن السؤال الجوهري الذي يتجاهله دعاة العودة إلى نموذج التسعينيات هو: لماذا انتُخب هوغو تشافيز أصلًا؟ مؤكدًا أن الإجابة تكمن في آثار الانفتاح النفطي غير المتوازن.
وأشار إلى أن الدستور الفنزويلي بعد تشافيز نص بوضوح على أن ملكية الموارد الطبيعية تعود إلى الأمة، وهو مبدأ شائع في معظم دول أوبك والعالم، وليس استثناءً فنزويليًا كما يُصوَّر.

أكد أنس الحجي أن الدعوات الحالية إلى تخصيص النفط الفنزويلي تتجاهل أن حتى الولايات المتحدة لا تُطبّق هذا النموذج على نفطها في الأراضي والمياه الفيدرالية، حيث تبقى الملكية للحكومة.
وتساءل عن منطق المطالبة بتخصيص النفط في فنزويلا، في حين لا يُطالب بتخصيص النفط الأميركي، لافتًا إلى أن هذا التناقض يكشف عن البعد السياسي لا الاقتصادي لتلك الدعوات.
وأضاف أن تأميم الأصول بعد رحيل هوغو تشافيز شمل شركات أميركية وأوروبية، مع وعود بالتعويض لم تُنفّذ، ما دفع الشركات إلى اللجوء للتحكيم الدولي والحصول على أحكام بمليارات الدولارات.
ولفت مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة إلى أن امتناع فنزويلا عن الدفع أدخل الملف في مرحلة جديدة، تحولت فيها الديون إلى جوهر الصراع الحقيقي المرتبط بملف النفط الفنزويلي.
ترمب والنفط الفنزويلي
قال أنس الحجي إن تصريحات الرئيس الأميركي ترمب عن السيطرة على النفط الفنزويلي لا تتعلّق بإغراق الأسواق أو تشغيل المصافي، بل بفكرة واحدة بسيطة هي تحصيل الديون المستحقة للشركات الأميركية.
وأوضح أن الحكومة الفنزويلية مدينة بعشرات المليارات من الدولارات، وفي ظل أوضاع مالية متدهورة، يرى ترمب أن النفط الفنزويلي هو الأصل الوحيد القابل للتحصيل، بعيدًا عن أي شعارات جيوسياسية.

وأشار خبير اقتصادات الطاقة إلى أن هذا المنطق لا يختلف لو كانت فنزويلا تملك معادن أو سلعًا أخرى، مؤكدًا أن النفط هنا مجرد وسيلة، وليس هدفًا بحد ذاته في إستراتيجية ترمب.
وأكد أن هذه الرؤية تضع المعارضة الفنزويلية في مأزق حقيقي، لأن أي زيادة مستقبلية في الإنتاج لن تنعكس على الاقتصاد المحلي، بل ستذهب إلى سداد الديون المرتبطة بالنفط الفنزويلي.
وأضاف أن هذا الواقع يفسّر حذّر بعض الدوائر في واشنطن من تغيير النظام بالكامل داخل فنزويلا، ويفضّلون تسوية تدريجية تضمن تحصيل الديون دون فوضى سياسية طويلة الأمد.
ولفت إلى أن أي اضطراب واسع قد يؤجل تحصيل المستحقات الأميركية لدى فنزويلا لسنوات، ما يجعل بقاء الوضع الحالي، مع تعديل الاتجاهات، خيارًا عمليًا أكثر من المغامرة غير المحسوبة.
وختم أنس الحجي تصريحاته بأن جوهر حديث ترمب عن النفط الفنزويلي لا يرتبط بالسيطرة على الأسواق، بل بتحويل هذا النفط إلى أداة مالية صريحة لتحصيل الأموال، بعيدًا عن كل الضجيج المتداول.
موضوعات متعلقة..
- آثار حصار صادرات النفط الفنزويلي.. كندا والعراق أبرز المستفيدين (تحليل)
- ناقلات النفط الفنزويلي في مرمى التصعيد الأميركي.. مصادرة وملاحقة بالعقوبات
- النفط الفنزويلي يتأهّب لدخول السوق الأميركية مجددًا.. تفاصيل
اقرأ أيضًا..
- تزويد السفن بالغاز المسال.. صفقات أوروبا وأميركا تنعش القطاع في 2025
- حقل غاز مصري احتياطياته تريليونا قدم مكعبة يستعد لحفر أول بئر
- نفط فنزويلا سلاح أميركا للضغط على الصين (تقرير)
المصدر:





